خفض التوتر في العاصمة هل ينهي الازمة في ليبيا؟

إلى أي مدى يستمر الليبيون في الاعتماد على الطرف الأجنبي لحل مشاكلهم الداخلية؟

ظلت العاصمة طرابلس، وعلى مدى أشهر، تعيش على صفيح ساخن. الدبيبة، وبعد أن كان متفاهماً مع المجموعات المسلحة بالغرب الليبي، يجزي لها العطاء، بالمقابل يحمون عرشه الزجاجي الذي أصبح يرى كل ما بداخله من عمليات فساد، وتلاعب بقوت الشعب، وتكرار الوقفات الاحتجاجية ضد حكومته. فجأة أحسّ بأنه في خطر، وأراد أن يكون الغرب الليبي تحت سيطرته المطلقة ليكون له مكان في رسم المستقبل المنظور للبلد. بعض التشكيلات أعلنت العصيان لأنها ترى أنه يتعامل بدونية مع بعض المناطق ويناصر بعضها على الأخرى.

توعد الدبيبة الخصوم بحرب لا هوادة فيها؛ ظاهرها محاولة بثّ الأمن والاستقرار، وباطنها ممارسة نوع من الإذلال والغطرسة على تلك المناطق. تكاثف المناطق المستهدفة فرمل تحركات الدبيبة وكبح جماحه. أما التحذيرات الأممية بعدم جرّ العاصمة إلى حرب مدمرة فجعلت الدبيبة يحاول الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه. المساعي المحلية لتجنيب العاصمة الصراع لم تنجح كلياً، لكنها فسحت المجال لمزيد من التواصل بين الدبيبة وخصومه للوصول إلى حل.

تركيا، التي أصبحت تحظى بتعامل جيد مع سلطتي الأمر الواقع في شرق البلاد وغربها، وتقوم شركاتها بتنفيذ العديد من المشاريع التي تدرّ عليها أرباحاً ممتازة، ولأجل استمرار مصالحها، عمدت إلى التدخل في حل الأزمة بين الدبيبة وخصومه بغرب البلاد. فكان اتفاق أقل ما يقال عنه إنه حفظ ماء وجوه الخصوم. الدبيبة نجح في إبعاد قوة الردع عن السيطرة على معيتيقة التي أصبحت المنفذ الجوي الوحيد للعاصمة وجوارها، وما يترتب عليه من مكاسب اقتصادية واجتماعية. ونستذكر هنا مقولة زعيم أحد الميليشيات: إن السيطرة على المطار أفضل من تولّي وزارة. تنفّس الدبيبة الصعداء، وأصبح بإمكانه الدخول إلى منطقة شرق العاصمة التي حُرم منها لأشهر، بينما يعتبر الفريق الخصم أن وضع كافة المنافذ الجوية بغرب البلاد تحت سلطة واحدة، واستبعاد الميليشيات المحلية من إدارتها، وعودة المجاميع المسلحة إلى مقارها الرئيسية نصراً له.

التقيد بالاتفاق يبقى هشّاً، لأن رعاة المصالحة الأتراك لم يوقعوا على الاتفاق شكلياً، لكنهم، بالمقابل، حذروا الجميع من عواقب خرقه، وإمكانية فرض عقوبات إقليمية ودولية على المخالفين، واستثنائهم من العملية السياسية، وربما تعرّضهم لعقوبات دولية تحت مسمى "جرائم الحرب" التي، وللأسف، أفلح سياسيونا في تنفيذها على درجة عالية من "المهنية"، تضاهي جرائم النازية الألمانية والصهيونية.

يبقى السؤال: ما هو مصير العملية السياسية في ليبيا التي أعلنت عنها الأمم المتحدة؟ هل ستسارع إلى تشكيل حكومة موحدة جديدة تكون نهاية المراحل الانتقالية التي جلبت القتل والدمار والتشريد لأبناء الوطن؟ أم أن الأمم المتحدة ستعيد تدوير الفاسدين الذين يتولون زمام الأمور؟

ترى، إلى أي مدى يستمر الليبيون في الاعتماد على الطرف الأجنبي لحل مشاكلهم الداخلية؟ وهل يمكن محاولة الخروج من عباءة الدول الإقليمية وسرطان الفصل السابع الذي ينهش أوصال الوطن؟ مشروع خفض التوتر في العاصمة جيّد إذا تم الأخذ به، والتوجه نحو المصالحة الحقيقية لتحقيق اللحمة الوطنية وبناء الدولة.