"دفء المرايا" سيرة حياة وكشوف

مصطفى نصر يستحضر وقائع حكائية لعدد من مجايليه من الأدباء المتحلقة حول مرحلة البدايات والبواكير والظروف التي وضعتهم على أول الطريق نحو الشهرة الأدبية.


الشخصيات التي استحضرها مصطفى نصر في روايته لم يكن لها طابع السرية بالنسبة لمن يعرف تلك الحقبة الثقافية والأدبية في الإسكندرية


رواية "دفء المرايا" هي رغبة حاضرة معنا جميعا في سبيل الإفصاح عن ذاتنا

"إن مشكلة اللامنتمى فى اساسها هى مشكلة الحرية".
كولن ويلسن
كتب مصطفى نصر روايته "سينما الدورادو" التى صدرت عام 2006 وتناول فيها ملامح محددة من سيرته الذاتية وارتباطها الوثيق بدور السينما التي كان يرتادها في مراحل الصبا والشباب بالإسكندرية، والأفلام المحببة إليه خلال تلك الفترة، وتأثيرها المباشر على حياته من الناحية الإجتماعية والثقافية والأدبية، وكان هذا النص السردي بمثابة نقطة انطلاق نحو تحفيز هواجسه بهذا النوع من الكتابة السردية المحتفية بجوانب كثيرة ترتبط بحياته الخاصة والعامة الممتلئة بوقائع كثيرة، حاول أن يضعها موضع التحرير والكتابة عنها، ومن ثم طلع علينا بروايته الأخيرة "دفء المرايا" الصادرة عن دار المعارف 2019 التي استحضر فيها وقائع حكائية لعدد من مجايليه من الأدباء المتحلقة حول مرحلة البدايات والبواكير والظروف التي وضعتهم جميعها على أول الطريق نحو الشهرة الأدبية المعروفين بها الآن.
ولعل الكاتب حينما فكر في سرد هذه الأحداث في روايته الأخيرة "دفء المرايا" والإحساس بعدم الانتماء في هذا العالم الزاخر بكل أنواع الموبقات من خلال الشخصيات التى عايشها وكان لها دور كبير في التفاعل معه، ومع الحركة الأدبية فى مصر من الشخصيات الأدبية والمناخ الثقافي والأدبي خاصة ما كان يحدث في الإسكندرية في فترة السبعينيات من القرن الماضي في تناص فني وموضوعي مع عدد من الكتابات المتمحورة حول هذا الجانب من السير الغيرية ومناخات الحركة الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية التي تناولها العديد من الكتّاب في أعمال تجمع بين ملامح السيرة الغيرية وبين السرد الروائي والقصصي.
ففي مقدمة كتاب "اللامنتمي" للكاتب الإنجليزى كولن ويلسون يشير الكاتب إلى أن "هناك نوع من الأشخاص، يعتبر ذا أهمية خاصة وتجتمع فيه الصفات التي يمكن أن تجعله صورة صادقة لعصره، فتجد هذا النوع تارة بطلا فى عصر، وتارة أخرى ثائرا في عصر ثان، وأحد الأفراد المقربين إلى السلطة في عصر ثالث، وقديسا في عصر رابع، فما هو النوع الذي يظهر في عصرنا هذا؟ (مقدمة كتاب اللامنتمي، كولن ويلسون، دار الآداب، بيروت، ط 5، 2004 ص 7). 
