
سالم الجميلي يكشف الأسرار الخطيرة لـ'المخابرات العراقية'
"المخابرات العراقية.. أسوار وأسرار" هو الكتاب الذي أصدره ضابط المخابرات العراقي ومدير شعبة أميركا في جهاز المخابرات العراقي السابق الأستاذ سالم الجميلي وهو يعد من كنوز الكتب الثمينة وربما يعادل من حيث أهميته القصوى مئة كتاب من أمهات الكتب النفيسة التي تنال الإعجاب والثناء والتقدير للأهمية البالغة للأسرار الأمنية والمخابراتية الكبرى التي كشف عنها المؤلف وللمعلومات الثرة الوفيرة في الكتاب عن المخابرات العراقية للنظام السابق وقد أظهرها بما يليق بها من مكانة وأدوار وما حفلت بها مسيرتها من إنجازات وعمل مهني مخابراتي عراقي محترف نال شهرة لم يسبق لها مثيل بين مخابرات دول المنطقة والعالم.
لقد تحمل الرجل مثلما توقع هو في مقدمة كتابه عشرات الانتقادات وحملات التهجم الصاخبة التي وصل بعضها إلى حد اتهامه بالخيانة وشتى ألفاظ القذف والسباب من ضباط مخابرات سابقين لأنه من وجهة نظرهم كشف أسرارا خطيرة عن عمل ومهام جهاز المخابرات العراقي السابق بقيت لسنوات طي الكتمان عالي السرية في وقت يشير آخرون إلى أنه لم يكن بإمكان الرجل أن يكشف كل تلك الأسرار البالغة الأهمية بهذه الطريقة المثيرة لو لم يكن مؤلفه سالم الجميلي متمكنا من حرفيته ومهنيته وقدرته على الإحاطة بآخر عمل مخابراتي في عهد النظام السابق الذي يعد من أكثر عهود التاريخ العراقي قوة ومكانة.
تضمن الفصل الأول من الكتاب تاريخ نشأة المخابرات العراقية منذ أن كانت تسمى جهاز حنين ومن ثم مكتب العلاقات إلى أن أطلق عليها رئاسة المخابرات منتصف السبعينات ومن ثم تحولت في بداية الثمانينات إلى جهاز المخابرات وسرد من تولوا مهامها عبر تلك السنوات وعرض لمسيرة مدراء الجهاز وعمل كل واحد منهم على حدة وما حققه للجهاز من مهام ومسيرة عمل ضمن صفحاته.
وفي الفصل الثاني تناول الكتاب استراتيجية عمل جهاز المخابرات، والفصل الثالث عن تطوير قدرات الجهاز، وتناول الفصل الرابع الشكل الإداري والتنظيمي للجهاز، والفصل الخامس عرض محطات المخابرات الخارجية، والسادس تناول مصادر المعلومات السرية والعلنية، أما السابع فقد تناول العمليات السياسية الاستخبارية، والثامن تناول العمليات الخاصة، والتاسع أحداث مهمة بدأت منذ مسلسل دخول الكويت وما تلاه من مراحل، في حين تناول الفصل الأخير العاشر تعقيدات المشهد السياسي العراقي في ظل تطورات التهديدات الأميركية للعراق وأحداث فرق التفتيش ومن ثم احتلال العراق نهاية مارس/آذار وبداية أبريل/نيسان من عام 2003 وعدم عثورهم على أية معالم لأسلحة الدمار الشامل باعتراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتشي الأمم المتحدة ورئيس لجنتهم وما سبق كل تلك السنوات من توجهات أميركية لإسقاط النظام في العراق تحت أية مبررات.
وكتاب "المخابرات العراقية.. أسوار وأسرار" يستعرض من خلاله ضابط المخابرات العراقي السابق سالم الجميلي مهاما كثيرة تولاها في جهاز المخابرات السابق وقد عرض نشأة الجهاز منذ السبعينات وحتى عام 2003 لحظة سقوط النظام والمراحل التي مر بها الجهاز والمهام الأمنية المتعددة التي كلف بها والأنشطة الاستخبارية المختلفة التي وردت في مهام كل مديرياته بالأرقام وبالتفاصيل، وهو بهذا قد عرض نفسه لكل هذا النقد اللاذع من ضباط سابقين في الجهاز حملوه مسؤولية كشف مهام وعمل وأنشطة هذا الجهاز البالغة الأهمية والتي تعد من الأسرار الخطيرة التي لا يمكن الكشف عنها بأي حال من الأحوال من وجهة نظرهم.
