شفيع شلبي .. رحيل هادئ لمثقف ثائر

شفيع شلبي لم يكن يفضل استخدام لقب "إعلامي" رغم أنه إعلامي حتى لا يكون شريكاً فيما يسمى بالبروباجاندا السياسية.


شلبي أجرى عددًا من الحوارات المثيرة للجدل عبر مشواره المهني


شفيع أسس المركز العربي للإنتاج الوثائقي، وأنتج  أفلاما عديدة منها موسوعة "أعلام معاصرون"

منذ أيام، وتحديداً الأربعاء الموافق 13 يناير/كانون الثاني 2021 رحل عن عالمنا الإعلامي المصري الفنان شفيع شلبي عن عمر يناهز 74 عاماً، وقد وُلد  شفيع شلبي عام 1947، وتخرّج في كلية الزراعة عام 1967، وعمل في الإخراج والكتابة والإنتاج السينمائي والتليفزيوني؛ لتُحلّق روحه حرة طليقة في عالم من الإبداع والأفكار، روح متمردة على القيود والنمطية، وعقل متفتح على كل جديد، يؤمن بالإعلام الحر لا يكف عن البحث والإبداع، والبعد عن نمطية الشكل والأسلوب، فلم يكن تقليديًا، كان يذهب إلى التليفزيون بدراجة مرتدياً ملابس عادية، شعر «منكوش» و «صندل» كان مظهره مغايرًا عن مذيعي التليفزيون الذين حرصوا على تقديم النشرات ببذلات كاملة ورابطة عنق، ونبرة إذاعية رسمية.
 الدلالة والمعنى في مصطلحات شفيع شلبي
 شاهدت لقاءه على قناة BBC حين سألته المذيعة لماذا لا تفضل استخدام مصطلح إعلامي رغم أنك إعلامي؟! قال: حتى لا أكون شريكاً فيما يسمى بالبروباجاندا السياسية؛ الإعلام كلمة مضللة ضالة يستخدمها إما ضال أو مضلل، ويضيف شفيع: أؤمن بالميديا فهي تعني اصطلاحاً ولغة وترجمة الوسيط فهي كالأداة، تحتمل كل فكر وعلم وإبداع وفن. وحول رؤيته عن السينما الشاملة (الخالصة) يقول: المصطلح تم التوافق عليه عالمياً، وهو أن يصنع الفنان فيلمه منفرداً دون تدخل أي طرف حتى يكون هو  المتحكم في رؤيته الخاصة.
شفيع شلبي نموذجًا مغايرًا
من المشاريع التي عمل عليها في سبعينيات القرن الماضي تقديمه نشرة أخبار التاسعة، وبرنامجه الشهير "الشارع المصري" عام 1979. وقفَ شفيع شلبي أمام الكاميرا في شارع المعز بالقاهرة ، وفي الخلفية مياه «المجاري» والباعة والازدحام، ليتحدّث عن تاريخ وعظمة الشارع ضمن برنامج «الشارع المصري»، وانتقده الكثيرون آنذاك، فكيف لمذيع أن يقف وسط كل هذا التلوث الأمر الذي فسّره شفيع أنه تعمد الوقوف في ذلك المشهد العبثي كي يدق ناقوس الخطر بشأن الدمار الذي أصاب القاهرة الفاطمية والمباني التاريخية،  وعلى الرغم من الجدل الذي أثاره أسلوبه وقتها فإنه حقق نجاحًا كبيرًا بين الجماهير بتلقائيته، وبأسلوب كان  يفتقده التليفزيون في ذلك الوقت، وساعده على ذلك أنه عمل دون أن يتقاضى أجراً؛ لأنه يرى نفسه مهنيًا، والمهني - حسب رأيه - لا يجب أن يتقاضى أجرًا أو يعمل لحساب شخص أو جهة.