كان هذا السؤال الذي طرحه كولن ويلسون في مقدمة كتابه هو السؤال الملح والأهم في كل زمان ومكان والمتمحور حول شخصية اللامنتمي الحاضر في كل زمان ومكان، وهو ما أجابت عليه رواية "دفء المرايا" للروائي مصطفى نصر، وأعمال أخرى سابقة عليها في مقدمتها كتاب كولن ويلسن نفسه "اللامنتمي"، وكتاب "نماذج بشرية" لشيخ النقاد الدكتور محمد مندور، وكتاب الدكتور لويس عوض "محاورات المعلم العاشر" والوقائع الساخرة التي عالج بها كل منهم هذه الشخصيات الواردة بهذه الكتب. وما عالجه كاتبنا الكبير نجيب محفوظ في رواية "المرايا" من شخصيات حكى وسرد عنها بأسماء مقنّعة لكن الوصف الحاضرة به كل شخصية كان يفصح عنها لشهرتها وارتباطها الحميم بالحركة الأدبية والصحفية المعاصرة. كذلك محور الشخصيات التي اشتغل عليه الكاتب علي الشوباشي في روايته "رابعة ثالث" من خلال صورته وزملاء الفصل وكيف كانوا في ذلك الوقت، وكيف أصبحوا بعد ذلك، وكتاب "النميمة نبلاء وأوباش" للكاتب سليمان فياض الذي تناول فيه العديد من الشخصيات الأدبية، وكتاب الروائى محمد الجمل "أطياف مسافر في الغروب" بلوحاته المنتخبة من سيرته الذاتية والمشهد الأدبي في الإسكندرية، جميع هذه الأعمال استحضرت نماذج بشرية عدة بحسب المناخ والزمان والمكان، واشتغلت على انتمائهم وعدم انتمائهم لعصرهم وتجربتهم الإبداعية وربما تكون قد أجابت على السؤال الذي طرحه كولن ويلسون في مقدمة كتابه اللامنتمي": ما هو هذا النوع الذي يظهر في عصرنا هذا؟!" (المصدر السابق ص 7).

مصطفى نصر يصور في هذا النص الروائى السيري إشكالية تعبر عن اللامبالاة وعدم الانتماء، وهي بلا شك قد أوصلا بطل هذا النص إلى كل ما يصبو إليه وبكن بطريقة مكيافيللية وانتهازية

كان هذا السؤال الذي طرحه كولن ويلسون في مقدمة كتابه هو السؤال الملح والأهم في كل زمان ومكان والمتمحور حول شخصية اللامنتمي الحاضر في كل زمان ومكان، وهو ما أجابت عليه رواية "دفء المرايا" للروائي مصطفى نصر، وأعمال أخرى سابقة عليها في مقدمتها كتاب كولن ويلسن نفسه "اللامنتمي"، وكتاب "نماذج بشرية" لشيخ النقاد الدكتور محمد مندور، وكتاب الدكتور لويس عوض "محاورات المعلم العاشر" والوقائع الساخرة التي عالج بها كل منهم هذه الشخصيات الواردة بهذه الكتب. وما عالجه كاتبنا الكبير نجيب محفوظ في رواية "المرايا" من شخصيات حكى وسرد عنها بأسماء مقنّعة لكن الوصف الحاضرة به كل شخصية كان يفصح عنها لشهرتها وارتباطها الحميم بالحركة الأدبية والصحفية المعاصرة. كذلك محور الشخصيات التي اشتغل عليه الكاتب علي الشوباشي في روايته "رابعة ثالث" من خلال صورته وزملاء الفصل وكيف كانوا في ذلك الوقت، وكيف أصبحوا بعد ذلك، وكتاب "النميمة نبلاء وأوباش" للكاتب سليمان فياض الذي تناول فيه العديد من الشخصيات الأدبية، وكتاب الروائى محمد الجمل "أطياف مسافر في الغروب" بلوحاته المنتخبة من سيرته الذاتية والمشهد الأدبي في الإسكندرية، جميع هذه الأعمال استحضرت نماذج بشرية عدة بحسب المناخ والزمان والمكان، واشتغلت على انتمائهم وعدم انتمائهم لعصرهم وتجربتهم الإبداعية وربما تكون قد أجابت على السؤال الذي طرحه كولن ويلسون في مقدمة كتابه اللامنتمي": ما هو هذا النوع الذي يظهر في عصرنا هذا؟!" (المصدر السابق ص 7).