صحيح أن سالم الجميلي خاض مغامرة غير محسوبة المخاطر لكنه استطاع أن يسبر أغوار معلومات غاية في الأهمية
لقد كان كتاب "المخابرات العراقية 1068 - 2003 أسوار وأسرار" هو الكتاب الوحيد الذي عرض مهام ونشأة ووظائف ومهام كل مديريات الجهاز بالتفصيل، إذ لم يسبقه أحد من قبل أو لنقل لم يتجرأ ضابط مخابرات عراقي سابق أن يخوض مغامرة مغرقة في الإثارة والتشويق من هذا النوع بالغة الخطورة ليعرض مهام الجهاز بتلك الغرابة للأسرار البالغة الأهمية التي كشفها ولكون آلاف العراقيين لا يعرفون ولو واحد بالمئة من تلك المهام .. ولو لم يكن سالم الجميلي ضابطا بالجهاز ومدير شعبة أميركا في مديرية الخدمة السرية وعمله لأكثر من مديرية وشعبة منذ بدايات نشأة الجهاز في سنواته الأولى بعد السبعينات لما كان بإمكانه أن يعرض كل تلك المعلومات البالغة السرية وإظهارها للعلن وقد نالت شهرة فاقت كل تصور.
وما يمكن أن يوجه من مثلبة عن الكتاب من الناحية الطباعية والإخراج التصميمي له وقد صدر عن دار نشر إماراتية أظهرت أنها لم تكن موفقة في عرض كتاب فائق الأهمية بهذا الإخراج الطباعي والفني الذي لا يليق بكتاب هام للغاية حيث كان يفترض أن تعطيه قيمة طباعية وفنية أكثر رونقا وشدا لأنظار وبخاصة أنه ظهر في عصر الطباعة الإلكترونية المتقدمة وإذا به وكأنه ظهر قبل أكثر من مئة عام وبانت أغلب صفحات عناوينه وفصوله ليست واضحة بل مشوهة وملطخة بالأحبار لكن الأهمية القصوى للمعلومات الخطيرة التي وردت في الكتاب هي من غطت على الإخراج الفني الباهت والذي يدعو للحزن وللرثاء كونه أخرج الكتاب بهذه الطريقة الفنية غير الموفقة حتى بضمنها خط عنوانه على الغلاف وعن دار نشر خليجية ربما تمتلك أفضل قدرات الطباعة الفنية والإخراجية.. إذ أن ما تم توزيعه من هذا الكتاب في العراق ظهر وكأنه مستنسخ بطريقة مشوهة وليس صادرا عن دار نشر معروفة وتصدر عنها كتب ودراسات ومراكز أبحاث كما قدمته في أغلب بدايات فصوله العشرة التي تضمنها الكتاب.
كتاب المخابرات العراقية الذي أعده سالم الجميلي وصلت صفحاته إلى 368 صفحة وتناول عشرة فصول وكل فصل احتوى على أسرار بالغة السرية والأهمية عن جهاز المخابرات العراقي السابق الذي لا يعرف الكثير من العراقيين ولا كثير من دول المنطقة عما يحدث داخله من مهام وأسرار وعمليات مخابراتية بهذه الطريقة إلا ربما الأجهزة الإستخبارية في المنطقة برغم أنها لم تصل إلى مكانة هذا الجهاز من حيث المكانة والأهمية والشهرة التي كان يتسم بها لدى الكثيرين.
بل أنه حتى أجهزة المخابرات الأخرى العربية وحتى مخابرات دولية ربما تفاجأت بعمل ذلك الجهاز والأدوار التي كان يؤديها.. فلم يكن في دول المنطقة من مخابرات قوية تناظره في الأهمية سوى المخابرات المصرية والإيرانية والإسرائيلية بما يقترب منها من حيث الدور والمكانة عدا المخابرات الأمريكية والبريطانية والروسية وبعض مخابرات أوروبا الغربية كفرنسا وألمانيا مثلا المعروفة بحجم نشاطها الإستخباري المتفوق والذي ليس بمقدور أية أجهزة إستخبارية أن تضاهيها من حيث النشاط البالغ الأهمية.
الكتاب يعد بحق أول كتاب استخباري عراقي يصدر وقد غطى عمل جهاز المخابرات العراقي السابق بطريقة منصفة واعتبر أنه من الأسرار التي خرج بها أصبحت معروفة لكثير من أجهزة مخابرات دولية في المنطقة بعد أن تم احتلال العراق عام 2003 وتوزعت عشرات الآلاف من أضابيره ومعلوماتها المهمة للغاية وأرشيفه بالأطنان بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران التي كان يهمها أن تعرف الكثير عن عمل هذا الجهاز الذي أحيط عمله لسنوات طويلة بسرية تامة حتى وإن ظهرت بعض الأسرار في سنوات سابقة فهي ليست بتلك الأهمية مادام النظام قد سقط فعلا وليس هناك من أمل بأن يعود ثانية للعمل حتى يخشى على أسراره من الكشف وأن تكون في متناول الجميع.. بل أن عرضها من وجهة نظر آخرين من ضباط الجهاز لا يشكل إساءة بالغة للجهاز السابق بقدر ما أعطاه من أهمية كبرى وقدرة فائقة على الاختراق ومواجهة مؤامرات الأعداء والخصوم بمختلف مسمياتهم.
