فرهاد خليل.. لا نهايات هنا الكل يمضي إلى البدايات

أعمال فرهاد خليل كأنها تعيد فكرة هيغل للجمال حيث يسعى إلى إتحاد الفكرة بمظهرها الحسي محاولا الإحاطة بعمليات نمو السلوك الإدراكي، كما أنها تلخص وجهة نظره في عالم في أوجع حالاته وفي رغبة في البقاء وفي أن تكون الحياة أجمل.


فرهاد خليل يتحرك في مناخ له أسراره ولغته


خليل يمنح المناخ نفسه ويتعامل معه كسر يحتاج إلى فك شفراته

يحدث كثيراً وأنت تستعرض أعمال فنية أن تداهمك عمليات الإنصياع لمعايير معينة قد تكون إجتماعية، أو سياسية، أو مهنية، أو طبقية، أو ثقافية،...إلخ، و ما عليك إلا بذل الجهد المضاعف من إكتساب المعلومات والفهم المفتوح على الجميع، والبحث عن المثيرات الجمالية فيها لإضعاف تأثيرات تلك المداهمة، أو التقليل من شأنها وفرصها على أقل تقدير، حدث ذلك معنا ونحن نستعرض أعمال فرهاد خليل (1970 الحسكة - قرية وادي النجمة) ، قد تكون لكثرة الخصائص الجمالية لتكويناتها الفنية، أو قد تكون لوجود أشكال بسيطة وأشكال مركبة في الوقت ذاته، وربما لغزارة الوجع فيها وتزايد صعوده إلينا في كل مرة نطيل الوقوف عندها، أو ربما لتعدد المداخل إليها، فخليل يعزف بنغمة خافتة لكن فاعلة وعميقة، بنغمة ناعمة هادئة، لكن لها قوتها الظاهرة والواضحة فهو يمزج بين ألوان صوته وأمواجها، وإن كانت الآلة التي بين أصابعه تردد النغمة الأساسية ذاتها، فهو يدرك بأن سلسلة النغمات التي تسمع من فضاءاته تتسم بدرجة عالية من الجدة والإدهاش، بتعبير قائم في جوهره على الإستثارة والتنبؤ، وعلى الهوس بالجمال.

جذور ضاربة بقوة وصلابة في أعماق التربة الفنية
جذور ضاربة بقوة وصلابة في أعماق التربة الفنية

 وكثيراً ما يحاول خليل الحفاظ على ذلك بإزدهار وتألق، فمن أبرز التجليات المعبرة عن ذلك جذوره الضاربة بقوة وصلابة في أعماق التربة الفنية، وإسهاماته الكثيرة والكبيرة في ذلك.
هي ليست محاولات متواضعة في الإقتراب منها بل رد فعل حساس ينطلق بقوى الخيال والعاطفة وبأشكال عدة تعاود النمو والصعود وبالتداخلات الجمالية الوارفة والمتألقة بين الداخلي والخارجي، أو بين المادي والمعنوي، دون أن يهمل ما حوله من الموجودات.
 وكأنه يعيد فكرة هيغل للجمال حين يسعى إلى إتحاد الفكرة بمظهرها الحسي، محاولاً الإحاطة بعمليات نمو السلوك الإدراكي، وهكذا توالت أعمال خليل ملخصاً وجهة نظره من عالم في أوجع حالاته ومن الأشياء في أعلى لا إنسجاميتها، من أجل البقاء ومن أجل أن تكون الحياة أجمل.
 يدفع بألوانه نحو غابة لا أخضر فيها، لا أشجار، لتعانق وبحوار طويل وصامت رائحة تراب مبتل بدموع الحيارى والمتعبين في الأرض، لا بدموع السموات، فهذا الإحساس الكبير الذي يحمله خليل كمسؤول عن الحياة وإستمراريتها من أجل الحب لا من أجل الحرب، من أجل الحصاد كما من أجل الزرع، فمهما كانت الآلام مقدسة، ومهما كانت غير صالحة للعرض في المتاحف، فهي التي تملأ الساحات، إن كانت ساحات البلاد، أو ساحات خليل المؤطرة به، و هي الحاضرة دوماً في الذاكرة الإنسانية كملتقى لسيرة لم تكتمل، ولن تكتمل طالما اللوحة للواحد الأحد، أو طالما الطبيعة بفصل واحد .
المناخ الذي يتحرك فيه فرهاد خليل مناخ له أسراره ولغته، مناخ فيه من الصقيع والجوع والسعال الكثير بقدر ما فيه من دفء وحنين، مناخ أشبه ببحر يمتطيه خليل بمركب حزين، ويشقه بعزف إنساني يتقنها جيداً حتى يسمعها لكل شواطئه البعيدة منها، المتشحة بالتعب ونشيج النايات، أو القريبة منها المحتفي بشغف ولهفة عاشق لم ترهقه همس الحقول عند الفجر، فخليل يمنح المناخ نفسه ويتعامل به كسر يحتاج إلى فك شفراته.

فليست البيئة القاسية هي التي قد تشعل الفنان، ولا مبررات اللحظة، وإنما الطاقة المرعبة التي تعيش فيه لا بد أن تصرخ بملىء تمزقها، وبملىء حلمها، حتى تجعل سطوحه أقل تعقيداً، والعتبات الحاسمة لوجوه شخوصه أكثر تعبيراً، فالملامح لا تجدي، والتقارب بين المفردات لا يشكل جملة مفيدة، وحدها حتمية اللحظة الإبداعية إذا قررت الحضور لا بد أن تكون، فلا نهايات هنا، الكل يمضي إلى بداياته مهما كانت قائمة الأسماء غنية، ومهما كان التأمل مثمراً وفارشاً داليته في صدورنا، فاللهفة دائماً تبقى للبدايات.