لذا كانت رواية "دفء المرايا" هي رغبة حاضرة معنا جميعا في سبيل الإفصاح عن ذاتنا، وكما تقول عنه مارت روبير، إنه أمر ملازم لطبيعة الإنسان: "فالإنسان يعيش حياته على مستويين متلازمين كل منهما يكمل الآخر، الواقع الذي هو مجال عمله، والخيال الذي يستعيد بواسطته في أسطورة وقائع حياته، يستعيدها لذاته أولا، ومن ثم للآخر، يكملها، يضخمها، يزينها، ثم يختلط الواقع بالخيال في شعوره، فكلاهما واقع وكلاهما هو". (رواية الأصول وأصول الرواية.. الرواية والتحليل النفسي، مارت روبير، ترجمة وجيه أسعد، منشورات إتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1987 ص56).
ولعل اللامنتمي في عرف ما صوّره هؤلاء الكتّاب هو هذا الانتهازي المكيافيللي الذي يعيش الحياة لنفسه فقط ويرقب الآخرين من خلال ثقب في الحائط ليحصل هو على كل ما يريده بطرقه الإنتهازية غير المشروعه مستخدما ذكاءه الخاص، وكل ما يستطيع استخدامه من حيل، وأساليب ملتوية، وطرق غير مشروعة، في سبيل الوصول إلى مبتغاه وأهدافه سواء كانت حول المال أو الشهرة أو النساء وغير ذلك من الأهداف المادية والحسية والمعنوية.
محاور الشخصية
إن وصف الشخصية داخل النص الروائي لا يمكن للكاتب أن يوفيه حقه إلا من خلال القارئ الذي يرسم عنها صورة في ذهنيته الذاتية لمحاولة ملء فراغات النص بما يتعلق بهذه الشخصية أيا كانت، وهي العنصر الأكثر أهمية، حيث إن الشخصيات في العمل الروائي كائنات مركبة فيها نصيب من الواقع ونصيب من الخلق والتخييل، وهي تعتبر سرا من أسرار الكاتب، لا يبوح به إلا من خلال النص ذاته. ولا شك أن الشخصيات التي استحضرها مصطفى نصر في روايته لم يكن لها طابع السرية بالنسبة لمن يعرف تلك الحقبة الثقافية والأدبية في الإسكندرية، والتي كتبت عنها الرواية، والأحداث التي تمت فيها، والشخصيات التي تتحدث عنها، ممارساتهم، وجبلتهم الذاتية، وطبيعة إبداعاتهم، فقد استثمر مصطفى نصر في روايته عنصر الشخصية كأساس ذاتي له صفة الوصف والمعايشة والتفاعل، في جوانب عدة شبيهة ببعض مما استخدمه نجيب محفوظ على وجه الخصوص فى "المرايا" حتى أن العنوان الذي استخدمه مصطفى نصر لروايته، جاء هو الآخر متوافقا مع عنوان رواية نجيب محفوظ "المرايا" المعبر عن رؤية الواقع الذاتي للشخصية وطبيعة تأثيرها على الذات الراصدة الكاتبة، كذلك استثمر أيضا بعض البورتوريهات التي كان يستخدمها سليمان فياض حين كان يكتب عن كتابه "أوباش النميمة" وليس نبلائها، في وصف العديد من الشخصيات المكيافيللية والعائشة حقيقة ذاتها في المشهد الأدبي، كله بحسب وضعه الإجتماعي الخاص، فما جاء برواية "دفء المرايا" من شخوص وأحداث رامزة إلى الأبعاد الإنتهازية لا شك أن هناك الكثير منها داخل الحركة الثقافية والأدبية وتناولها العديد من الكتّاب في متون أعمالهم.  

Literary criticism

كما أعتمد مصطفى نصر في بناء شخصيات نصه الروائي على شخصيات من المشهد الأدبي في الإسكندرية، وما يحدث داخل كواليس هذا المشهد باعتباره أحد أفراده الفاعلين والمتواجدين فيه منذ سبعينيات القرن الماضي، كذلك جسّد وعبّر عما يحدث داخل الشخصية ذاتها من صور نفسية وسيكولوجية تنامت وقائعها عند كل شخصية بحسب النشأة والمظهر الإجتماعي والثقافي والتوجه الذي يتبناه صاحب الشخصية إبداعيا وحياتيا وطبيعة جبلتها الخاصة التي تعتمد عليها في ممارسات حياتها بحسب ما رآه وعاصره في أحداث كثيرة داخل المشهد الثقافي والأدبي في تلك الحقبة الغنية بإرثها الثقافي والفني والاجتماعي.
