حفتر والدبيبات وتقاسم النفوذ في ليبيا

الأمم المتحدة تحدثت عن فترة انتقالية أخرى قد تمتد لعامين، إذا لم تتصرف القوى الإقليمية الفاعلة في الشأن الليبي بحزم.

يشهد الوضع الليبي انقسامًا حادًا على السلطة واستنزافًا لمقدرات البلد. فقد استُحدث منصب القائد العام من قبل البرلمان، وتم تعيين حفتر قائدًا له بسبب الأحداث الإجرامية التي شهدتها بنغازي والمنطقة الشرقية على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة، والتي استهدفت اغتيال كبار ضباط الجيش والأمن العام. ولم يسلم أيضًا أصحاب الفكر العقلاني والنشطاء السياسيون من جبروتهم، غير أنّ شرق البلاد تحرّر منهم وعادت إليه الحياة.

قامت القيادة العامة بعملية "تحرير" طرابلس من المجموعات المسلحة المُشرعنة من قبل المؤتمر العام وبعده المجلس الرئاسي بقيادة السراج. استغرقت العملية أكثر من عام، رغم أنّ أغلب المناطق المحيطة بطرابلس أعلنت ترحيبها بتدخل الجيش الليبي وفرض الأمن والاستقرار في العاصمة وما جاورها. إلا أنّ البطء في اتخاذ القرارات من قبل القيادة العامة ـ المؤكّد أنه وفق رؤى دولية داعمة لها وبالأخص روسيا ـ جعل الأطراف المسيطرة على العاصمة تستنجد بقوى خارجية. فكان التدخل التركي، وبالأخص الطيران المسيّر، الذي وضع حدًا لحرب السيطرة على العاصمة. عندها انكفأت قوات الجيش الليبي إلى خارج الحدود الإدارية لإقليم طرابلس، لتبدأ مرحلة الانقسام الحقيقي في مؤسسات الدولة، ومنها البنك المركزي وطباعة الأوراق النقدية وتشكيل حكومة في شرق الوطن. وهكذا أصبح لليبيا حكومتان، كل منهما تسعى إلى إهدار المال العام في مشاريع لكسب الرأي العام.

سيطر حفتر على شرق الوطن وجنوبه، بينما بقي الغرب الليبي تحت الحكومة التي يدعمها المجتمع الدولي، والتي ـ وللأسف ـ تحالفت مع الميليشيات. هذه الأخيرة تزودها بالأموال اللازمة، مقابل أن تقوم بحماية الحكومة. ووصل الأمر إلى تغوّل بعض الميليشيات وتدخلها في العمل الحكومي، ما دفع الدبيبة لمحاولة تقليم أجنحتها. وقد أفلح في اغتيال زعيم إحدى الميليشيات، لكنه اضطر إلى مهادنة البعض الآخر. ومع ذلك، لم ينجح في بسط سيطرته على كل مناطق العاصمة، حيث أُعيد إحياء العصبية القبلية، ما ينذر بإشعال فتن بين مكونات الشعب الليبي. والأمور حتى الآن لم تهدأ؛ فالدبيبة يهدد باستخدام القوة للسيطرة على العاصمة، ويساعده في ذلك أولئك الذين يتلقون الأموال منه بسخاء. ويعيش سكان العاصمة وما جاورها حالة من الرعب بسبب تهديداته واستقدامه للميليشيات من خارجها.

لم يحسم الدبيبة الأمر لصالحه بعد، ويبدو أن مسانديه الإقليميين نصحوه بألا يغامر بحرب داخل العاصمة، لأن عواقبها ستكون وخيمة عليه، ولما قد يسفر عنها من قتل وتشريد للمدنيين وتدمير للممتلكات العامة والخاصة، على غرار حرب "فجر ليبيا" عام 2014 التي ما زالت البلاد تعاني من تبعاتها حتى اليوم.

وأمام هذا الوضع وحالة الجمود، يسعى الطرفان المتخاصمان سياسيًا واقتصاديًا (حفتر والدبيبة) إلى إيجاد حلول ولو مؤقتة تمكّنهما من تنفيذ برامجهما وتحقيق طموحاتهما، ولإطالة أمد الأزمة الليبية. فمنذ سنوات، تم تداول أنباء عن لقاء جمع صدام، نجل المشير خليفة حفتر، مع أحد أقارب عبد الحميد الدبيبة في أبوظبي. وتشير بعض التقارير إلى أنّ اجتماعًا آخر عُقد مؤخرًا بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في روما، برعاية إيطالية ومباركة أمريكية. وتجدر الإشارة إلى تأسيس شركة لتصدير النفط من ليبيا (أركنو) لصالح الدبيبة وحفتر عام 2023.

الأمم المتحدة تحدثت عن فترة انتقالية أخرى قد تمتد لعامين، إذا لم تتصرف القوى الإقليمية الفاعلة في الشأن الليبي بحزم.

إنّ "الدبيبات" أكبر مصيبة على الغرب الليبي، وحفتر ـ بتوريثه أبناءه في المؤسسة العسكرية وتعاونه مع "الدبيبات" ـ صار مثلهم. بين مطرقة الدبيبة وسندان حفتر يُقوَّم من يرونه معوجًّا، أو يُهرس. وعلى هذا الحال، تبقى ليبيا في حاجة إلى معجزة للخروج من المأساة التي يعاني منها الليبيون منذ سنوات.