"شاي باللبن في الزمالك" تكشف صراع العسكر والإخوان

فتحي سليمان يبدأ روايته بتجمع محتجين أمام وزارة الثقافة، فينقلنا إلى أجواء ثورة يناير، ليصور لنا الشوارع وقد امتلأت بالخوف والأمل. 


شخصية جزيرة الزمالك تتجلى كما رسمها الكاتب بمحبة فياضة


لم يكن  للرواية من حدث مركزي تتطور منه أحداث متلاحقة

صديقي الروائي الجميل فتحي سليمان، ورواية تتكون من 93 صفحة، موزعة على 44 جزءا؛ قرأتها بعد انتهائي من رواية "لم يصل عليهم أحد" للسوري خالد حليفة، التي قاربت صفحاتها على الـ 500 صفحة. وقبلها بفترة قرأت للصديق أحمد رجب شلتوت "حالة شجن" مائة صفحة، مصنفة على غلافها بالرواية القصيرة. أعمال روائية أخرى يصنفها كتابها بـ"النوفيلا". الروائي المصري أحمد عبده صنف إحدى أعماله بالمتولية الروائية. ما تثير لدي بعض التساؤلات حول تلك التصنيفات. فهل يصح أن نطلق على أي رواية بالرواية دون أي إضافة إلا إذا كانت كبيرة الحجم؟ أم أن هناك قواعد متفق عليها نستطيع أن نسمي هذه بنوفيلا وتلك بالرواية، وأخرى رواية قصيرة، وتلك بالقصة الطويلة؟
القصة القصيرة تشغل محورا واحدا وعادة ما تعالج موضوعا محددا، دون تشعبات أو ثيمات. وقد أتفق على أنها تتكون من عدة صفحات. أيضا تمتاز عن الرواية بقلة الشخصيات. إضافة إلى أن القصة القصيرة تنطلق كالسهم من وتر القوس في خط مستقيم لا يحتمل الالتواءات كما هي تشعبات وتفاصيل الرواية.
تلك بعض تساؤلاتي أطرحها على القارئ الكريم، ولا أزيد. حيث وأن حديثي في أسطري القليلة هذه مخصصة للحديث حول "شاي باللبن في الزمالك"، بداية بعنوانها – الجملة - الذي يبدو بأنه عنوان عادي، مثله مثل "الحب في زمن الكوليرا"، أو "مائة عام من العزلة" لماركيز. والعديد من الروايات التي يفضل كتابها العناوين المكونة من جملة. قد لا تبدو تلك العناوين بغموض مطلوب لجذب قارئ محتمل. إلا أن بعضها قد اكتسبت شهرتها لنيلها بعض الجوائز كما هي أعمال ماركيز ونوبل. وما يتبعها من ضجيج إعلامي. ثم يكتشف القارئ بأنها رائعة في مضامينها الإنسانية وفنونها السردية، إلى عوالمها التي تضيف الكثير للمتلقي. وكل ذلك أعطى لتلك العناوين رنينا خاصاً كرنين على مسامعنا، وإلا فهي عناوين تقليدية. فهل شاي باللبن تحظى باكتشاف القارئ دون ضجيج الجوائز!

الروائي له أعمال أخرى يلوّن بها أحلاما وآمالا إنسانية، بروح من يمتلك أدواته الفنية ويقتنص أفكاره السردية، ليصيغها بأسلوب خاص به، تاركا أثرا في وجدان المتلقي لا يُنسى