ولعل شخصية "وجيه وجدي" التي احتلت الجزء الأول من الرواية بنرجسيته الخاصة، وهو الباحث عن الشهرة التي صورها الكاتب بأبعادها التي اتسمت بها جبلة شخصيته، وطبيعتها النرجسية الخاصة التي نشأت معه منذ مرحلة الصبا من خلال طريقة تربيته وعقدة أوديب المتأصلة في ذاته من خلال تعلقه بأمه، ومن ثم تحكمها في طريقة تربيته ونشأته، وارتباطه الشديد بها من جوانب عدة، ما جعله ضعيف الشخصية، يميل إلى الوحدة والعزلة، ليس لديه أي نوع من الإنتماء، واستمر على ذلك وحتى حصوله على الشهادة الجامعية (بكالوريوس العلوم) الذي أهله للعمل بإحدى مصانع شركة الورق. والمحاولات التي بذلها للبحث عن الشهرة بأي طريقة من الطرق كانت هي ديدنه طوال مراحل حياته الاجتماعية والثقافية، لقد أراد أن يفتح الباب" "لعله يجد وسيلة للخروج من البيت، ليس له صديق يذهب إليه، فلم تسمح له أمه – خلال سنوات الدراسة – أن يصادق أحدا، كانت تعارض حتى في ذهابه إلى السينما، سيذهب ليبحث عن الصيادين القريبين من بيته، يتابعهم وهم يشدون (جرافة السمك) فقد يجد حكاية تصلح لأن تكون فكرة أول قصة يكتبها". (ص8) تلك كانت شخصية وجيه وجدي العائد من العزلة إلى موقع الشهرة، ولكن كيف هذا هو السؤال الذي أطلقه كولن ويلسون في مقدمة كتابه اللامنتمي.
كذلك جسّد الكاتب في الجزء الثاني من الرواية علاوة على شخصية وجيه وجدي الشخصية المحورية في النص، شخصيات أخرى من المشهد الأدبي في الإسكندرية، صورها الكاتب فى مرايا ذاته بأسماء مقنّعة وليس بأسمائها الحقيقية، فكانت شخصيات محمود السعيد، وعزيز الدرمللي، وميشيل صبري، وصفية المختار، وحنان أبو الوفا، كما كانت هناك أيضا شخصيات ثانوية في نسيج الرواية ولكنها كان لها دور لخدمة الشخصيات الرئيسية مثل شخصيات على عيسى وهو كاتب وكان المشرف على مطبوعة "أقلام الصحوة"، وعلام الصاوي الأستاذ بكلية العلوم بالإسكندرية، ومحمد الصادق وهو عميد بالقوات المسلحة شارك في حروب 56، و67، و73 ، وإبراهيم المغربي وهو أستاذ جامعي، وعبده متولي صوره الكاتب على أنه يتهته دائما، وعباس المصري، وهو شاعر ودائما يرأس الندوات في عصره، ورؤوف الطحاوي وهو صحفي قاهري يشرف على نادى القصة بالإسكندرية، وعوض الجاويش وهو مدرس كان صديقا لوجيه وجدي وزامله فترة التجنيد، وجميعها أيضا شخصيات ليست بأسمائها الحقيقية، كان لها دور كبير في الحركة الثقافية في الإسكندرية، لكنها في نسيج الرواية مثلت دورا ثانويا لخدمة النص والشخصية المحورية التي دارت حولها الأحداث وهي شخصية وجيه وجدي.
