دبلوماسي إسباني يجدد ذكرى محمد أبوالعطا

معهد ثربانتس الإسباني بالقاهرة يكرم اسم محمد أبوالعطا وسط محبيه من أبرز المترجمين وأساتذة الإسبانية في الجامعات المصرية.


المترجم المصري الراحل قدم للقارئ العربي أهم الأسماء المبدعة من أدباء أميركا اللاتينية


أبوالعطا توج بالوشاح الأكبر للاستحقاق المدني من ملك إسبانيا

شهد معهد ثربانتس الإسباني بالقاهرة احتفالية تكريم اسم الدكتور محمد أبوالعطا، أحد أهم المترجمين من الإسبانية إلى العربية الذي قدم للقارئ العربي أهم الأسماء المبدعة من أدباء أميركا اللاتينية. وهو الذي أولى عملية الترجمة اهتمامًا كبيرًا فأسس "مجلة الألسن للترجمة"، ومجلة "أواصر" التي رأس تحريرها، وكانت تصدر عن المركز القومي للترجمة في مصر، فضلًا عن مجلة ثالثة أسسها في إسبانيا خلال سني عمله مديرًا للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، الذي أسسه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وقد كان لي شرف الاشتراك في احتفاله بيوبيله الذهبي قبل نحو ربع القرن.
ومن اللافت أن هذه الاحتفالية - التي دعا إليها خابيير رويث، المستشار الثقافي الإسباني، مدير معهد ثربانتس بالقاهرة، وأعدها مساعده أحمد ناصر - احتشد فيها بالحضور والمشاركة عدد من أهم الأسماء المشتغلة بالترجمة وبتدريس الإسبانية وآدابها في مختلف الجامعات المصرية من زملاء المحتفى به وتلاميذه؛ فمن كلية الألسن بجامعة عين شمس شارك الدكاترة: هالة عواد، ومريم محمود علي مكي، ونيرفانا أسعد شريف، وماجد مصطفى الصعيدي، ورنا يونس، المعيدة بقسم الإسبانية بالألسن التي تولت مهمة الترجمة الآنية بين العربية والإسبانية، وأحمد فكري خريج القسم ذاته، المدير السابق لمتحف أمير الشعراء.
ومن قسم اللغة الإسبانية بكلية الآداب بجامعة القاهرة حضر وشارك الدكاترة: فاطمة محمود علي مكي، وجيهان أمين، وعمرو محمد سعيد. ومن قسم اللغة الإسبانية بجامعة حلوان شاركت الدكتورة هيام عبده، ومن أكاديمية الفنون شارك الدكتور خالد سالم.
ومن أسرة الدكتور محمد أبوالعطا حضر كل من: شقيقته وجدان التي وصفته بـ"شقيقي الأصغر الحبيب"، وأعربت هي وشقيقه الذي كان حاضرًا أيضًا عن تأكدهما بعد أن لمسا مدى حب تلاميذه وزملائه له، بعد سنوات من رحيله، من أن عمره الذي أنفقه في الألسن لم يضع هباءً. 
وفي كلمته حرص المستشار الثقافي الإسباني، مدير معهد ثربانتس، خابيير رويث، على توضيح القيمة العلمية التي يمثلها الراحل الدكتور محمد أبوالعطا في الأوساط الأكاديمية والثقافية الإسبانية، مما أهله للحصول - في سنواته الأخيرة - على الوشاح الأكبر للاستحقاق المدني بلقب فارس من ملك إسبانيا.

