حسين قهواجي يصف ليلة العيد في "القيروان"

في "حمّام الباي" يتوجه القومُ للاغتسال حتى الهزيعِ الأخير من الليل.


سعيدةُ الحظ مَن يدخل زوجُها عليها بقنينة عطر أو قالب صابون ممسّك!


لا يُعلم أنّ شعر الرسول بموضع من الأرض إلاّ بالقيروان

نتعرف اليوم على الملامح الشعبية والتراثية للقيروان كما سجلها الشاعر التونسي الراحل حسين قهواجي في نصوصه البديعة، ونتوقف اليوم أمام وصفه لعدد من الطقوس والعادات المرتبطة بالاحتفالات والأعياد الدينية التي تعيش عليها القيروان من العام إلى العام.
يقول القهواجي:
في ذكرى المولد النّبوي ينزل المطر، صيفًا كان أم شتاء، والمدينة إن لم يُصبها وابلٌ فرذاذٌ خفيف، ككلّ عام تَتكلَّس الجدران بالجَصّ الأبيض، وتُزيَّن الأسواق بالأعلام، وتُمسح ثريّاتُ المساجد، وأهلّةُ المآذن، كما يُقتلع طُفيليُّ النّبات من حول القِباب ومن السّطوح الخربة.
ولثلاث ليالٍ تسهر المدينة المزدحمة على ترانيم المدائح النّبوية، وعلى دقّ الدّفوف في الزّوايا المفتوحة للزّائرين والغرباء، وتجيء القيروانيّاتُ بالوسائد والملاحف والزّرابي. وفي الصّبح يُرسلن أطباقَ التّمر والثّريد إلى مقامات: سيدي عبدالقادر الجيلاني، وسيدي بن عيسى، وسيدي عبدالسلام، وفق التّقاليد الضّاربة في تاريخ القيروان.
في السّوق روائحُ وأخلاطٌ عجيبة لا تصادفك كلّ يوم: أدخنة الشواء تمتزج، وبَخور المجامر، وجوه تراها في الحلم فتلاقيك بغتة، ودروب لم تطأها قدماك من سنين فتحثّ الخطى نحوها بإصرار، فإذا بها تغيّرت، فتقول في نفسك: ما أكثر ما لا أعرف!
تأخذ قسطك من الهدوء بعيدًا عن الزّحمة وصخب الأبواق فتعود إلى السّوق لترى أفغانيًّا معمّمًا يبيع مسابح الكهرمان وحجارة المسك وألواح خطّ بديع الحروف، كلّما تناول نقودَ المَبيع انحنى برشاقة كأنّه في موكب أو صلاة، والأكثرُ جمالًا أعمى في الزّحام بلا عصا ولا دليل وعلى مدى الشّارع يغنّي: الليلة عيد، الليلة عيد! كذلك أواني النّحاس المعروضة على الرّفوف، تومض تحت المصابيح كالشّرار المتطاير من الألعاب النّارية.

امتلأت وَحشة الفراغ بالنمنمات، وملايين الخلايا بملاعب الشطرنج، وبالألواح المعلقة لتعاليم الخط، وأصول النبات.