تبدأ الرواية بشخصية وجيه وجدى الباحث عن الشهرة، هو طالب فى كلية العلوم، يعيش وحيدا في عزلته الخاصة في أسرة متوسطة الحال تتحكم أمه في حياته بطريقة الأم المتحكمة، فهو لا يستطيع أن يلعب مع أقرانه في الحي إلا بأوامرها ولا الذهاب إلى السينما إلا بعد أن تأذن له، وسط هذه العزلة، والفراغ المميت، كانت أحلام اليقظه عنده كثيرة ومتنوعة: "حلم كثيرا بأن يكون مشهورا، لكنه لم يكن يدري كيف يحقق ذلك". (ص5)، شقيقته نادية تعيش هي الآخرى حالة مأسوية بفقد زوجها الضابط أثناء معارك يونيو/حزيران 1967، تتعلق نادية بشقيق زوجها فتحي، وترغب في الزواج منه على الرغم من اعتراض الأسرة كلها لسوء سلوكه، وصغر سنه بالنسبة لها، ولعدم التأكد من موت زوجها باعتباره مفقودا في العمليات الحربية. 
كانت نادية تواظب على كتابة يومياتها وخواطرها، فبدأ وجيه يلتفت إلى هذا الجانب، ومن ثم بدأ هو الآخر في كتابة خواطره كنوع من التقليد الناجم عن العزلة التي يعيش فيها، حتى قابل عوض الجاويش أثناء فترة التجنيد الذي كان قارئا نهما وفي نفس الوقت يكتب القصة القصيرة، فبدأ وجيه أيضا في تتبع أثر صديقه عوض، بعد أن أثنى عوض على أسلوبه في كتابة الخواطر. طلب منه أن يمارس كتابة القصة القصيرة فمن الممكن أن يصبح كاتبا مشهور إذا أتقن كتابة هذا الفن: "القصة؟! أيمكن أن تأتي الشهرة عن طريق القصة؟! إنه مجال ليس مهما كمجال السينما أو لعب الكرة، لكن لا بأس ما دام هو المجال الوحيد المتاح الآن، فأنت لا يمكن أن تكون ممثلا سينمائيا، أو لاعب كرة قدم". (ص7). 
وتبدأ رحلة الصعود ومشوار البحث عن الشهرة عند وجيه وجدي، وتتواتر الأحداث بعد ذلك في مصنع الورق الذي يعمل به وجيه، وتبدأ رحلة البحث عن الذات حين يبدأ وجيه وجدي في التردد على قصر الثقافة بناء على نصيحة صديقه عوض الجاويش، وهناك يجد هذا العالم الثقافي الخاص من خلال المترددين على ندوات القصر من كتّاب القصة والندوات والملتحقين بها من الأدباء الناشئين والمخضرمين وبعض المهتمين بهذا المجال، وصورة حية للندوات التي كانت تعقد خلال تلك الفترة، هو عالم جديد عليه، وعليه أن يتأقلم بما هو حادث فيه، يتعرف على شخصيات بعضها يحاول مساعدته وبعضها يحاول استغلاله، تنتقل الندوات إلى منزل أحدهم لغرض إصدار مجلة خاصة، لكن ينقصهم التمويل، يحاول وجيه مساعدتهم بطلب إعلان من الشركة والحصول على خصم لورق الطبع بغرض إثبات ذاته داخل هذه المجموعة، فيحتفي به الجميع لهذا العرض السخي، من هنا أصبح وجيه مهما في مجموعة قصر الثقافة. 

المدينة الثقافية العظيمة بدت وكأنها بانوراما لقاع المجتمع والمهمشين وبدت عروس البحر الأبيض المتوسط حين حاول البعض تطبيع العلاقات مع إسرائيل وكأنها مدينة موبوءة بأدباء ومثقفين ليس لديهم أي نوع من الإنتماء

فى الوقت نفسه كان مجال العمل بالنسبة له هو الوجه الآخر للبحث عن الذات من خلال محاولة إثبات ذاته مع المحيطين به حتى العامل المكلف لخدمته، زملاء العمل كوستا اللامنتمي اليوناني الذي يتكسب من وراء عمل وجيه ويعرف نقط الضعف المتأصلة داخل وجيه، عفاف الحناوي الفتاة ابنة شقيق وزير الصناعة والتي تعمل بالمصنع ولها مزايا كثيرة لا يتمتع بها أحد.
