حجازي والمقالح في ليلة أحمد شوقي الدولية

علاء عبدالهادي: شوقي الذي كان يخشى الموت، رزقه الموت الخلود والحياة! وبعده، لم يأت شاعر يتبوأ مكانته في مصر أو في العالم العربي.


حجازي: الشعر لا يزال هو هذه اللغة الأولى حتى الآن، ولهذا نحتاج دائمًا له لأننا نحتاج دائمًا للغة نعبر بها عن كامل وعينا


عبدالعزيز المقالح: شوقي والمتنبي أهم شاعرين سكنا وجدان الأمة


أحمد درويش: كان شعره الغناء في فرح الشرق، وكان العزاء في أحزانه

تزامنًا مع انتخابه أمينًا عامًا للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب خلفًا للراحل حبيب الصايغ، قام الدكتور علاء عبدالهادي، رئيس نقابة اتحاد كتاب مصر، بتسليم جائزة أمير الشعراء أحمد شوقي في دورتها الأولى، قبل أيام، بمركز الهناجر للفنون بساحة دار الأوبرا بالقاهرة، إلى قامتين شعريتين سامقتين؛ إحداهما من مصر متمثلة في الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، والآخرى من اليمن متمثلة في الشاعر والناقد الدكتور عبدالعزيز المقالح، رئيس جامعة صنعاء الأسبق ومدير مركز البحوث والدراسات اليمنية. وتبلغ قيمة الجائزة مائة ألف جنيه مصري لكل فائز.
وقد أوضح الدكتور علاء عبدالهادي في كلمته التي ألقاها، في حضور الدكتور عصام شرف، رئيس مجلس وزراء مصر الأسبق، وعدد من رؤساء اتحادات الكتاب والأدباء والروابط الأدبية العربية، فضلًا عن عدد من ألمع الوجوه الثقافية في مصر، وأعضاء مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر، أن هذه الجائزة دولية تتوجه في كل دورة إلى شاعر مصري، وآخر من قطر عربي، أو شاعر أجنبي.
وذكر الأمين العام الجديد للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب أن مجلس أمناء هذه الجائزة الذي يرأسه يؤكد أن اسم أمير الشعراء لم يسبق أن أطلق على أية جائزة من قبل، سواءً في مصر أو في غيرها من الأقطار العربية، ومن هنا جاء سبب تسمية هذه الجائزة باسمه. وأضاف بأن هذه الجائزة تُمنح في مناسبة مرور عشرين عامًا على توصية منظمة اليونسكو بأن يحتفل العالم في كل عام باليوم العالمي للشعر، وأكد أن أحمد شوقي ظل علمًا من أعلام القصيدة العربية الحديثة بما حققته قصائده من وفرة وفرادة وذيوع على امتداد الأمة العربية كلها مشرقًا ومغربًا، في حياته وبعد مماته أيضًا.
 فهو القامة الشعرية الباذخة، وأكد أن شوقي لا يزال موضعًا للإكبار والإكرام، حتى بعد وفاته في الثالث عشر من شهر أكتوبر عام 1932.

من المأمول أن ينظم اتحاد كتاب مصر ندوة في وقت لاحق تناقش المنجز الشعري للفائزين كما جاء في شروط الجائزة

