عز الدين نجيب يستعيد سير مبدعين أدركهم النسيان

الكتاب وثيقة فنية ونقدية عن التضحيات اللامحدودة لكثير من فنانينا عبر الأجيال المتلاحقة.


عزالدين نجيب يفسر اللوحة في ضوء أحداث حياة مبدعها، موضحا كيفية تعبير اللوحة نفسها عن تلك الحياة


440 صفحة مزودة بصور لأعمال فنية أبدعها الشهداء ومنشدو الحجر

القاص والتشكيلي عز الدين نجيب فنان شديد التفاعل مع أحداث مجتمعه، ويشكل الإنسان محورا لرؤيته التي يعبر عينها فيما يكتب سواء كان سردا أو نقدا، فكتبه جميعا تشترك في البحث عن الإنسان، ومنها كتاباه “فنانون شهداء” و“أنشودة الحجر”، وقد أعادت الهيئة المصرية للكتاب طبعهما مؤخرا في مجلد واحد، جمعهما معا في 440 صفحة مزودة بصور لأعمال فنية أبدعها الشهداء ومنشدو الحجر.
يبدأ الكاتب والفنان التشكيلي عزالدين نجيب كتابه ”فنانون وشهداء”، بالتساؤل عن مصير مبدعين مصريين أدرك النسيان أسماءهم لكنه لم يطو صفحة إبداعاتهم الباقية، يقول: “هل يعرف أحد اسم المهندس الذي صمم الهرم الأكبر؟ وهل يعرف أحد اسم الفنان الذي نحت تماثيل رمسيس الثاني على واجهة معبد أبي سمبل، أو اسم المخترع العبقري لنظام سقوط أشعة الشمس على رأس الملك مرتين كل عام محسوبتين بالدقيقة والثانية: في يوم مولده ويوم جلوسه على العرش؟”.
ثم ينطلق من التساؤلات عن أسماء الأسلاف إلى استحضار لسير وأعمال عشرات الرسامين من الأحفاد، وهو يتبع في كتابه سيرهم طريقا صعبا، فلم يحشد تفاصيل ووقائع من حياة كل منهم، بل يقف متأملا لنقاط التماس بين حياة الفنان وأعماله، ويفسر اللوحة في ضوء أحداث حياة مبدعها، موضحا كيفية تعبير اللوحة نفسها عن تلك الحياة.
ويذكر عز الدين نجيب أن غرضه يتجاوز التأريخ لعدد من الفنانين التشكيليين، إلى هدف آخر هو أن يكون الكتاب وثيقة فنية ونقدية عن التضحيات اللامحدودة لكثير من فنانينا عبر الأجيال المتلاحقة، والقدرة الهائلة التي امتلكوها لمواجهة أقسى الظروف والتحديات، لإيمانهم برسالتهم كفنانين، وقد ضربوا أروع الأمثلة في الصمود والاخلاص لفنهم، وكانت إبداعاتهم الفنية تعبيراً عن هوية الوطن وضمير الشعب وجذور الحضارة، كما حققوا المعادلة الصعبة للأصالة والمعاصرة، بانفتاحهم علي الحداثة بغير ذوبان فيها أو تقليد أعمي لها.

السجيني يبحث عن الموروث الشعبي التشكيلي كما في “عروسة المولد” ويهتم بالحرف التقليدية فعبرت أعماله المطروقة على النحاس، عن قيم امتداد الإرث الحضاري

