بيترو...جيفارا يبعث من جديد في كولومبيا
من أميركا اللاتينية، خرجت بعض حركات التحرر لأجل استقلال دولها من المستعمر الأوروبي البغيض. قاد هذه الحركات أناس تخطّوا المكان ولم يضعوا سقفًا للزمان، لكنهم آلوا على أنفسهم ألّا يدعوا الأعداء يهنؤون بالقارة، فمن لم يعد إلى القارة العجوز على ظهر البواخر أحياءً، فإن جثاميهم ستبقى عرضة للسباع وآكلة لحوم البشر وخشاش الأرض.
أنجبت القارة العديد من الأبطال، منهم جيفارا وكاسترو، سيمون بوليفار، وخوسيه دي سان مارتن، وهيدالغو، وحديثًا رجال أوفياء للقيم والمبادئ الإنسانية التي تُنتهك على أيدي من تدّعي زورًا حرصها على صون حقوق الإنسان وحقّه في العيش الكريم. أميركا الفاشية وبعض الدول الغربية راعها ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من بطش وتنكيل، بشعب أعزل محاصر على مدى عقود، مستهدف في قوت يومه، بل في وجوده فوق أرضه التاريخية.
من هؤلاء الشجعان رئيس البرازيل لولا دا سيلفا، والكولومبي غوستافو بيترو، الذي صدح في خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 27 سبتمبر/ايلول 2025 بالحق، معبّرًا عن همجية الصهاينة وداعميهم من الغرب، وبالأخص أميركا بزعامة رئيسها الحالي ترامب، حين دعا دول العالم إلى "توحيد الجيوش من أجل تحرير فلسطين".
استغل بيترو فرصة تواجده بأرض من تدّعي زعامة العالم الحر وتقيم على أرضها تمثال الحرية. لقد كان صوت الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو مزلزلًا، يهزّ عرش البيت الأبيض، وليس مجرد صخب عابر في أروقة الأمم المتحدة؛ صوته هزّ أركان المتشدقين بالحرية والكرامة. لم يتمالك دونالد ترامب نفسه من هول ما سمع وتأثير ذلك على الشارع الأمريكي، الذي أفاق بعد سنوات من التجهيل والتغفيل. لم يحتمل ترامب كلمات بيترو التي شقّت طريقها إلى جموع الشعب الأميركي مباشرة، وهي تدين التواطؤ الإمبريالي الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت نير الصهاينة الآتين من كل بقاع الأرض ليعيثوا في فلسطين فسادًا وينكّلوا بأهلها. لقد دافع بقوة غير مسبوقة عن فلسطين.
سيد البيت الأبيض كان يراقب عن كثب تحركات بيترو. شعر في قرارة نفسه أنّ بيترو سيهزّ عرشه ويؤلّب عليه الجماهير وأبناءهم المنخرطين في الجيش الأميركي بمختلف فروعه، الداعي صراحةً الجنود الأمريكيين إلى "عصيان أوامر الحرب الظالمة" والوقوف إلى جانب الإنسانية. لم يعد الأمر لدى ترامب مجرد خلاف سياسي، بل تحديًا مباشرًا له.
صدرت الأوامر بإلغاء تأشيرة بيترو على عجل، وأن يغادر نيويورك فورًا. أما الوصف الذي أطلقه عليه ترامب فكان قاسيًا ومباشرًا "المتهوّر والمحرض". وأصدرت الخارجية الأميركية بيانًا رسميًا اتهمت فيه بيترو صراحة بأنه "دعا جنودها إلى عصيان الأوامر وحرّض على العنف"، مؤكدة أن تصريحاته "تتجاوز حدود حرية التعبير الدبلوماسية".
قبل توجهه إلى المطار للمغادرة، توجه بيترو إلى التجمعات الشعبية الحاشدة الداعمة لفلسطين في نيويورك. وأمام وسائل الإعلام المختلفة التي نقلت أصوات الآلاف من المتظاهرين، أعلن بيترو بصوته القوي قرارًا هزّ عرش الإمبريالية، حيث أعلن نفسه أول المتطوعين في "جيش شعبي لتحرير فلسطين". لقد قال بيترو ما لم يجرؤ غيره من الزعماء على قوله، وها هو يربط القول بالفعل.
لقد شكّلت الجماهير الغاضبة في الشوارع المختلفة انتصارًا للكلمة التي لم يعتد البيت الأبيض على سماعها في مواجهة السلطة الأقوى، وتحولت إلى رمز للشجاعة السياسية غير المألوفة. وبقي صدى خطابه عالقًا في أذن العالم. فلسطين لم تعد وحدها في الميدان، بل معها أحرار العالم من كافة الأصقاع.