وقال الدكتور علاء عبدالهادي: لكم كان حقيقًا بما بلغه من تفرد وشهرة ونبوغ. أظن أنني لا أعدو الحق لو قلت إن شوقي كان الوعد الشعري القابع في التاريخ الذي انتظره الشعر العربي وأبى أن يشرق إلا بعد عشرة قرون خلت من بعد المتنبي، ومن بعد ركود طال طويلًا كاد الشعراء أن يَتَنكَّبوا طريق الشعر فيه حتى أتى شوقي ليرجعه إلى سيرته الرفيعة في أعلى تجلياتها صيداحًا وهو يعيد الإحياء في جسدٍ وإرثٍ وفخر أمة كاد أن يموت.
أخذ شوقي الشعر العربي وسار به إلى مرحلة البعث الجديد، ومدَّه بأسباب القوة والحياة؛ إنه الشاعر الذي لم يأت بعده من استطاع أن يتبوأ مكانته في مصر أو في العالم العربي، والذي كان له تأثيره غير المحدود على الشعريات العربية المتعاقبة كافة.
بدأ شوقي دفقه الخاص في الشعر العربي بما اجتمع له من روح قوي وأدوات شعر، وما تهيأ له من موهبة فذة ومعرفة بموائل الشعر وعيونه العربية والفرنسية، وما تيسر له من أسبابه، فوضعه كل هذا في مكانة ندر أن يصل إليها شاعر من قبل على مر تاريخ الشعر العربي.
كان شوقي يقول: "الشعر ذو أبوين؛ التاريخ والطبيعة".
وفي الواقع لم يفارق شعر شوقي هذين الأبوين؛ فكانت الحكمة والفضيلة، من جهة، والدنيا ومتعها، من جهة أخرى، قطبين يتنازعانه في نصوصه كلها، فلمسنا في شعره حضور الوطنية الصادقة المنثالة بأسلوبه، فضلًا عن هذا الهم العربي الذي اتسع وتجاوز حدود الإقليمية الضيقة إلى أمدية قومية تعلن انتصار الحرية والإنسان.
لقد عاش شوقي المجد مفتوح العينين، مطلق الجناحين، احتوته الأخيلة والذاكرة الشعرية، وفي عام 1932 رحل عن دنيانا، وهو الذي كان يخشى الموت فرزقه الموت الخلود والحياة، ومع ذلك لم تُفرد له الثقافة المصرية؛ مؤسسة وأفرادا، منذ موته وحتى الآن جائزة تخلد اسمه وتؤكد موقعه الفريد في الشعرية العربية الحديثة، تكرمه في تراثه وتذكر الأجيال الشعرية العربية بنبوغه الفذ، وتدعوهم إلى الاقتداء بسيرته، وهذا ما دفع النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر إلى إنشاء جائزة دولية باسمه تمنح إلى شاعرين؛ مصري وغير مصري، تكريمًا لذكراه، ووصلًا لمنجزه وإحياءً لمكانة الشعر والشعراء وذلك في يوم الشعر العالمي.
وأوضح الدكتور علاء عبدالهادي أن مجلس أمناء الجائزة راعى في وضع شروطها أهم السمات الجمالية القارة في شعره، كما تلمس فيمن أعطيت لهما الجائزة هذه السمات. وقد حرص رئيس مجلس الأمناء على توجيه الشكر إلى النحات الدكتور سيد عبده سليم الذي صنع تمثالين لشوقي من البرونز لهذه المناسبة.
وفي الكلمة التي ألقاها الناقد الدكتور أحمد درويش باسم مجلس أمناء الجائزة نبّه إلى أن هذه الجائزة تُمنح في مناسبة مرور قرن ونصف قرن من الزمان على ميلاد أحمد شوقي سنة 1868، وقد انطلقت لكي تخلّد رمزًا عظيمًا من رموز الانتماء للثقافة، والسعي نحو الرقي الخلقي واللغوي والمعنوي.
وذكر درويش أن شوقي كان رمزًا عظيمًا للظمأ الدائم لمثالية الإنسان التي يحاول أن يتدرج نحوها من خلال الشعر؛ ذلك الفن العظيم الذي لا يرفض الواقع ولكنه لا يرضى به، ولا يرفض الفوضى ولكنه يسعى إلى تنظيمها، ولا يرفض الحياة ولكنه ينشد جعلها أيقونة مثالية يتم السعي نحوها خطوة خطوة حتى وإن لم نبلغ درجات كمالها.