فرسان عصر الجماعات
جعل الكاتب من سيرة الفنان أحمد صبري  فاتحة للشهداء، فهو أول مصري يقوم بالتدريس في مدرسة الفنون الجميلة العليا بعد أن كان التعليم بها حكرا على الأجانب، لكنه كسر هذا الاحتكار عقب عودته من بعثته الفنية إلى فرنسا عام 1929، وظل يمارس التدريس بها ويواصل إبداعه الفني حتى فقد نور عينيه في عام 1949، ويرى نجيب أن حب صبري لدور المعلم لم يكن فيضا يفيض به على أبنائه الطلبة فحسب، بل كان موهبة خاصة تساوي موهبته في الرسم والتصوير. وكان من بين تلامذته حسين بيكار وصلاح طاهر، وقد عاش أحمد صبري حياة غاية في البؤس إذ عاني مرارة اليتم وهو ابن عامين، ثم عاني المرض والعوز بعدما فقد بصره فعجز عن الرسم، وعجز بالتالي عن الإنفاق على أسرته، وظل هكذا حتى توفي في مارس/آذار 1955.
بعده تحدث عن “فرسان عصر الجماعات” متناولا الجماعات الفنية باعتبارها استجابة لظواهر فنية واجتماعية في فترة الأربعينيات من القرن العشرين، فقد كانت هذه الفترة بمثابة البوتقة التي صهرت المثقفين والمبدعين بالطبقات الشعبية في المجتمع المصري، ولذا شهدت الأربعينيات تكوين الفنانين لجماعات تربط بينهم رغم اختلاف منطلقاتهم الفنية والفكرية، فقد التقوا جميعا حول ضرورة التغيير، وهكذا تلاشت الحدود بين الجمالي والسياسي في خطاب وإبداع هذه الجماعات، ومنها “الفن والحرية” التي ضمت رمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمساني، و“الفن المعاصر” ومن فنانيها عبدالهادي الجزار وحامد ندا، و“الفن الحديث” ومنها جمال السجيني وحامد عويس.
وجاءت إبداعات “فرسان عصر الجماعات” مطابقة لأحلامهم في العدل والحرية، فحدث أن تعرضوا للملاحقة والحصار، وكان مصيرهم النفي أو الاعتقال، لكن الجماعات رغم تعددها لم تتسع للجميع، فيخصص الكاتب فصلا تاليا لمن أسماهم “خوارج الجماعات والمؤسسة الرسمية” ممن رفضوا الانضواء تحت لواء الجماعات الفنية أو الثورية كما تمردوا في ذات الوقت على النظام الاجتماعي، ومن هؤلاء الأخوان سيف وأدهم وانلي، والفنان  حامد عبدالله، ومهما اختلفت تفاصيل حيوات الفنانين إلا أن الألم والمعاناة وحّدا بينهم، وكأن لا إبداع دون ألم.
الفنانات كذلك لم تختلف حيواتهن، وقد رصدهن الكتاب باعتبارهن “فنانات في صقيع الوحدة”، فعانين قسوة الوحدة ومرارة النسيان، وإن زادت عليهن إنجي أفلاطون بتعرضها لقهر السجن.
وهكذا لاقى الجميع نفس المصير وتعرضت أسماؤهم للنسيان، سواء من كانوا نجوما في عصرهم كالأخوين وانلي وعبدالهادي الجزار أو من عاشوا وماتوا مغمورين رغم القيمة العالية لفنهم كمحمود عفيفى.
أنشـودة الحجـر
وعلى نفس المنوال يصوغ الكاتب فصول كتابه “أنشودة الحجر” الذي ضم سبعة سير لنماذج من النحاتين المعاصرين يمثلون أجيالا مختلفة، ويعد كل منهم تعبيرا عن مرحلة أو حركة، وإن جمع بينهم انشغالهم بقضايا المجتمع والإنسان. ومن هؤلاء جمال السجيني الذي ألقى في لحظة يأس بمجموعة كبيرة من تماثيله في النيل، ويرى  عزالدين نجيب أن أعماله تعبر عن هاجسين رئيسيين هما الحرية، والتجذر في الأرض بالاحتماء في التراث. لذلك يراه رائدا لتيار الواقعية الاجتماعية في حركة النحت المصري الحديث، فمع حرصه على إكساب النحت شخصية مصرية يتمرد في ذات الوقت على النزعة المحافظة لمن سبقوه، كما تأثر بالعمارة الإسلامية فصاغ من ملامحها أشكالا نحتية معاصرة مثل القباب والمصاطب، وقد شارك السجيني في تكوين جماعة الفن الحديث التي جمعت بين النضال الاجتماعي والسياسي والإبداع الفني، فجاءت تماثيله “الجوع، الفلاح، الأرض، الحرية” بمثابة صيحات احتجاج ضد الظلم، وبعد ثورة 1952 كان ينحت الأشكال الصرحية والرمزية التي تعبر عن التصدي للإستعمار والتعمير وبناء الوطن، كما يبحث عن الموروث الشعبي التشكيلي كما في “عروسة المولد” ويهتم بالحرف التقليدية فعبرت أعماله المطروقة على النحاس، عن قيم امتداد الإرث الحضاري، كما اهتم في أواخر حياته بفن البورتريه فنحت تماثيل نصفية لرموز الفن والأدب مثل سيد درويش وتوفيق الحكيم وسيف وانلي وأم كلثوم. (وكالة الصحافة العربية)