وفي اليوم الثالث وأنت في طريق "السيّد" ترى في عربة الخيول الرّاقصة برؤوسها ونواصيها المتهدّلة، طفلًا في جُبَّة مطرَّزة وعلى رأسه شاشِيّة سَطَنْبولي، يُقاد بالأهازيج والبيارق للختان في مقام أبي زمعة البلوي.
وعند التماع مقصّ "الطهّار"، ومع دويّ صرخة الخِتانة، تتكسّر في صحن المقام جَرَّة مُلِئت باللّوز والزّبيب والحلوى، ومن حول فَلَقات الفخّار المهشَّم، يحوِّم الأطفال صاخبين.
أبو زمعة البلوي صحابيّ غامض، جاء من أقاصي مكّة، وفي حوزته ثلاث شعرات من مَفرق الرّسول الكريم، أخذها واحتفظ بها من حلاقة حَجّة الوداع. أهالي القيروان يقدّسون أعتاب مقامه، ويقبّلون وشاح تابوته ناحبين، وإلى روحه تُهدى الأضاحي، والزّرابي، والطّيوب، معتقدين أنّه قائدهم، ومخلّصهم يوم البعث استنادًا إلى الحديث: "أيّما رجل من أصحابي مات ببلدة فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة".
وقبل أن يُستشهد في غزوة ضد البربر سنة 34هـ - 655، أوصى أن توضع شعرة على عينه اليمنى وشعرة على عينه اليسرى وشعرة تحت لسانه، وإلى اليوم لا يُعلم أنّ شعر الرسول بموضع من الأرض إلاّ بالقيروان.
وإذا رأيتَ في منامك طيفَ والد أو والدة، أو حَميمٍ رَحَلَ، وفي الغد أردتَ زيارتَه فاقرأْ ذلك اللّوح الأخضر على يسارك وأنت في السّقيفة: "إنّ الميّت يتأذّى مما يتأذّى منه الحيّ".
 يعني أنّ وسائد مضاجعنا وشواهد القبور شيء واحد كالوجه والقفا.
اخلع نعليك إنّك في مقبرة قريش الّتي يسمّيها القدماء "الجناح الأخضر"، وهي إشارة خفيّة لجناح الملاك جبريل حارس أرواح الصّحابة والأنصار.
 قولة الأوائل لا تزال في سمعي: "القِيروان يَجْعَلْها مَدْفَنْ مِشْ مَسْكَنْ" لماذا؟
 ربّما لأنّ المدينة استقطبت واستضافت الأموات قبل استقبالها الأحياء.
مبلَّلَ المعطف، مثقوب الحذاء والجوارب، عبرتُ السّوق نحو "بئر رُوطَة". صعدتُ المدرج المسقوف بأعواد الزّيتون والعرعار المنتظمة، ألقيت بنقود في صندوق الهِبات، تحت فضاء القُبّة جلست أستردّ أنفاسي على سُدّة الجليز الأخضر، محدّقًا في جَمل المدينة، يَمضَغ أحقاده العمياء وراء الكمامة، وقد تساقط وَبره من شدّة الغيظ المكتوم.
"زَعْ" كلمة الأمر، حالما ينطق بها سيّدُه ينعطف دائرًا بالبئر دون تردّد، فتسمع شقشقةَ الماء المنبَجِس من الأعماق في جِرار اسمها القَوَاديس تنزل موثوقة بالحبال، فارغة، وتصعد مملوءة، طافحة.
"سُسْ" إشارةُ الوقوف في ذات المكان الذي منه انطلق.
"بئر روطة" مختَلَفٌ في شأنها إلى اليوم، فالسذّج من النّاس، يعتقدون أنّها كلبة مقدّسة جاءت لاهثة من الشّرق، وما إن بسطت ذراعيها حتّى تدفّق الماء واخضرّت البقعة في السّنة القاحلة! والصحيح أنّ القائد عبدالله بن أبي سرح هو الذي حفر البئر وشيّدها سنة 28 هجرية "ولم يكن لإفريقية يومئذ قيروان ولا جامع".
ويرجع بناءُ القُبّة والأحواض إلى الأمير محمد باشا بن مراد عام 1094، أما النسوة فيصنّفنها في مقام الولية الصالحة، حتى صرن يزرنها مع الصبيان، ويربطن المناديل الملوَّنة في جيد الجَمل ويتغنّين بها في الأعراس:
لِلاَّ عيشه بروطة
حِلّ العُقدة المربوطة
يا لِلاّ يا مِزيانة
يا رَقبة السمّانة
عيشَه ما أحلى هَيْبِتها 
والسبحة على رُكْبِتها
Rotta لفظة لاتينية تعني السبيل، وفدت من جزيرة صقليّة إثر الفتوحات.