البناء الفني
تضمنت الرواية حشدا كبيرا من الأحداث المتسارعة والتي شكلت محاور الرواية في صورتها الحقيقة التي ظهرت بها: "وليست الحقيقة الروائية هي الحقيقة الواقعية، وإنما هي أحداث محتملة، وبناء رمزي وتشكيل لعلاقات جمالية تتم بين الخيال والواقع". (أسئلة الكتابة النقدية.. قراءات في الأدب الجزائري الحديث، إبراهيم رماني، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر، 1992 ص148).
تنقسم الرواية إلى قسمين رئيسين؛ القسم الأول تحت عنوان "الشهرة"، ويختص هذا القسم بشخصية وجيه وجدي الأديب الناشئ الباحث عن الشهرة، واكتشافه أن كتابة القصص هو الطريق الأسهل والأقصر للوصول إلى الشهرة التي يبحث عنها، وبعد أن تتمدد شخصية وجيه وجدى داخل منتديات قصر الثقافة ويعرفه الجميع، فكر في كتابة رواية كمحاولة أولية للخروج إلى عالم الشهرة، وبعد أن كتبها ونالت نصيبها من التقديم وتحولت بالكاد، وبمساعدة الآخرين إلى مادة منشورة، فوجئت أسرته أن الرواية تقوم أحداثها على قصة زواج شقيقته نادية من فتحي شقيق زوجها المفقود، وغضب الجميع من وجيه وكانت هذه أولى محاولات الإنتهازية التي قام بها وجيه من خلال البحث عن الشهرة. 
يستخدم وجيه كل الوسائل للوصول إلى ما يريد سواء داخل الأسرة أو في مصنع الشركة أو في المشهد الأدبي المتواجد فيه، حتى تتاح له الفرصة للحصول على موافقة المباحث لروايته الجديدة فيصبح عينا من عيون المباحث داخل الحركة الأدبية وداخل مجال العمل والدراسة، يعرف طريق المخدرات عن طريق كوستا زميله في المصنع، ويعرف أيضا عن طريقه طريق النساء، حين فوجئ بإحدى العاملات بالمصنع وهي أم عزيزة متواجدة باستمرار في منزل كوستا. ويوظفها كوستا لإستدراج وجيه ومحاولة استثمارها في ابتزازه دائما، من ناحية أخرى يحاول وجيه وجدي إقامة علاقة عاطفية مع عفاف الحناوي، حتى صورت له مخيلته أنها تحبه وأنه يمكنه خطبتها والوصول عن طريقها إلى الأسر الكبيرة، ويفاجئ بأنه قد سلك الطريق الخطأ، وعندما أقدم على محاولة الخطبة، عاد من زيارة أسرة عفاف هو وشقيقته نادية وزوجها بخفي حنين. 
كانت بينه وبين العديد من المثقفين والأدباء علاقات جافة، خاصة الشاعر عزيز الدرمللي وهو زير نساء أيضا، وكلاهما كان يحوم حول صفية المختار إحدى الصحفيات التي تتعامل مع مجلات القاهرة. كان وجيه وجدي كثير السفر للقاهرة مع صديقه محمد الصادق للوصول إلى كبار الأدباء والصحافة في محاولة لإثبات الذات على المستوى الثقافي والأدبي العام حتى ولو كان ذلك في سبيل نشر خبر عن كتابتهما الأدبية. لقد كانت المحكيات والمرويات في هذا الجزء من الرواية تتمحور حول شخصية وجيه وجدي بكل أبعادها الإنتهازية والمكيافيللية للوصول بأي طريقة إلى حلم الشهرة، وحتى يحقق وجيه وجدي من خلاله ذاته في الشهرة التي كانت في يوم من الآيام حلم حياته.