عتبة العنوان، تترجمها عتبة أخرى تمثلت في لوحة الغلاف. تمثالان من الرخام لرجل باللون الداكن. وفتاة بلون فاتح في وضع حميمي جميل. ثم يأتي الإهداء وهو العتبة الثالثة "إهداء.. إلى روح البطل المصري الأمين عبدالله.. لعلك لا تتذكره! وربما لا تعرفه! لكنه - وهو بين الحياة والموت - حلم بك وهو مفعم بالثقة أنك في يوم من الأيام، ربما اليوم، وليكن الآن. لن تتأخر في الترحم على روحه الطاهرة. عندما تعلم من هو الأمين عبدالله". فهل الإهداء هذا يزيد الإضاءة أم مزيد من التقليدية؟ فكثير من الكتاب يهدون أعمالهم لأبطال الوطن، للزوجة، للأب أو الأم، أو لمعلم، أو جميعهما... الخ ذلك. ونادرا يهدي الكاتب عمله لشجرة، أو فراشة أو غيمة.
"شاي باللبن في الزمالك" قسمت صفحاتها إلى أربعة وأربعين جزءا أي بمعدل صفحتين لكل جزء. ولذلك ستكون قراءتي مناجاة لتقسيم الرواية.
1-     أعتمد الكاتب بداية روايته بحدث مهم. تجمع محتجين أمام وزارة الثقافة، أي أنه نقلنا إلى أجواء ثورة يناير، ليصور لنا تلك الشوارع وقد امتلأت بالخوف والأمل. الأحياء على أرض جزيرة الزمالك، كوبري 26 يوليو. ثم ينقلنا إلى عهد الملكية وأحفاد محمد علي وهيمنة الإقطاع والباشوات... ثم يعود إلى أحداث  ثورة العسكر 52. 
2-     تظهر الثنائية جلية؛ من خلال الزمالك الممثلة ببذخها، تقابلها أحياء بولاق وروض الفرج بفقرها وعشوائيتها. ثنائية أخرى ثورة الشباب مقابل حكم العسكر. ثنائية ثالثة سلالم الخدم الخلفية بضيقها، يقابلها السلالم الرخامية في الوجهت الأمامية لنفس المبنى. وهكذا نجد الكاتب يبني كتل حكاياته معتمدا على الثنائيات المتناقضة لتظهر للقارئ تلك المفارقات الصارخة.
3-     يذهب الراوي من الحاضر إلى الماضي كبندول الساعة. من اللحظة المعاشة إلى الطفولة والصبى في أزمنة مختلفة. ليس على مستوى الشخصيات بل على مستوى وطن. في تكثيف غير مخل، واصفا أهم أحداث مصر، وشخصياتها وأحوالها، في سياق معرفي يضيف للمتلقي الكثير.  
4-     صالح إدريس فلاته. في بضعة أسطر يقدم لنا الكاتب شخصية من أقاصي الجنوب، ما بعد أسوان، مظهرا عظمة مصر بامتداد جذورها الأفريقية. وعمقها الإنساني حتى هضاب وبحيرات فكتوريا والهضبة الأثيوبية، ما بعد جنوب السودان، كوادي واحد بحضاراته وتكوينه البشري الثري. مصر قلب نابض بمزيج بشري أفريقي أسيوي أوروبي عبر التاريخ.
5-      الأمين عبدالله المهدى إليه الرواية يأتي ذكره بعد أن قلّده الملك فاروق وسام البطولة لإحباطه محاولة اغتيال وزير المستعمرات البريطاني من قبل صهاينة في عام 1944.  على كوبري يربط بين الزمالك وبولاق. 
6-    إلى 12- تتجلى شخصية جزيرة الزمالك، كما رسمها الكاتب بمحبة فياضة. أهم تحولاتها وأثر تلك التحولات على مصر من الحرب العالمية الثانية ورحيل الأوروبيين عنها، إلى من حل في مساكنها الفاخرة، تأثير صراع فاروق والعسكر.. حتى نجاح ثورة العسكر 52 لتظل الزمالك بشخصيتها المؤثرة بين مكونات القاهرة، وكأن الكاتب أراد أن يرسم شخصية روايته  بالمكان "الزمالك". لها روح وثابة. تقبلت وهضمت التغيرات، موحيا بتأثيرها في التحولات المتتالية التي حدثت للقاهرة من العهد الملكي إلى عهد العسكر، ثم ذلك التوسع الهائل لمدن شبه مستقلة في أطراف العاصمة إلى ظهور الكامباوندات. أو مدن السور التي شخصتها هالة البدري في روية مدن السور، ككيانات تتصل بمثيلاتها في عواصم مختلفة تضم مجتمع لا ينتمي إلى مجتمع الدولة إلا بقدر تشابك المصالح، إلا أن ارتباطاته الخارجية أقوى.
13-19- تتواتر الثنائية في رواية شاي باللبن، فبعد انقطاع ذكر إحدى شخصيات الرواية "قدرية" تظهر من جديد كثنائي للراوي أحمد صالح حين يذكرها في سياقات حكائية مختلفة. مثال أن يعود إلى ذكريات الطفولة المشتركة مع قدرية سنوات الدراسة، المرحلة الجامعية، قبلات مختلسة تحت ظلال الكباري وحول مياه النيل، ليشكلا ثنائيا وجدانيا.
الثنائي الآخر. العسكر مقابل الإخوان، والصراع المستمر بينهما "الإخوان صنيعة الإنجليز.. وهذا المدرس المغربي الاصل كان يتقاضى مبلغا شهريا نظير وأده أي بذرة  تعاطف مع الألمان بين صفوف المصريين" والذي كانت علاقتهم بمحمد نجيب علاقة ملتبسة، ثم مع ناصر بكسر العظم "يخفون في أحد منازل عائلة "كروم" عدد 156 بندقية سرقوها من عتاد 1948 بنادق سليمة وصناديق ذخيرة. وفي 1956 وجنود المظلات الفرنسيين والإنجليز يهبطون فوق مدينة بور سعيد أنتظر إبراهيم كروم كثيرا هور أي من أفراد الجماعة يطلب السلاح المخزون. المقاومة الشعبية تبحث عن قطعة سلاح..."  
لم يكن  للرواية من حدث مركزي، تتطور منه أحداث متلاحقة.. ولا صراع درامي يدور حول شخصية مهيمنة، عدا المكان المتمثل في الزمالك الذي ظل يمثل حجر الرحى. وإن كان هناك عدة شخصيات إلا أنها كانت تتماهى في بعضها البعض، منها ما يظهر ليختفي. ومنها ما ظل حتى نهاية الرواية كالراوي وقدرية.  