وفي كلمته التي ترجمها إلى العربية طه زيادة، وتلاها الدكتور ماجد مصطفى الصعيدي من العدد الخاص لمجلة الألسن للترجمة الذي أهدي إلى روح الدكتور محمد أبوالعطا، عَبَّر هذا الدبلوماسي الإسباني عن مكانة أبوالعطا بالنسبة إليه فقال: "بلغني نبأ رحيل صديقي العلامة البروفيسور محمد أبوالعطا بينما كنت في البرازيل، وسط أجواء شتاء يميل إلى البرودة، تناسب وإيقاظ مشاعر الحزن والاكتئاب التي تولدت بداخلي بسبب بلوغي نبأ وفاته عبر تعليقات صديقتي: عبير عبدالحافظ، وجيهان أمين، على الفيسبوك. فأحسست بمدى الصدمة من جراء هذا الخبر الذي يبدو أن أحدًا لم يكن ليتوقعه على الإطلاق.
حقيقة أن الموت جاء مفاجئًا، رغم أن أبوالعطا كان يعالج بإحدى المستشفيات منذ عدة أيام، ولكن من الواضح أن، لا عبير أو جيهان كانتا تتوقعان حدوث أمر مثل هذا!
فلقد باغتهما موته، مثلي تمامًا ومثل الكثيرين منا، حتى بدأنا نستوعب الحدث شيئًا فشيئًا. وجاء رد فعلي بطيئًا، والآن.. وبعد أن استعدت شيئًا من رباطة جأشي حيال الشعور بفقدان صديقي، قررت أن أكتب وأنشر في الفضاء ذاته الذي أتواصل فيه دائمًا مع أصدقائي المستشرقين أو المهتمين بالدراسات الإسبانية، تعليقًا أقل ما يكون تكريمًا له. 
قالت لي صديقتي جيهان أمين إنني أدرك أكثر من أي شخص آخر، حجم الخسارة الفادحة التي تكبدتها الدراسات الإسبانية بغيابه، فقلت لها، ليس أكثر منكم، لأن هذا الأمر؛ خسارة الدراسات الإسبانية بغيابه، يعلمه تلاميذه وزملاؤه أفضل مني، ولكني كنت وما أزال شاهدًا محظوظًا، لأن المهتمين بالدراسات الإسبانية، خلال فترة السنوات الخمس التي أمضيتها في القاهرة بين عامي: 2006 و2011، تقبلوني داخل دائرتهم التي كانت تتشعب إلى عدة دوائر مختلفة، وانعموا عليَّ بصداقتهم، ومَنَّ عليَّ بعضهم بأكثر من ذلك.
وفي هذا السياق تحضرني بقوة ذكرى أبوالعطا، لأدلي بشهادتي عنه بدافع الاحترام والصداقة والحب، فأشير كواحد من كثيرين من تلاميذه وزملائه إلى أنه يوجد سبب لحب وصداقة واحترام أبو العطا، ويجب أن يكون الأمر هكذا في يوم كهذا.
كان محمد بالنسبة إليَّ علامة وأستاذًا وصديقًا. كان مهتمًا بالدراسات الإسبانية ولا يمكننا أن ننسى جهوده الرائدة. وأنا أدرك أن كثيرين سيفتقدونه وسيشتاقون إلى علمه، ولكنه كان وسيظل مثلًا طالما استمر نشاط تلاميذه، وهم قلة في حقيقة الأمر. فضلًا عن محادثاته التي أستحضرها كثيرًا أثناء سيري تحت ظلال أشجار بيلو أوريزونتي.
وأنا ما زلت أحتفظ بصورة يومية لشيء كان قد أهداه لي لكي استخدمه، لكي أحمل - من خلال هذا الشيء – أبو العطا دومًا معي. إنه علبة من الفضة لحفظ البطاقات الشخصية، صناعة مصرية متقنة، محفور عليها يدويًا أشكال هندسية، بينما حفر اسمي على الجانب الأيمن من أعلى.