أما الجزء الثاني فهو يتعلق ببعض الشخصيات الأدبية في الإسكندرية من جيل الكاتب وجيل وجيه وجدي، وممن كان لهم تأثير مباشر عليه وعلى المشهد الأدبي من خلال المسكوت عنه في المشهد، وما كان يمارسه العديد من هؤلاء الكتّاب الانتهازيين على مستوى الواقع في المحافل والمنتديات الأدبية المختلفة في المدينة، أو في كواليس المشهد في أماكن أخرى لها وظائف متنوعة. ولعل الأحداث والشخصيات التي وردت في هذا الجزء من الرواية كان لها أصداء سياسية استحضرها الكاتب في هذا الجزء لارتباط بعض الشخصيات الأدبية فيه بنزعة التطبيع التي كانت تحاول فيه إسرائيل أن يتم مع الشعب المصري، بعضهم من أدباء الإسكندرية استجاب لهذه النزعة مثل صفية المختار التي كان والدها دائم السفر إلى إسرائيل لوجود معاملات تجارية وسياحية مع الجانب الإسرائيلي، لذا كانت هي من أوائل الذين كانوا ينادون بهذا التطبيع، ففي ندوة وجيه وجدي التي إقيمت في نادى سموحة، قطعت صفية المختار الندوة للترحيب بضيوفها من الجانب الأسرائيلي: أرحب باسم نادي سموحة وباسم مثقفي الإسكندرية بالسيد إيزاك أورون القنصل الإسرائيلي للثقافة والزراعة في الإسكندرية، والسيدة رفكا يادلين أستاذة الأدب العربي بالجامعة العبرية بالقدس، والدكتور باسم راضي أخصائي المسالك البولية العائد منذ شهور قليلة من أميركا". (ص124): وجيه وجدي وعزيز الدرمللي ومحمد الصادق وميشيل صبري وهو قاص آخر كان يتزعم هذا الموضوع لغرض إجتماعي وديني يريد الوصول إليه حتى أن ميشيل صبري ووجيه وجدي ومحمد الصادق سافرا إلى أميركا لهذا الغرض، والبعض الآخر رفضها استجابة لنداء الغالبية العظمي من أدباء ومثقفي مصر والإسكندرية أيضا، وتمشيا مع الوازع الوطني الذي يتحكم في شخصية كل منهم نحو وطنه ونحو ذاته.
يستخدم الكاتب أسلوب السرد الحكائي المباشر وأسلوب السيناريو السينمائي الحكائي بتقطيع المشاهد وبثها في لقطات لها سمات الإيقاع السريع تتنقل فيها كاميرا الكاتب الأسلوبية بجملها ولقطاتها إلى وحدات حكائية متواترة قصيرة تبرز وتجسد وقائع ما يحدث. كما يستخدم الكاتب أيضا أسلوب الراوي الراصد للأحداث دون التدخل في تحديد معطيات الحدث إلا من خلال وصف ما يجرى فيه من ممارسات الشخصية وهو ما نلاحظه في الكثير من مشاهد الرواية سواء في الجزء الأول الذي يحكي ويسرد شخصية وجيه وجدي، أو في الجزء الثاني الذي يتنقل بين شخصيات مختلفة وأحداث متنوعة. 
كما تمثل المحكيات والمرويات المتعددة التي تكوّن نسيج النص جانبا آخر من التقنيات التي لجأ إليها الكاتب في كتابه، وهي بلا شك طاقة غنية متجددة، تمتلك قدرة فائقة على الإيحاء والتأثير، من خلال قراءة سرد محكياتها ومحاولة الوقوف منها على حقيقة الأحداث والمعنى المضمر وما وراء السطور، خاصة إذا كانت هذه الأحداث مروية من خلال كاتب عاش معظم ما حدث فيها. 