حوارات مثيرة للجدل
أجرى شلبي عددًا من الحوارات المثيرة للجدل عبر مشواره المهني، ومنها حواره مع الكاتب يوسف السباعي وزير إعلام وثقافة مصر آنذاك، الحوار الذي أجراه عام 1971، وكانت مدته 15 دقيقة فقط في برنامج "السهرة الكبرى" وكان عمره 24 عاماً وقتها. اللقاء كان عبارة عن ثلاثة أسئلة! لكنها أثارت غضب السباعي بشدة، فكانت الحلقة الأولى والأخيرة! ولم يكن هذا البرنامج الوحيد الذي تم وقفه لشفيع بل تم وقف برنامج "فلاش" الذي كان  ينتقد فيه التليفزيون المصري الذي يعمل فيه.
دعوة شفيع لاكتتاب شعبي لإنشاء الإذاعات الأهلية
كانت أحد أحلام شلبي؛ امتلاك الناس لإذاعات وقنوات خاصة (عبر اكتتاب شعبي) لتعبر عنهم؛ فأول إذاعة منتظمة في العالم كانت في بريطانيا عام 1920، وكانت في مصر بعدها عام 1923، ثم توالت الإذاعات حتى بلغت 28 إذاعة أهلية، وكان دافعه لذلك أن الأصل في الإذاعات أنها كانت أهلية، إلا أنه في عام 1934  قام الاستعمار البريطاني بمصادرة هذا الحق واحتكر امتياز إذاعة ماركوني حتى أن أجهزة الراديو وقتها كانت تسمى ماركوني، وذلك لأن  المستعمر أدرك خطورة وأهمية الإذاعة، وأن المصريين سيستمعون لكبار المفكرين والعلماء ما سيسهم في القضاء على أميتهم وزيادة وعيهم، وهذا ضد مصالحه، وهو الأمر الذي سار عليه الحكام بعد ذلك حيث احتكروا الإعلام الرسمي لصالحهم للسيطرة على الشعوب.
وقف شفيع شلبي ومنعه من الظهور
رغم أنه كان مذيعاً لامعاً في التليفزيون المصري خلال السبعينيات والثمانينيات فأنه  تم وقفه؛ بسبب تمرده الدائم، وظلت قضية وقفه تشغل الصحف لسنوات كان خلالها يشغل فراغه بالنشاط في مجالات مختلفة ثقافية وفنية، وكانت أهم القضايا والأفكار التي تشغل شفيع شلبي، هي الدعوة لتحرير الإعلام، وحرية إنشاء الإذاعات والقنوات الخاصة، وذلك عبر الدعوة لتأسيس نقابة للإعلاميين، ولم  يكف عن المحاولات لتنفيذ أفكاره، فكانت أفكاره سابقة لأوانها إذ أن الإعلام هو آخر ما  تتخلى عنه السلطات، يمكن أن ترفع يدها عن كل شيء قبل أن تفكر في التحرر الكامل للإعلام. 

وحول أسباب اختفائه عن شاشة التلفزيون  بعد  سنوات من  النجاح، فقد تم منعه من الظهور على الشاشة بقرار جمهوري عام 1981 ضمن قرارات سبتمبر التي أصدرها السادات، والتي طالت عددًا من المفكرين والرموز الدينية آنذاك، وفي العام نفسه من وقفه أسس شفيع المركز العربي للإنتاج الوثائقي، وأنتج  أفلاما عديدة منها موسوعة "أعلام معاصرون" وسلسلة "رائدات من القرن العشرين"، فاهتم بالتاريخ لإدراكه أننا لنفكر في المستقبل لا بد أن نعي الماضي جيدًا، فمن لا يعرف التاريخ ويحفظ ذاكرة أمته يهدر عقل الإنسانية، فالأشخاص يرحلون وتبقى صنائعهم.
التلازم الخاص والعام واعتقالات سبتمبر
كان شفيع من مواليد 1947 أي قبل نكبة 1948 بعام، تخرج في 5 يونيو 1967 وتم التأجيل بسبب عدوان 67، وتم وقفه من التلفزيون المصري مع قرارات أو اعتقالات سبتمبر التي بدأت 3 سبتمبر/أيلول 1981 (هي مجموعة اعتقالات قام بها آنذاك  السادات؛ من أجل قمع المعارضين لاتفاقية كامب ديفيد، فتم اعتقال عدد كبير من رموز المعارضة، والكتاب والصحفيين ورجال الدين، وإلغاء إصدار الصحف المعارضة، وهكذا كان شفيع دائم الربط بين الخاص والعام ومدرك أن الأحداث العامة تؤثر على الحالة الخاصة .
رحم الله شفيع شلبي. كان يتكلم ببساطة كصديق للمشاهد، ويفكر ويخطط ولا ينكر أحد دوره في خدمة المجتمع والثقافة والسينما من خلال الأفلام المهمة التي كان يسجلها ويعرضها على نفقته الخاصة، ومنه نتعلم أن من واجبنا طرح الأفكار والأحلام إلى أن تتوافر الظروف لتحويل الفكرة إلى واقع، والحلم إلى حقيقة.