سمير الفيل يتحيز للصندل الأحمر في "ديوان الصُّرم"

الكاتب المصري يهدي مجموعته القصصية إلى الجزم والصنادل واللكلوك. إلى النعال والشباشب والكعب كباية. إلى كل ما يوضع بالأقدام ويجاور التراب ويداس بقلب ميت.


فلفل يشرح لنا كل طرق البيع، كاشفا خبايا تجارة الأحذية وما فيها من طرق للنصب والاحتيال


في ديوان الصرم يستخدم سمير الفيل نوع الحذاء ولونه للتعبير عن مساحة الحرية أو للتعبير عن آفاق كلمة "الستر"

كما جاء الجنرال جورج باتون وأعطى لحذاء الماشو أهمية غير عادية  بقوله: "إنّ جنديًا يرتدي حذاءً هو مجرد جندي، ولكنه مع جزمة الماشو فهو محارب"، يجيء الآن سمير الفيل ليعيد الاعتبار لأنواع الأحذية التي ارتضت السكون تحت أقدام منتعليها مختلفي الأمزجة والألوان والطباع في مجموعته القصصية "صندل أحمر" التي تحتوي على عشر قصص تنطلق من وعن عالم تجارة الأحذية.
قبل القراءة، كان علينا تجاوز مجموعة من العتبات اللافتة وغير المألوفة. فالغلاف تتصدره صورة خفيفة الظل تعبر عن المجموعة، وتظهر رسما كاريكاتوريا لرجل يمسك مجدافا في قارب على هيئة صندل أحمر. وما إن نتجاوز غلاف الفنان "مخلوف" الموفق جدا، نجد الإهداء المتفرد والذي لا يأتي إلا على لسان سمير الفيل الذي لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد في أسلوبه:
"إلى الجزم، والصنادل، واللكلوك ..إلى النعال والشباشب والكعب كباية.. إلى كل ما يوضع بالأقدام ويجاور التراب ويداس بقلب ميت ...".
ولكن وعلى الرغم من غواية العنوان، والاهداء الأول، والإهداء الخاص الذي خصّ به الكاتب "الأولاد الحفاة منتصف خمسينيات القرن الماضي ...في حارة قبيلة وحي النفيس.."، فالمجموعة لا تتحدث أبدا عن النعال والأحذية والصنادل، بل تحكي عن البشر الذين يلبسونها ولا يشعرون أنها أجزاء من كائنات كانت يوما حية تشعر وتتألم وتتجول مثلنا.
في هذه المجموعة أو كما أطلق عليها مؤلفها "ديوان الصُـــرم" نتعرف على "فلفل" البطل المحوري الذي يعاين ألوانا من الزبائن، ومن خلالهم يتكشف لنا العالم الفوقي، أو عالم من يعتلي أعضاء ديوانية الصرم. اتخذ سمير الفيل محل بيع الأحذية كفضاء مكاني  يتواجد به وينطلق منه فلفل مساعد المعلم خليل، ومن هذا الفضاء نرى بعين فلفل أنواع البشر المترددين على المحل.
ومن اللافت أن فلفل سمير الفيل، يشبه "فانكا" في قصة أنتون تشيخوف "فانكا". فلفل في العاشرة وفانكا في التاسعة. طفلان يعملان في مجال الأحذية. "فانكا" يعمل مع "إلياخن" شديد القسوة سيء الطباع ، وفلفل يعمل لدى خليل البطاحي مزدوج المعايير.

أحذية "ديوان الصرم" بأنواعها وألوانها المختلفة جاءت لتناسب نوعية البشر ومتماشية مع مقدار الحرية التي يتمتعون بها، وتشير في نفس الوقت إلى إشكالية اختلاف المنظور عن المستور