Literary criticism
اللامبالاة وعدم الانتماء

المرأة والمسكوت عنه
تحتل المرأة جانبا كبيرا من مشاهد الرواية كما أنها تشارك كشخصيات لها البعد الإنثوي الفاعل في التأثير على الأحداث، فمن خلال شخصية وجيه وجدي في الجزء الأول تظهر شخصية الأم المتسلطة، والأخت المتحررة، كحالة إجتماعية لها قضاياها الخاصة داخل الأسرة، ومن خلال شخصية عفاف الحناوي التي تعّرف عليها وجيه في المصنع الذي يعمل به بعد عودته من التجنيد، وأخبروه أنها ابنة شقيق وزير الصناعة، وكان لها دور كبير في صعوده المدوي في المجال الأدبي من خلال تشجيعها له وحضورها واحدة من ندواته، ومن ثم أراد الارتباط بها لكن محاولاته باءت بالفشل لعدم وجود تكافؤ إجتماعي بين عائلتيهما، فعندما حضر وجيه وشقيقته وزوجها لزيارة عفاف لطلب يدها من أسرتها، وعندما تحدث زوج شقيقته في الأمر: "دهشت عفاف من الموقف، ماذا يقصد، أيريد أن يقول أن وجيه يريد أن يتزوجها؟! ضحكت الأم في استخفاف (قالت بعد أن خرجوا من الشقة: إحنا حنعيّل؟! قال الرجل بعد كثير من الاعتذارات: - لقد فجأتمونا، للأسف عفاف مخطوبة، وإن كانت الخطبة لم تعلن بعد، لكنني أعطيت كلمة. صاح وجيه فزعا: مخطوبة!!". (ص72/73). 
كذلك كانت المرأة في وضعية المسكوت عنه واستخدام الجنس الذي يعتبر سمة غالبة في معظم الأعمال الإبداعية في عالم مصطفى نصر السردي لها دور ملتبس في تحقيق الأحداث ومحاولة بلورة المعنى في المناخ الأدبي والثقافي على إطلاقه، لذا كانت محاولات وجيه وجدي وكوستا زميل العمل مع أم عزيزة، ثم وجيه وجدي وعزيز الدرمللي والصراع حول صفية المختار، ومحمود السعيد في علاقته بمديحة موظفة الثقافة بالشرقية، لذا كانت السياسة والجنس متواجدين في الرواية بحشد كبير من الآحداث والصراعات وكانت المرأة على كافة الأصعدة تمثل المسكوت عنه داخل النص، وإن كانت هناك بعض المشاهد الجنسية غير المبررة قد تواجدت داخل النص، من خلال شخصية أم السنين المرأة التي تعمل في المصنع الذي يشرف عليه وجيه وجدي وممارساتها الجنسية مع أحد العمال المعوقين، لقد كان هذا المشهد داخل الرواية زائدا عن الحاجة، ولم يكن مبررا للغابة.
خاتمة
لا شك أن الروائي يكتب روايته لكشف حالة إنسانية خارج المألوف، أو للتعبير عن صراع يدور بين الحالات الإنسانية المراد التعبير عنها أو لصياغة سيرة فنية تتخذ من السرد الروائي معبرا للكشف عن واقع إنساني تتداخل فيه الأمكنة والأزمنة والشخوص والأحداث. وفي روايته الأخيرة "دفء المرايا" كما هو الحال يصور مصطفى نصر في هذا النص الروائى السيري إشكالية تعبر عن اللامبالاة وعدم الانتماء، وهي بلا شك قد أوصلا بطل هذا النص إلى كل ما يصبو إليه وبكن بطريقة مكيافيللية وانتهازية، بدلا من أن يكون المثقف الحامل للواء الثقافة والأدب والمستمتع بما يقدمه للآخرين من أعمال أدبية تضئ الطريق، كان الباحث عن الشهرة والجوائز والنساء وغيرها من أنواع المتع الحسية والمادية بصورة كاشفة، وقد وصل بالفعل لما كان يصبو إليه ولكنه خسر نفسه.
لقد صوّر مصطفى نصر القاع السفلي للإسكندرية في مرحلة من مراحل مثقفيها، مرحلة شائهة حتى بدت المدينة الثقافية العظيمة وكأنها بانوراما لقاع المجتمع والمهمشين وبدت الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط حين حاول البعض تطبيع العلاقات مع إسرائيل وكأنها مدينة موبوءة بأدباء ومثقفين ليس لديهم أي نوع من الإنتماء.
من هنا لا بد أن نكشف عما كشف عنه مصطفى نصر في روايته "دفء المرايا" بأنها سيرة حياة وكشوف.