وها هي أقلبها بين يدي، وأضعها على الطاولة، ثم أعيدها إلى جيبي، كما لو أن هذا الشيء من أثر صديق، وبوسعه أن يعيد إليَّ أكثر من مجرد ذكرى منه، وهو شيء أحرص على أن يدوم وألا يضيع برحيله. ومن خلال عديد من الأنشطة التي نظمناها وعشناها معًا قدمني محمد أبوالعطا إلى كثير من المؤلفين والكتاب العرب ممن لم أكن أحلم بلقائهم. التقيناهم وكرمناهم هنا في قاعات معهد ثربانتس بالقاهرة، حيث تحدثوا عن إبداعاتهم، وما تمثله إسبانيا بالنسبة إليهم من أمثال بهاء طاهر، وصنع الله إبراهيم، وإدوار الخراط، وغيرهم.
عرف عن البروفيسور العلامة تواضعه ودماثة خلقه، وهي السمات التي نقلها لتلاميذه، وأشهد على ذلك بحكم معرفتي للعديد من المهتمين بالدراسات الإسبانية، وبينما استحضر ذلك، يمثل أمامي نمط سلوكه الذي يجمع بين الحزم مع الأريحية والتباسط الشديد مع تلاميذه، وهي سمات لا تغيب عن القاصي والداني، كما تعتبر المحور الأساس لشخصيته. 
لقد ترك رحيل محمد أبوالعطا في نفسي وفي نفوس غيري ممن عرفوه وتعاملوا معه فراغًا كبيرًا لا يعوض، وشعورًا قويًا بحضور يتجسد ويتعاظم بكل تأكيد مع انتشار ونضج أعمال تلاميذه، على غرار ما كان يفعل هو بشكل يومي، ليتضاعف في مصر التي حظيت بانتسابه لها، مثلما حظي هو بأجيال عظيمة من التلاميذ والزملاء. 
ويعيش زملاؤه وأبناء جيله من المشتغلين بالدراسات الإسبانية ومن المستعربين أيضًا حالة حداد، يشاركهم إياها تلاميذه ووارثو الحال من بعده، ناقلين تعاليمه مقتدين بمثاله، مطورين من ذاتهم مثلما فعل هو، ومثلما نفعل نحن الذين عرفناه.

وفي كلمته قال الدكتور ماجد مصطفى الصعيدي: اسمحوا لي في البداية أن أتوجه بالشكر إلى السيد خابيير رويث، مدير معهد ثربانتس، والسادة منظمي هذا الحفل، وإلى الحضور الكريم من العلماء والأدباء والمثقفين، والزملاء الأعزاء، ونحن نجتمع اليوم لتكريم واحد من رموز كلية الألسن جامعة عين شمس وأحد أعلام الترجمة بين العربية والإسبانية الأستاذ الدكتور محمد أبوالعطا الذي لا يغيب عنا أبدًا بحضوره الجميل في تلاميذه وزملائه وأحبائه ومريديه، وبآثاره العلمية والثقافية الباقية، وبذكراه العطرة على الدوام.
وإني أحمل إليكم رسالة إعزاز وتقدير وامتنان من كل الألسنيين وفي مقدمتهم الأستاذة الدكتورة سلوى رشاد، عميدة كلية الألسن، التي حرصت أن يكون للألسن مشاركة تليق بهذا الحدث العظيم، تتمثل في الإصدار الجديد من "مجلة الألسن للترجمة" الذي يحمل ملفًا زاخرًا عن الدكتور محمد أبوالعطا بوصفه أحد أعلام الألسن ومؤسس هذه المجلة.
وكلية الألسن تقدم هذا العدد التذكاري إلى قرائها في كل مكان تخليدًا له ودعوةً لأجيال الباحثين والمترجمين والمثقفين في مصر والعالم العربي لمواصلة جهوده العلمية والثقافية.
ومن المهم أن نوضح أن صحبة الدكتور ماجد لأبوالعطا تربو على ربع القرن جمعهما خلالها العمل في مشاريع علمية وثقافية في كلية الألسن وفي وزارة الثقافة المصرية.
