فرنسا وشرق المتوسط

تزاحم القوى الكبرى في شرق المتوسط أكثر من واضح ويشير إلى صراعات حالية وقادمة على الطاقة والسيطرة والتحكم.


العودة الفرنسية الى المنطقة مشروطة برضا واتفاق أطراف آخرين


فرنسا ترى شرق المتوسط المكان الجيوسياسي الذي يشكل لها مجالا حيويا تاريخيا


الحضور الفرنسي اللافت يجري بالتنسيق مع واشنطن مع حاجة ترامب لتسجيل مكاسب قبل انتخابات الرئاسة

سُجل في السنوات الماضية اهتماما لافتا لشرق البحر المتوسط من اطراف دوليين واقليميين كُثر، ذلك على قاعدة اكتشافات الطاقة وبكميات واعدة، وثمة من يقول ان من بين أسباب الاحداث التي شهدتها المنطقة كان الصراع على الطاقة واستراتيجيات السيطرة والتحكم بها. ومن بين تلك القوى فرنسا التي دخلت وبقوة مؤخرا على فعاليات الشد والجذب الجاري حاليا. فما هو حجم القدرة الفرنسية في تحقيق مصالحها الاستراتيجية في ظل تنافس ربما يصل لحد الصدام مع قوى إقليمية أخرى كتركيا مثلا.

لم تتراجع فرنسا عن فكرة العودة الى الشرق الاوسط بعد خروجها مع بريطانيا في منتصف خمسينيات القرن الماضي كنتيجة للعدوان الثلاثي على مصر وحلول اميركا مكانهما تحت مسمى ملء الفراغ، وقد حاولت باريس عبر دبلوماسيتها النشطة في غير مناسبة لإظهار اهتمامها بالمنطقة وكان آخرها الدخول من البوابة اللبنانية بعد زلزال بيروت، وقبلها الحضور في الأزمة الليبية ومواجهة الدور التركي الذي سجل مؤخرا تماسا عسكريا بحريا يؤسس لمسارات صدامية معظم أسبابها متوفرة وبقوة. وفرنسا اليوم التي تسعى للعب أدوار نشطة دوليا بهدف اثبات موقعها بين الدول العظمى ترى شرق المتوسط المكان الجيوسياسي الذي يشكل مجالا حيويا تاريخيا بالنسبة لها ذلك من خلال العلاقة مع لبنان الذي يعتبر ضمنا رأس حربة لتنفيذ سياساتها الاستراتيجية، وما يعزز تلك السلوكيات حاليا الجانب الاقتصادي الطاقوي في المنطقة.

الا ان الطموح الفرنسي دونه عقبات ومتاعب ليست بالبسيطة او العابرة، تبدأ بما يمكن ان تواجهه اميركيا ولا تنتهي بقوى إقليمية لها سياساتها ومصالحها ايضا في المنطقة، ومن بينها تركيا وإيران وإسرائيل وغيرها، وفي هذا الإطار يسجل حاليا تماسا عالي التوتر مع انقرة التي دخلت أيضا وبقوة على مشاريع وسياسات الطاقة في شرق المتوسط. فتركيا التي تتوجس وتحاول الخروج من فزاعة الطلقة التي تقيدها، عمدت الى مسارات صدامية وصلت الى حدود تكريس وقائع جديدة متصلة بمحاولة وضع اليد على أجزاء من المناطق الاقتصادية الخالصة المتلاصقة مع مناطق كل من اليونان وإيطاليا وقبرص ومصر وسوريا، وهي في ذلك تحاول إعادة الصورة العثمانية الى الاذهان، الامر الذي لا يتماشى وتطلعات قوى كثيرة أخرى.

وبصرف النظر عن حدود القوة الفرنسية وفعاليتها في تكريس سياسات مرغوبة، فان الحضور الفرنسي اللافت حاليا هو بالتنسيق والرغبة الأميركية ربطا بالانتخابات الرئاسية وحاجة إدارة الرئيس دونالد ترامب لتسجيل وتحقيق مكاسب في غير قضية دولية، وبالتالي لا يعتبر هذا العامل ثابتا بل متغيرا، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه في حساسات القوة الفرنسية ووسائل تحقيق أهدافها، الأمر الذي يتطلب ديمومة الرضا الأميركي في حجم ووزن الدور الفرنسي في المنطقة والمساحة التي يُسمح لها بإشغالها.

ان المحاولات الفرنسية الدءوبة لتكريس مسارات وسياسات محددة لإعادة دور مفقود او في أحسن الاحوال متواضعا، لم يكن عابرا في الفترة الأخيرة، فهي دخلت على خط الأزمة الليبية في مواجهة الدور التركي، وحاليا تسعى الى رسم مسار محدد للازمة اللبنانية، وهو ما يعتبر سياسات نشطة تأمل من خلالها تحقيق استراتيجيات العودة الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة وهي بطبيعة الحال تستحق هذا الجهد الكبير بصرف النظر عن حسابات وحجم الربح والخسارة. ويبدو ان الطموح الفرنسي سيولجه بقوى ليست ضعيفة او قابلة للتراجع وعدم المواجهة، فلكل من انقرة وطهران وسائلهما وادواتهما في المنطقة، كما ان ليس لإسرائيل مصلحة في تعزيز الدور الفرنسي في المنطقة، علاوة على مصر ودول الخليج بشكل عام.

في المحصلة، تعتبر العودة الفرنسية الى المنطقة مشروطة برضا واتفاق أطراف آخرين، فباريس لا يمكنها التقرير منفردة في ملفات الشرق الأوسط وبحرها، بخاصة ان المنطقة تاريخيا كانت ولا تزال تعتبر مفتاحا لصعود دول كبرى نجو العظمة في لعب أدوار متميزة في النظام العالمي، وهنا يكمن سر التنافس والصراع على منطقة تعتبر الأشد حساسية والأكثر جذبا في العالم وهو امر تدركه تماما فرنسا.