حرية التفكير وتقييم التراث

علماؤهم يستمتعون بحرية التفكير، وعلماؤنا يستمتعون بحرية التكفير!


قد تكون هناك مخلوقات تسكن كواكب أخرى خارج المجموعة الشمسية


من أين أتت نادية دريك بالشجاعة لكي تثبت خطأ خريطة أبيها؟

تعودت على مناقشة كل شيء مع بناتي بحرية كاملة، وأنا أعتبرهم صديقاتي وليس مجرد بناتي، حتى أنهن ينادينني باسمي المجرد "سامي" فقط بدون بابا أو دادي أو يا عم الحاج، أو يا باشمهندس أو أي شيء من هذا القبيل. ومنذ عدة سنوات عندما كانت ابنتي الكبيرة في المرحلة الثانوية، كنا نتناقش بحرية في أحد المواضيع، ولم يعجبها رأيي فقالت لي بالفم المليان الأميركاني:
 هذا شديد الغباء This is very Stupid.
والحقيقة أنا فوجئت، وقلت لنفسي: "إتشمت على آخر الزمن من بنتي وآدي آخرة التربية الأمريكاني الحرة". وقررت مخاصمتها وعدم الكلام معها أو حتى الأكل معها في نفس غرفة الطعام، وإستمر الخصام لمدة أسبوع، حتى جاءت أخيرا وحضنتي وقبلتني وأعتذرت قائلة:
I did not mean that you are stupid, your idea was stupid!
"أنا لم أقصد أنك غبي ولكن فكرتك كانت غبية".
..... سامحتها بالطبع، ولكني أخذت أفكر، لمَ لمْ تعجبها فكرتي ولماذا، لمَ تعتبرها أمرا يجب التسليم به باعتبارها فكرة أبيها الذي يكبرها بعشرات الأعوام (وأكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة)، وهي ما زالت بنت "مفعوصة"؟ 
السبب في هذا أنها تربت على الحرية في البيت والمدرسة والشارع والمجتمع، والمقصود هنا ليست حرية لبس الشورت والمايوه البكيني (كما يعتقد بعض مشايخنا الذين لا يفكرون سوي بنصفهم الأسفل فقط)، ولكنها حرية التفكير وهي أعظم الحريات، وحرية التفكير تعطيك أيضا حرية الشك في كل شيء وقديما قال ديكارت: "أنا أشك .. إذن أنا موجود"، ولكننا حولناها في وقت ما إلى "أنا أشك... إذن أنا دبوس"!!
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو أنني قرأت منذ يومين في عدد هذا الشهر من مجلة "ناشونال جيوجرافيك" الأميركية مقالا كتبته عالمة أميركية متخصصة اسمها "نادية دريك". والمقال يتحدث عن مركبة الفضاء بايونير 10 والتي تم إطلاقها في 2 مارس/آذار عام 1972 في الفضاء متجهة إلى كوكب المشترى أكبر كواكب المجموعة الشمسية، وقد تخطت المركبة هذا الكوكب وفي 13 يونيو/حزيران من عام 1983 (لأول مرة في التاريخ الإنساني) خرجت المركبة بايونير 10 من نطاق المجموعة الشمسية متجهة إلى مجموعة تاوروس، ومن المنتظر أن تصل أقرب ما يمكن إلى النجم روس 246 في عام 34 ألف سنة ميلادية (ربنا يعطيني ويعطيكم العمر)، وتحمل المركبة بايونير 10 لوحة مذهبة مرسوم عليها صورة رجل وأمرأة من كوكب الأرض، وكذلك خريطة تبين موقع الشمس والكرة الأرضية بالنسبة لمجرتنا سكة اللبانة، وذلك على أمل أنه إذا كانت هناك مخلوقات تسكن كواكب أخرى خارج المجموعة الشمسية، وبشكل أو بآخر عثروا على المركبة الفضائية، فسوف تعطيهم هذه فكرة عنا نحن سكان هذا الكوكب ومعها الخريطة والتي ربما تساعدهم على زيارتنا بعد 70 ألف عام، وبالطبع لن يدخلوا علينا بأيديهم فاضية، ولكنهم ولا بد ويأتون بالجمال محملة عال العال بالهدايا والجواري! 

heritage
سامحتها بالطبع

والشخص الذي صمّم تلك الخريطة من 50 سنة والتي تدل على موقع الأرض هو العالم الأميركي فرانك دريك، وهو في الوقت نفسه والد الآنسة نادية دريك كاتبة المقال المذكور، ومن دراستها ومن علاقتها بصديقها العالم الفلكي الدكتور سكوت رانسوم إكتشفا بأن الخريطة التي صممها والدها من حوالي 50 سنة غير صحيحة ، "ولا تناسب العصر" لأن الأرض في حركة دائمة وكذلك الشمس وكل مجرة سكة اللبانة في حركة دائمة، وبأن هذه الخريطة سوف تصبح عديمة الجدوى بعد حوالي 500 سنة، ولكي أقرب الفهم تخيل أن الكرة الأرضية والمجموعة الشمسية كلها عبارة عن سيارة تتحرك في حركة دائمة وأنا أعطيتك خريطة توضح عنوان تلك السيارة بالقاهرة عندما كانت في حي السيدة زينب، ووجدت أنت الخريطة وذهبت تبحث عنها في حي السيدة، ولكن السيارة كانت قد تحركت وأصبحت في حي الحسين، ومن هنا جاءت أغنية محمد عبد المطلب: "ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكي في الحسين، وعشان أنول كل الرضا يوماتي أروح له مرتين"!!
المهم أن صديق الآنسة نادية دريك سكوت قام بتصميم خريطة جديدة دينياميكية في حالة حركة دائمة وسوف تكون صالحة للإهتداء بمكان الشمس والأرض لبلايين السنين القادمة، والجميل أن العالم والد نادية المستر "فرانك دريك" (90 سنة ويقيم في شيكاجو) أعجب جدا بالخريطة التي أثبتت خطأ الخريطة التي صممها سابقا، وعلى فكرة لو أن الدكتور سكوت قد تقدم للمستر فرانك دريك لخطبة ابنته نادية فإني أشك أنه سوف يقبل بهذه الزيجة قائلا: "عاوزاني أوافق إنك تتجوزي الشخص إللي طلعني غلطان، ده نجوم السما أقرب له (بما أنه عالم فلك)".
من أين أتت ابنتي هذه الشجاعة لكي تقول لي بالفم المليان: "فكرتك غبية"، ومن أين جاءت الآنسة نادية دريك بالشجاعة لكي تثبت خطأ خريطة أبيها والتي كانت في وقتها ومنذ خمسين عاما سبقا علميا كبيرا؟
الشجاعة جاءتهم كما قلت لأنهم وعلماءهم يستمتعون بحرية التفكير، أما نحن فعلماؤنا يستمتعون بحرية التكفير!
السؤال الآن: هل لدينا شجاعة الآنسة نادية دريك لإعادة النظر في خرائط رسمت لنا من مئات أو آلاف السنين، وحولها أسلاك شائكة وأسوار مرتفعة شاهقة ومكتوب عليها: "ممنوع الإقتراب والتصوير"؟