وفي شهادته حوله يشير الصعيدي إلى أن أبوالعطا لم يكن تقليديا في رؤيته وتفكيره، وكان إنسانا متسامحا مترفعًا، واسع الأفق، معطاءً لا يبخل بخبراته وآرائه على أحد، كما كان ثاقبَ النظرة في الناس. 
ولقد كانت فكرة تأسيس "مجلة الألسن للترجمة" واحدة من إبداعاته التي أحدثت أصداء واسعة في الأوساط الأكاديمية وفي الحياة الثقافية داخل الجامعة وخارجها؛ إذ وضعت الألسن وأبنائها في قلب الحياة الثقافية العامة. وكان لعلاقاته العلمية مع شخصيات أكاديمية مرموقة في الجامعات الإسبانية أثرٌ بارز في تعميق وتوثيق العلاقات الثقافية بين مصر وإسبانيا، ومن هؤلاء الأستاذ بدرو مارتينث مونتابث شيخ المستعربين الإسبان الذي نشرنا له شهادة عنه بعنوان "كنت أرى مصر عندما أراه".
وسوف تظل ذكرى أبوالعطا حاضرة بيننا، وهو الذي ملأ حياتنا بهجةً بحضوره الجميل، وألقه الباهر، وأناقته البالغة، وعقله المتوقد، وعاطفته الدافقة، وإقباله على الحياة بحب وفرح طفولي نادر.
وتتوالى الكلمات والشهادات التي تشترك كلها في تبيان إنسانية محمد أبوالعطا في تعامله مع كل من تحدث وروى لنا جانبًا من تجربته معه عندما كان يدرس على يديه في مرحلة الليسانس أو في الدراسات العليا أو عندما تعلم من خلاله كيف تكون أطروحته لنيل الدكتوراه أو الماجستير عملًا أكاديميًا فريدًا، هكذا قالت الدكتورة نيرفانا أسعد شريف، ابنة مؤسس قسم اللغة الإسبانية بالألسن، الذي ذكر الدكتور أبوالعطا في كلمته بمقر إقامة السفير الإسباني بالقاهرة ليلة تقلده وشاح الاستقلال المدني الأكبر، أنه يهدي الوشاح إلى روح أستاذه الدكتور أسعد شريف مؤسس الدراسات الإسبانية بكليته. 
وتسرح ذاكرتي في قاعات معهد ثربانتس الذي يشغل أحد البنايات العتيقة في حي الدقي بالقاهرة وأصل إلى مكتبته التي تحمل اسم أديب أميركا اللآتينية أدولفو بيوي كساريس التي شهدت لقائي الأخير بصديقي محمد أبوالعطا، وكانت المناسبة صدور أحدث ترجمة عربية أنجزها لكتاب أدولفو بيوي كساريس نفسه "النوم في الشمس".
وقد أكد لي أبوالعطا في ذلك اليوم أنه يعتبر ذلك الأديب واحدًا من الكتاب العظام الذين ارتقوا بأدب أميركا اللآتينية إلى المستوى الكوني، إذ أخلص لصناعة الأدب منذ الصغر؛ فطرق  كافة شعابها وأجاد فيما طرق، فقد كتب الرواية والقصة القصيرة والمقالة، والدراسات الأدبية، وأصدر المنتخبات، كما كتب للمسرح، وأعد السيناريو السينمائي.
وذكر أن أهم تيمات أعماله السردية هي: الحلم وشعور الإنسان المعاصر في مواجهة الأزمات والكروب؛ وأشار إلى أنه كاتب شغوف بكل ما يثير الدهشة مهموم بمعضلات الهوية وتأمل فردية الفرد وباختراع الفانتازيا، ومقاربة تيمة الموت. وتفتش أعماله في اليومي المعيش لتكتشف حيزًا مجاورًا للواقع - يحلو للبعض أن يعتبره فانتازيًا أو فضاءً سحريًا - يجاوز فيه القصور ما هو رتيب في حياة الإنسان.