اغسل يديك وافتح خزائن المخطوط، تَرَ الرِقاعَ من جلد الغزال، والكتابةَ سبائكَ ذهب، وفي مرسوم مؤرّخ سنة 1875 يأمر محمد الصادق باي بجمع مخطوطات البلاد وحفظها في جامع الزيتونة بتونس، وبتدبيرٍ من شيوخ المدينة ونُسّاخها تنجو المخطوطات وتختفي مرة أخرى عن الفرنسيّين الذين فرضوا إحصاء شاملًا لنفائس المدوَّنات سنة 1882. فيُتلَف منها الكثير، ويتشتَّت المصحف الأزرق في متاحف العالم ومكتبات الأغنياء، ويستعصي شرحُ كتبٍ في الطب والرياضيات، منزوعة الحواشي مهتوكة الفهارس، وتَمَّحي نمنماتُ الزهر المذهَّب على ورق البَرشَمان، وتهدى لأصحاب السموّ مزهريّاتُ العاج وأواني الفخار الأغلبي، وفي "قصر رقادة" اليومَ قليلٌ من قناني الزجاج المعشَّق، وقناديل الحجر، والخزف المزخرف، ومن بيت مال المسلمين بالمتحف بقيَّةُ مسكوكات ودنانير ضُربت عليها شارة الإمارة وختم الأمراء.
ويستعيد حسين قهواجي من ذاكرته أنه في صباه كان يوجد عند بوابات القيروان وحصونها مدافعُ منصوبة على عجلات حربيّة غابرةِ الأمجاد؛ كانت تحرس الأسوار رَمزًا، رحلوا بها في ظلام ليلة باردة، فصارت المدينة قلعةَ أشباح وبوّابة للرياح، لا حصانة، لا صيانة.
يقول:
تأمَّلْ تَرَ هندسةَ الفراغ في الساحات وفي الطرق مُحكمةَ التقسيم ولا فوضى في البناء، سقوفٌ من خشب الزيتون، مدارجُ من الطوب الأحمر، وأبراجٌ من الآجرّ المربّع كما أنّ بياض الجِير ثلجُ الحجارة، يَهَب النفسَ طمأنينة والعينَ اتساعًا عند تجوالها في عَتيق الدروب المضاءة بشعلة تعيدكَ إلى طهارة المدينة حين كانت تسهر على زيت المصابيح وعلى الفتائل الخافتة.
مع أمهر النقّاشين جاؤوا بخشب الساج من بغداد للمنبر، ومن كنيسةٍ في قيصريّة قُرب الأناضول، بعث حسّان بن النعمان بساريتين متناظرتين من خالص المرمر الورديّ الذي يشبه الحجر الكريم، وقبل نقلهما، بذل إمبراطور القسطنطينية للمسلمين ما يزنهما ذهبًا، فاحتقروه وأتحفوا بهما محراب المسجد الكبير، والمجد لذلك البَنّاء، أسّس الصومعة على فوهة بئر وسيعة اسمها الجِنان، صومعة في غاية الحسن، ستّون ذراعًا طولها، وعرضها خمسة وعشرون.
تَتّحِد البصيرة بالبصر، فتتسع خلوةُ الخيال، ويتجلّى لك طيف الناسك والفلكي، والشاعر: 
وأرى النجوم طلعن غيرَ زواهر
في أفقهن، وأظلم القمرانِ
أترى الليالي بعدما صنعت بنا
تقضي لنا بِتواصل وتدانِ
وتعيد أرض القيروان كعهدها
فيما مضى من سالف الأزمان
 (ابن رشيق)
جليز المحراب
بعد التجوال، وتيه النّظر في رواق الجِداريات، ينسى الجَلّاز أن يعرّفكَ بنفسه، وغالبًا لا يرغب في الختم والتوقيع. يحتفظ باسمه، ويترك الرسم، نؤوّله بعفو خاطر وفطرة لا تحتمل قسوة أكاديمية أو لذعة نقد تُفسد مِزاج الطين، وتجمّد طبقات الهواء.
أن تنقل دَخَيْلاء الطبيعة بتفاصيلها، لا يعني أنكَ ابتكرت، وجئت بأحسن منها.
فمِن مشاغل الخزّاف أن يفجّر في مربعات محدودة، وعلى سائر أجزاء الجليز، ينابيع باردة وخضرة ناضرة لا تملّها العين ولا تعرّش عليها الطحالب، وأن يعمّق في السقائف والغرف، نوافذَ تُبسط على بريقها جنّةٌ عذراء نتنسّم ساعةَ الهجير أنفاسَها المخضَّبة بشتى الأصباغ التُركوازية في أبهى تجريد.
تلك المربعات الثمينة المبلَّطة على واجهة محراب جامع عقبة، هي في الأصل، جُلبت هديّة من الخليفة "المتوكل" مع أمهر صناع بغداد، لمجلس سماع أراد بناءه الأمير الأغلبي "أبو ابراهيم".
وتلك الألواح المفصَّلة من خشب الساج، جيء بها أيضًا لصناعة معازفَ، وعيدان غناء، تُجَسّ بمخلب النسر أوتارُها.
ذات صباح غيّر الأمير رأيه، ونظر بعيدًا بأحداق أصفى من فصوص الفيروز. ورصع بتلك القراميد جبهةَ المحراب، ذات الوميض المعدني الساطع لصيفه، وذلك حوالي 859. ونحت الألواحَ منبرًا بمدارج كالمعراج، وكرسيّ كأنه العرش.
 كان تعلُّمه، وابتكاره للبريق المستخلَص من صفوة القصدير وأكسيد الرصاص، زلزالًا ضوئيًّا صدع ظلمات الطين، ورجّ تاريخ السيراميك أي البريق المعدني.
ومع استنارة جبهة المحراب بالجَليز "عراقي مجلوب"، توردت في سوق الفَخّار أفانينُ الوشي والتصوير على الصحون الأثرية والأكواب والقوارير التي ظلّت لأحقاب طينًا شاحبًا بِلا طلاء أو لمسة ملساء، أو تقليد للوجوه، وتخليد للشبهات.
وامتلأت وَحشة الفراغ بالنمنمات، وملايين الخلايا بملاعب الشطرنج، وبالألواح المعلقة لتعاليم الخط، وأصول النبات.
ويتساءل القهواجي: كيف توصلت الباحثة والشاعرة البريطانية "مارلين جينكنز" إلى أنّ صنف الجليز المذهَّب بأديرة "مالقة" مشتقٌّ أصلًا من زَليج الجامع الكبير، قبل أن تنبثق من زينة محرابه مزهريّاتُ قصر الحمراء؟ وكذلك الأباريقُ التي تَسكب في مدينة الزهراء أنوارَها، على عصافير ضاحكة الريش من شدة الألق؟