صحيح أن سالم الجميلي خاض مغامرة غير محسوبة المخاطر لكنه استطاع أن يسبر أغوار معلومات غاية في الأهمية عن العمل المخابراتي العراقي السابق ربما ليس بمقدور ضباط آخرين أن يصلوا إلى حجم ما كشفه من أسرار ومهام وعمليات استخبارية سرية وقد وثقها الرجل في كتاب لم يشكل طعنا أو مثلبة ضد أي كان من مسؤولي النظام السابق وهو الوحيد الذي سطر كل إنجازات الجهاز المخابراتي السابق عبر كتاب بالغ الأهمية ليؤكد للجميع قوة ومكانة ذلك الجهاز الذي أرعب دول المنطقة والعالم وكان يحسب له ألف حساب.. وهو ما حاول من خلاله الجميلي أن يصل إلى هدفه العلمي والاستخباري بدل أن يبقى في طي الكتمان والنسيان وربما تحاول بعض الجهات الإساءة له ولمهامه في وقت حفظ الرجل للجهاز مكانته عن جدارة واستحقاق.. وليس من العدل ربما إطلاق أوصاف تقترب من اتهامه بالعمالة لهذه الجهة أو تلك أو أنه باع أسرار البلد.. فما مر به العراق من محن وما تعرض له من تدمير وكشف للأسرار فإن تلك الأسرار ربما لم تعد لها أهمية بعد عشرين عاما من ضياع أسرار العراق بين دول العالم صغيرها وكبيرها حتى أصبح العراق ساحة مفتوحة ومكشوفة لعمل كل أجهزة مخابرات المنطقة والعالم تمرح وتسرح في ربوعه بحرية ودون أية صعوبات أو عراقيل.

والكتاب من وجهة نظري تسجيل لإنجازات واختراقات مهمة أكثر من كونه عملية إفشاء لأسرار حدثت ضمن مرحلته ولن يكون لبكائنا على أطلالها أن يقدم شيئا لبلد غارق في المشاكل والأزمات وتتوزع الولاءات بين سياسييه وأفراد مؤسساته على مختلف الدول وبعضهم يتفاخرون بأنهم أتباع وموالون للآخر ويأتمرون بأوامره.
والمعروف عن مهام جهاز المخابرات العراقي السابق أنها مهام خارجية أكثر من اهتمامه بقضايا الأمن الداخلي عدا أمن الرئيس وقادة الدولة الكبار كما هو حال مع عمل مخابرات دول عربية مجاورة كالأردن ودول الخليج وبعض دول المنطقة التي تعد مهامها الأمنية داخلية في المقام الأول.
بل أن حتى مهام أجهزة مخابرات دول المنطقة تغيرت كثيرا بعد التطورات التقنية والإلكترونية الحديثة في ظل عمليات الذكاء الاصطناعي والمتغيرات السياسية الأخيرة للدول الإقليمية وتصل اهتمامات دول المنطقة الاستخبارية إلى الحد الذي تحولت كثير منها إلى أجهزة أمن داخلي أكثر من كونها واجهة للاستخبار والمخابرات الخارجية وقد اختلفت التهديدات والتحديات الأمنية وعن الأسبقيات في الاهتمامات عن سابقاتها ولم تعد الكثير من صيغ العمل الاستخباري قبل عقود مجدية كما هي عليه الآن وما شهدته من مهام وأنشطة عمل تختلف كليا عما كان متداول قبل سنوات.
لقد حاول سالم الجميلي إبراز محاسن عمل الجهاز ومهامه الأمنية ولم يتعرض للهنات التي حدثت أيام النظام السابق ولم ينزل إلى درجة التسفيه في أي من صفحات كتابه المليئة بالمآثر لا بالهنات أو التقليل من شأن من عملوا أو عمل معهم أو ما عرضه من وجهات نظره بشأنهم فيما يراه هو من وجهة نظره.. وقد يصيب وقد يخطأ.. فإن أخطأ فله حسنة وإن أصاب فله حسنتان..
قد يكون المؤلف قد قدم في بعض الفصول وأخر في بعضها الآخر كونها تعد تجربته الأولى ولم يسبق لكاتب عراقي من قبل أن تجرأ ليسبر أغوار المخابرات العراقية وأسرارها البالغة الأهمية بهذا الشكل من العرض المثير للانتباه وقد خاض الرجل تلك المغامرة وأظهر براعة في تقديمها للقراء بأسلوب ومعلومات وإثارة تحسب للرجل وما قدمه في هذا الكتاب الثمين والأكثر من روعة من معلومات وأسرار تشكل متعة وفائدة كبرى لمن يريد أن يطلع على خفايا وأسرار تلك المرحلة وما أداه هذا الجهاز من أدوار كانت محل تقدير من العراقيين ومن دول المنطقة والعالم على حد سواء.