ماذا بعد الاعتراف الدولي بفلسطين؟
هناك بعض الدول تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وتقيم معها علاقات دون مستوى السفارات. مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو سمحا للمنظمة بإقامة مقر للسلطة الفلسطينية الجديدة في رام الله، لكن بناء المستوطنات لم يتوقف يوماً، حيث تحاصر التجمعات السكانية الفلسطينية. بمعنى آخر، أراضي الضفة الغربية تتناقص، وتشكل المستوطنات الصهيونية ما نسبته 42 في المئة من مساحة الضفة الغربية، يسكنها ما يقارب 800 ألف مستوطن.
لا شك أن الحرب على غزة ومعاناة سكان القطاع وتعرضهم للإبادة الجماعية، بمساندة وسائل الإعلام الملتزمة، أدت إلى تغيّر في الموقف الشعبي لدول أوروبا وأميركا الشمالية، حيث خرجت مظاهرات منددة بالأعمال الإجرامية ومطالِبة حكوماتها بوقف التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني. وفي أميركا، كانت هناك حالة من عدم الرضا عن تقديم أموال الضرائب المجباة من المواطنين إلى الكيان العنصري على هيئة أسلحة مختلفة ومتطورة، نتج عنها ما يقارب 60 ألف قتيل وضعف هذا العدد من الجرحى والمشوَّهين، إضافة إلى تدمير ما لا يقل عن 70 في المئة من مباني القطاع.
اليوم، أكثر من 150 دولة من دول العالم تعترف بفلسطين كدولة مستقلة. أوروبا تقدمت خطوات نحو الاعتراف بفلسطين كدولة، وبالأخص إسبانيا وفرنسا. الرأي العام الغربي، وعلى وجه الخصوص الشباب، أصبح أكثر تعاطفاً مع فلسطين من أي وقت مضى بسبب جرائم الإبادة والتجويع. تبقى أميركا المشكلة الأكبر، لكن الموقف الأميركي حتماً لن يظل صامداً أمام هذا الطوفان الهادر، وستُجبَر على الاعتراف.
الاعتراف الدولي سيسمح لفلسطين بالسعي إلى الحصول على الحقوق القانونية في مياهها الإقليمية وحيزها الجوي كدولة ذات سيادة تعترف بها الأمم المتحدة، والسماح للشعب الفلسطيني برفع دعوى بشأن السيادة على أراضيه في محكمة العدل الدولية، وإدراج تهم "الجرائم ضد الإنسانية" وجرائم الحرب، بما في ذلك احتلال إقليم دولة فلسطين على نحو غير مشروع.
أما الحدود، فتُرسم على أساس حدود 4 يونيو/حزيران 1967 مع الاتفاق على تبادل الأراضي المتكافئة؛ وترتيبات أمنية تحفظ سيادة الدولة الفلسطينية الموعودة؛ والحل العادل والمنصف والمتفق عليه لمشكلة اللاجئين، بمعنى أن يُخيَّروا بين العودة إلى مدنهم وقراهم أو البقاء الطوعي في بلد الاغتراب؛ أما بشأن القدس فالعمل على أن يتم تقسيمها لتكون عاصمة للدولتين. وينبغي أن تكون الدولة الفلسطينية الحديثة مترابطة الأطراف، بمعنى وجود معبر معترف به دولياً يربط الضفة بالقطاع. ويجب أن يقدم الغرب مساعدات مباشرة للفلسطينيين.
ولكن، ماذا عن الفلسطينيين المعنيين أساساً بهذا التحول الجذري في الموقف الدولي لصالحهم؟ هل سيتصالحون وينبذون خلافاتهم من أجل اغتنام الفرصة ويكون الحكم للشعب في اختيار قيادته؟ نأمل ذلك.
ما لم تتوحد الجهود الدولية لإنشاء الدولة الفلسطينية وإجبار العدو على الاعتراف بقرار التقسيم، فإن العدو الصهيوني ومن خلفه أمريكا سوف يسعون بكل جهدهم لإقامة المزيد من بؤر الاستيطان.
وفي النهاية، فإن نموذج جنوب إفريقيا يظل هو الأنسب للعيش المشترك بين المكونات العرقية والدينية: دولة واحدة ديمقراطية يتساوى فيها الأفراد في الحقوق والواجبات. الطريق ليس سهلاً نحو حل لمشكلة قاربت ثمانية عقود، ويظل الحل رهناً بمدى التزام المجتمع الدولي بتعهداته.