شبلول يستقصي الحقل الدلالي الخاص بالدهر

معاجم المعاني ونظرية الحقول الدلالية أتاحت إعادة تصنيف المادة اللغوية داخل الحقل الدلالي الواحد.


الاشتمال داخل الحقل المعجمي الواحد


المعجم الدهر اتسع ليشمل أكثر من مائتي مادة معجمية

يسعى كل شاعر إلى تأسيس رؤية خاصة تمثل موقفه من واقعه المعيش، ويؤمل أن تحقق له هذه الرؤية نوعا من سلامة التعامل مع واقعه الخارجي (الاجتماعي) ووواقعه الداخلي (النفسي). ويشكل الشاعر عبر هذه الرحلة معجما لغويا خاصا به يديره في كلامه، وإن كان واسع العلم غزير المعاني والألفاظ، وهي نظرية مبكرة - المعجم الخاص - قال بها الجاحظ في الحيوان، وتصلح لكل كاتب. 
وليس هناك ما يمنع مع تشابه التجارب في بيئات متشابهة أن يكون هناك معجم لغوي خاص بطائفة من الشعراء، على نحو ما يمكن أن نمثل بطائفة الشعراء العذريين،  أو أن تدور طائفة خاصة من الكلمات تمثل صورة التقاليد الأدبية لظاهرة مثل ظاهرة الكرم عند العرب. وقد يتسع دوران بعض المواد اللغوية لتشمل عصرا بأكمله أو عصورا بأكملها، وهي وإن كانت متنوعة يمكن أن ترتد إلى أصل واحد. 
وقد وعى اللغويون العرب ذلك فنهضوا إلى تأليف ما يعرف بمعجم المعاني، وأشهرها في العربية "المخصص" لابن سيده و"فقه اللغة" للثعالبي. ومع تطور الدرس اللغوي ازدهرت نظرية الحقول الدلالية التي تعنى بالحديث عن حقل دلالي محدد؛ فالألوان يمكن أن تشكل حقلا دلاليا خاصا، والحرب يمكن أن تشكل حقلا دلاليا خاصا بها، وهكذا. 
وقد أتاحت معاجم المعاني ونظرية الحقول الدلالية إعادة تصنيف المادة اللغوية داخل الحقل الدلالي الواحد؛ بمعنى أن حالات التبعثر التي يمكن أن نجدها في أوصاف تتعلق بالفرس أو الناقة يمكن أن ترد إلى نوع من الاتساق حين تدرج جميعا تحت صنف حيوان، وهو ما يعرف بالاشتمال داخل الحقل المعجمي الواحد. وأما العلاقات التي تتسم بالاتباعية مثل الحافر مع الفرس، فيمكن أن ترد إلى نوع من الاستقلالية حين تعقد لها علاقة خاصة في المعجم تسمى علاقة الجزء بالكل. وما يقال عن الاشتمال وعلاقة الجزء بالكل يمكن أن يقال عن الترادف أو التضاد. 

لغة الأدب – في سياق "معجم الدهر" – اكتسبت جانبا من الثبات، وهذا الثبات هو ما يمثل المعجم المشترك للشعراء

وقد ازدهرت المعاجم اللغوية الخاصة في المكتبة العربية على نحو ما يمكن أن نشير إلى "معجم الألوان" الذي كتبه الدكتور عبدالحميدإبراهيم، ومعجم الدهر للشاعر أحمد فضل شبلول. وإن كنا سنقصر القول على المعجم الأخير، وهو معجم ظهرت طبعته الأولى عن دار المعراج الدولية للنشر بالرياض 1996، وأهمية إثبات تاريخ النشر هنا أن نتبين أنه ظهر قبل ازدهار عصر البحث الإلكتروني على أسطوانات CD ، وكل أسطوانة يمكن أن تحمل مادة مفهرسة مثل كتب التفاسير أو الحديث النبوي ثم ما عرف بالموسوعات الشعرية.  
حاول أحمد فضل شبلول أن يستقصي الحقل الدلالي الخاص بالدهر، واتسع المعجم ليشمل أكثر من مائتي مادة معجمية، وإن كان أغلبها يدور حول المادة الأدبية إلا أنها أيضا اشتملت على مصطلحات فلسفية وعلمية اتصلت بالدهر متتبعا تطورها الدلالي على نحو ما كتب عن "الدهرية"، فهي عند الإمام الغزالي في "المنقذ من الضلال" طائفة "جحدوا الصانع المدبر العالم المقدر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، وكذلك كان، وكذلك يكون أبدا" (ص37) ثم ينتقل إلى تطورها الدلالي في العصر الحديث عند الأفغاني ومحمد عبده فيتحدث عن "الدهرية" بوصفها لفظا دالا على المذاهب المادية التي هي فلسفة ضالة. 
أمّا الأغلب الأعم من المعجم فيتصل اتصالا مباشرا بلغة الأدب "ولغة الأدب – في طبيعتها ليست لغة المفردات، بل هي لغة مركبة ذات مستويات دلالية تبدو في الجانب الحسي منها، ويمثل هذا الجانب أوسع أبواب الاختيار أمام الشاعر أو الكاتب إنه الجانب المجازي" (اللغة الأدبية والتعبير الاصطلاحي، أحمد يوسف علي ص35). 
وقد اكتسبت لغة الأدب – في سياق "معجم الدهر" – جانبا من الثبات، وهذا الثبات هو ما يمثل المعجم المشترك للشعراء؛ لذلك تجد في "معجم الدهر" مادة مثل (كلك) لا يعنى الكاتب بانتقالها من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، ولكنه يعنى مباشرة بالمعنى المتصل بلغة الأدب (ص77)؛ فيشير الكاتب إلى المادة في أساس البلاغة - وهو معجم أدبي - ثم إلى بيت شعر منسوب إلى أعرابية ترثي ابنها: 
ألقى عليه الدهر كلكله ** من ذا يقوم بكلكل الدهر 
ويمكن لقارئ الشعر القديم أن يجد عشرات الأمثلة المماثلة نحو قول ابن الرومي: 
أما ترى الدهر قد ألقى كلاكله ** على فتى بينكم ملق كلاكله 
وقد يتجه الشاعر إلى الحديث عن المعنى الحقيقي والمعنى المجازي إذا تحقق فيهما الوضوح أو التماثل  على نحو مادة (خنا)  (ص28)، أخنى عليه الدهر: مال عليه وأهلكه. وفي الأساس: بلغ منهم بشدائده وأهلكهم، وقال النابغة: (أخنى عليها الذي أخنى على لبد). 
أما مادة (دهر) فقد حاول فيها الكاتب أن يتتبعها في القرآن والسنة النبوية، وفي أمثلة وفيرة من الشعر العربي؛ ليميز ضمنا بين الدهر والزمان (ص31-35). 
ويمكن أن نقول إجمالا إن صورة الدهر في الشعر القديم هي صورة الدهر المتجبر (غول ختور يلتهم الرجالا)، وهو الدهر الأبي الضارب بأخدعيه، ومع ذلك فإنّ عددا من الشعراء الكبار حاولوا تكوين صورة خاصة بالدهر تتجاور مع هذه الصورة المشتركة؛ لذلك تجد الدهر عند أبي تمام ترق حواشيه ويستأنس به وتصح مودته.