ذلك الفن الذي يصنع الخيط الحريري بين متطلبات الإبداع ومتطلبات الحياة، ويعرف كيف يرضي اللغة عندما يجمعها إيقاعًا، وكيف يرضي الطموحات عندما يجمعها تعبيرًا، وكيف يرضي الخيال عندما يجعله يرفع الواقع إلى أعلى.
استطاع شوقي بموهبته العظيمة التي أعطاها الله لمصر ومن ورائها للعالم العربي أن يحقق معنى القطيعة الإيجابية، لا القطيعة السلبية، فنحن محتاجون لمن سبقونا، لكننا محتاجون أيضًا لأن ننفك من أسرهم، ولا ننفك في الوقت ذاته.
لقد ظل شوقي على امتداد قرن ونصف من الزمان تتردد كلماته في كل مكان في العالم العربي ويصدق عليه: "كان شعره الغناء في فرح الشرق، وكان العزاء في أحزانه".
ولهذا امتد شعره من مجال السماع إلى مجال الغناء والإنشاد، فتسرب إلى النفوس، وظل حيًا يتمثله الأبناء والأحفاد ويثورون عليه حينًا، لكنهم عندما يتأملون معنى القطيعة الإيجابية التي دعا إليها، لا القطيعة السلبية، يعلمون معنى عظمة أن تكون للشجرة جذورها الممتدة لكي تكون لها فروعها السامقة.
أما الشاعر المُكَرم أحمد عبدالمعطي حجازي فقد استهل كلمته بالتأكيد على أن الشعر هو اللغة الأولى، لأن اللغة الأولى هي اللغة الحميمة الجامعة التي كان الإنسان يعبر بها عما كان يراه ويسمعه ويحسه ويفكر فيه وينفعل به ويتخيله ويطلبه ويتمناه.
والشعر بطبيعته هذه هو المعرفة أو هو أصلها، فقبل أن تكون اللغة علمًا كانت شعرًا، وقبل أن تكون تقريرًا كانت تصويرًا، وقبل أن تكون إشاراتٍ كانت موسيقى.
والشعر لا يزال هو هذه اللغة الأولى حتى الآن، ولهذا نحتاج دائمًا له لأننا نحتاج دائمًا للغة نعبر بها عن كامل وعينا، ومن هنا سُمي هذا الفن في لغتنا شعرًا أي معرفة وإدراكًا، وهذا هو المعنى الذي نقصده عندما نقول: "ليت شعري".
وقد كان إسهام الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة في هذه المناسبة متمثلًا في استدعاء قصيدة حافظ إبراهيم الشهيرة التي هنّأ فيها شوقي بمبايعته أميرًا للشعراء في التاسع والعشرين من أبريل/نيسان عام 1927 في دار الأوبرا المصرية، والتي مطلعها:
أميرَ القوافي قد أتيتُ مبـايعًا ** وهذي وفود الشرقِ قد بايعت معي
وبدوره يلقي حجازي على مسامعنا أبياتًا من القصيدة التي ردَّ بها شوقي على قصيدة حافظ في يوم مبايعته بإمارة الشعر.
وبعد أن يتسلم حجازي جائزته، ينوب الشاعر اليمني جلال محمد الحلالي عن الدكتور عبدالعزيز المقالح في تسلم جائزته بسبب الظروف الصحية الصعبة التي يعاني منها المقالح في السنوات الأخيرة، وعلى مسامعنا يتلو الحلالي رسالة المقالح التي بعث بها، وفيها يقول: "يسرني أن أتقدم بعميق الشكر والتقدير والامتنان لمصر العظيمة التي علمتنا وأكرمتنا، والتي ما زالت تعلمنا وتكرمنا، والشكر العميق للدكتور علاء عبدالهادي ولأعضاء نقابة اتحاد كتاب مصر، ولقد أحسن صنعًا هذا الاتحاد باختيار أمير الشعراء أحمد شوقي ليكون حاملًا لاسم الجائزة؛ فقد كان مع أبي الطيب المتنبي أهم شاعرين سكنا وجدان الأمة، وعبرا عن تطلعاتها الراهنة والمستقبلية. 
ويسعدني ويشرفني أن أكون أول فائز بالجائزة بالشراكة مع الصديق الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي.
وتتوالى فقرات الحفل الذي يلقي فيه الشاعران: حسن طلب، ومختار عيسى قصائد مختارة من ديوان حجازي، فيما يتناوب العازفان المطربان الدكتوران أشرف علي، وأشرف عبدالرحمن في غناء عدد من روائع شوقي بمصاحبة آلة العود.
ومن المأمول أن ينظم اتحاد كتاب مصر ندوة في وقت لاحق تناقش المنجز الشعري للفائزين كما جاء في شروط الجائزة.