novel
الرواية مؤثثة بالمكان

الأحدث  المفصلية يأتي ذكرها هنا وهناك، لتظل الزمالك شخصية الرواية وكأنها  تمثل  بتحولاتها مصر عبر عدة عهود.
20-  43 - حكايات من الماضي وأخرى من الحاضر. تحكي تلك العلاقة بين ابن البواب "الراوي" وقدرية سليلة عائلة باشوية. إلى أن فتح عهد ناصر باشتراكيته الأبواب أمام الجميع للتعليم والمساواة، لتنموا تلك العلاقة بين الرواية وقدرية، رغم وجود الصراع الطبقي تحت الرماد، ليعود بقبحه في عهد السادات. في الوقت الذي نستطيع أن نرى مصر من خلال تلك العلاقة بين ابن البواب وحبيبته قدرية، اللذين عاشا تلك الأحداث المفصلية حتى ثورة يناير. 
 -44صوت الكاتب بدا جليا منتقدا أوضاعا، ومنتصرا لأخرى، منحازا لمبادئ وإنجازات ناصر الاشتراكية، ونقده للسادات وانفتاحه، وكرهه للإخوان.
عمل سردي يغطي قرنا من عمر مصر. بأسلوب فني يشابه ضربات فرشاة رسام متمكن، يصل بالمتلقي إلى قناعة أن ثورة يناير، ثورة على ظلم تراكم منذ عقود طويلة. ثورة ضد طبقية العصر الملكي. وهيمنة العسكري المستمر لأكثر من نصف قرن وكهنوت المتأسلمين. ضد طبقية ما سمي بسياسة الانفتاح في عهد السادات وحسني؛ تلك السياسية التي عملت على تصفية القطاع العام وخصخصته لصالح طبقة ابتلعت مقدرات الشعب وإمكانيات وطن بأكمله. شبكة من الأنساب والأقارب والمحسوبين. من يدورون في فلك فساد السلطة، لتتحول قيم ومبادئ ناصر إلى مذمة وإتهام، ضد وكلاء الله على الشعوب، طواغيت كل عصر.
الرواية مؤثثة بالمكان، بداية بالزمالك وشوارعها وميادينها وحدائقها ومعالمها مرورا بالكباري التي تربط الجزيرة بمحيطها إلى أحياء القاهرة: روض الفجر، بولاق، التحرير، باب اللوق، وأحياء وشوارع كثيرة.
للكاتب أسلوبه الخاص في توليف وحشد تلك المعالم، وتلك الشخصيات التاريخية، والأحداث المفصلية التي كونت نتاج ما تعيشه مصر اليوم. ذلك الأسلوب الذي يشكل حكايات شبيهة بالمتوالية؛ حكايات متناثرة مثلت في مجملها لوحة تحمل الكثير من المعرفة، جغرافيا وتاريخيا وفكريا وسياسيا. 
الروائي له أعمال أخرى يلوّن بها أحلاما وآمالا إنسانية، بروح من يمتلك أدواته الفنية ويقتنص أفكاره السردية، ليصيغها بأسلوب خاص به، تاركا أثرا في وجدان المتلقي لا يُنسى.