يحكي لنا "فانكا" بقلب صبي يتيم، وبعقل طفل محروم من كل شيء، تتداعي أفكاره بحرية عن جده قسطنطين مكاريتش، عن الكلبة العجوز ‏‏"كاشتانكا" والكلب "فيون"، يحكي عن ماضيه السعيد الذي انتهى بموت أمه "بيلاجيا"، يصف حزنه وشعوره الداخلي كطفل ينتظر البهجة التي ستحل بعد أن يتسلم جده الخطاب الذي لن يصل إليه أبدا. ولكن "فلفل" في المقابل، لا يجعل نفسه مركز الحكي أو الأحداث، بل يظل يراقب الآخرين ويرصد سلوكهم، ولا نعرف ما يدور بداخله مثلا من أمنيات وطموحات، وكأن هذا العام الذي فاق به فلفل فانكا في  العمر، عبر به من بوابة الطفولة إلى مرحلة النضج العقلي ليكتفي بالتأمل والملاحظة متجاوزا الهم الذاتي الضيق. 
وفي القصة الأولى "السيم" يختفي فيها صوت فلفل كمتحدث ويظهر صوت السارد مخبرا عنه، ليقدمه على أنه يتمتع بمهارات خاصة في بيعه للأحذية وكأنه خبير في استراتيجيات الإقناع والتاثير على المتلقي. يعرض أساليب البيع التي يتوقف نجاحها على فهم طبيعة الزبون وما يدور في ذهنه والتنبؤ بسلوكه ورد فعله، ثم تحديد وسيلة الإقناع المناسبة له من بين طرق عديدة مثل "ربط الزبون، تثبيت الرطل، الهجوم على طريقة ف، المعاكسة، تدبيس العريس".
يشرح لنا فلفل كل طرق البيع، كاشفا خبايا هذه التجارة وما فيها من طرق للنصب والاحتيال، ولكن بتلاوة المقرئ لبعض سور القرآن الكريم يكون كل قرش "حلالا زلالا" كما يعتقد الحاج خليل صاحب المحل.
ومن قصة إلى أخرى يمضي بنا فلفل متجولا، لنعرف أنه وكما تتنوع الأحذية في الجودة والنوع والمقاس، يختلف البشر أيضا وبالمثل في معادنهم، وفي مظهرهم الذي يخفي أحيانا كثيرة خلاف باطنهم. فالحاج خليل الذي حج سبع مرات لا يتورع عن مواقعة نظلة امرأة العمدة في مخزن الأحذية، والأستاذ المحامي الثورجي سلم ظهره لحسناء تمتطيه، ويدور بها في حجرة الصالون وهي تقول "حا.. شي.. هس"، الشيخة جمالات تضع خادمتها الصغيرة تحت تصرف ابن الحاج، وغيرها.
وفي المقابل هناك نماذج أصيلة مثل "عم جمعة" الإسكافي الذي لم يكن إسكافيا فقط بل "..إنه منقذهم الأبدي من المذلة وكسر النفس...فقد كان عم جمعة سترا وغطاء لسكان السوق .." فهو يرتق المهترئ من الأحذية فلا يرى الناس "أصابعك وقد برزت من الشراب الذي لا بد أن يكون مثقوبا هو الآخر".  

The Egyptian short story
الستر نوع من الإخفاء

تحدث سمير الفيل عن "فعل الستر" في بداية قصة "عم جمعة" حاجبا ما يعرفه من أسرار البيوت الليلية لأن "فضح العبد مكروه". ثم تناول "الستر" مرة أخرى كدور رئيسي تقوم به الأحذية مع الأقدام المندسة فيها، تخفيها بصورة كاملة تارة، وتكشف منها أجزاءً متفاوتة في الحجم تارة أخرى. والستر هو نوع من الإخفاء، ولكن هل يأتي "الستر" أو الإخفاء عن احترام وتقدير لمكانة الشيء المخفي المستور؟ أم إنه وسيلة إضافية لمحاصرة ومصادرة حرية المستور وايداعه سجنا محكما؟
في ديوان الصرم هذا يستخدم سمير الفيل نوع الحذاء ولونه للتعبير عن مساحة الحرية أو للتعبير عن آفاق كلمة "الستر" في معتقد المشترين لأنواع الأحذية. ففي حالة الأسطى داحس يجيء "الستر" كمرادف للسجن فهو يطلب لزوجته الصغيرة "حذاء حريمي 39 أسود مقفول" فاللون كله تحفظ، وفي لون العتمة أسود، ومقفول لإحكام القيد على قدم الفتاة الصغيرة التي تزوجها مثلما أحكم قيده على حياتها.
وفي المقابل نجد الفتيات المنطلقات يخترن "حذاء برتقالي بفيونكة" أو "صندل أحمر"، وجاء نموذج الصندل مع فتيات المدارس اللواتي يستمتعن بمساحة أكبر من الحرية، فالصندل يكشف من القدم أكثر مما يخفي وهذا رمز للحرية والانطلاق، ويجيء اللون الأحمر متفردا لافتا زاعقا في وجه كل القيود، ولذلك تخيره الكاتب ليحمل اسم المجموعة. وتخير مسعود حذاءً من "جلد لميع لا يطلبه غير الموسرين" ليستر إعاقته، ويصرف الأنظار عن مراقبة عكازه، وتنشغل ببريق الحذاء اللميع، أراد اعجابا يستر به حقيقة فقدانه لساقه اليمنى في حرب بورسعيد.
وهكذا جاءت أحذية "ديوان الصرم" بأنواعها وألوانها المختلفة لتناسب نوعية البشر ومتماشية مع مقدار الحرية التي يتمتعون بها، وتشير في نفس الوقت إلى إشكالية اختلاف المنظور عن المستور.