"قيود للأبد" رواية حوارية بسخرية سوداء

أيفن الطبلاوي تقودنا في باكورة أعمالها إلى اكتشاف ما يسكننا من رعب التسلط والاستعباد، إلى عوالم الاستلاب المعاصر عبر قنوات مستترة تعود بنا إلى العبودية المطلقة.


الكاتبة تصل بالقاريء أثناء إبحاره في متون روايتها إلى نسيان واقعه المعيش


مجتمعات ترزح تحت نير العبودية المباشرة، تجارة تلف العالم، لا يخلو مجتمع منها

أيفن الطبلاوي، أديبة اسكندرانية، تقودنا في باكورة أعمالها إلى اكتشاف ما يسكننا من رعب التسلط والاستعباد، إلى عوالم الاستلاب المعاصر عبر قنوات مستترة تعود بنا إلى العبودية المطلقة.
لا تسرد أحداثا عاشتها، بل تخيط إبداعا لا تحكمه قواعد الأجناس الأدبية، مازجة بين فن المسرح والسينما في قالب روائي.
أيفن كاتبة باسمة، جادة، حين نبحر بنا في "قيود للأبد" نكتشف قدرتها على السخرية السوداء. أتخيلها ساحرة تشكل من شخصياتها مساخر باكية. وكل من حولها دمى مركبة. فهذا "آدم" المتغطرس المتحذلق حد الفجاجة.. اللامنتمي.. تحوله إلى أسوأ عبد في العالم، حين تنقلب حياتها إلى النقيض لحظتها ندرك كم هي ساخرة. أن تقتص للقارئ من كائن يحتفي بموت والديه.
أيفن تصل بالقاريء أثناء إبحاره في متون روايتها إلى نسيان واقعه المعيش، مجتمعات ترزح تحت نير العبودية المباشرة، تجارة تلف العالم، لا يخلو مجتمع منها، فوقودها الحاجة، وبيئتها الحروب، والفساد والأمراض والفقر.
رواية تشير إلى أن هناك من يتربصون بنا، سادة الظلام يطالون كل مجتمع، يتحكمون بتسلط عفن. تحيك الكاتبة حكايات قد لا يتقبل قسوتها المفرطة العقل، لكنها حياة مجتمعات نائية، بل وفي كل مجتمعاتنا توجد العبودية وإن بنسب متفاوتة. 

الكاتبة تدير حواراتها بفنية عالية ومشوقة، ما يدفع بالمتلقي للإبحار في عوالم لم يتصورها، عوالم متخيلة. سيناريو لفيلم سينمائي غرائبي 

شخصيات "قيود للأبد" ترسمها بسخرية مبطنة بالتخييل الفنتازي. تخييل سقفه السماء. فبعد أن عاش آدم معتمدا على ثروة طائلة خلفها أبواه المتوفيان في حادث سير، بدا كشخصية بلا قيم. لا يهمه إلا نفسه. لم يحزن. بل حمد الله على رحيلهما. ما يشكل صدمة لدى المتلقي، وهو يتابع بهجة آدم وسروره لحصوله على تلك الثروة. ذلك الموقف يجعله شخصية بغيضة، بل وحقيرة. يعيش حياة الثراء بغطرسة وتعجرف فج. تلفت انتباهه فتاة "إيف" تعمل صحفية. بداية يعاملها بتعال ولا مبالاة، راسما لنفسه دور الصياد، لكنه لا يلبث أن يتحول إلى طريدة، بعد شعوره بانجذابه إليها، ليبدأ بلهاث السعي لإرضائها.
يختطف آدم وإيف من قبل عصابة تتاجر بالبشر. تغمى أعينهم أثناء خروجهما من مطعم في الحي الراقي بالمدينة. يرحل الخاطفون بهم على طائرة إلى جزيرة لم تحدد الكاتبة موقعها، غير أنها في المحيط. عوالم لا يتوقعها المتلقي قط. فمن حياة الترف والرومانسية، إلى حياة كابوسية همجية. هناك يأمر سيد الجزيرة أن يخضعا كبقية من يتم جلبهم للتدريب الذي يفضي إلى سحق كرامتهما، حتى يصلا إلى مرحلة التلذذ بعبوديتهم. يوصلهم ذلك البرنامج إلى درجة الانحطاط. يتقبلا أن تمارس عليهما أنواع التعذيب النفسي والجسدي، كأي سيد يحق له أن يتصرف في عبده كيفما يريد "أنا مستعبد لنصف حياتي.. ولكن لا أعرف موقعي على خريطة العالم! إذا كان العالم كله لا يستطيع أن يعرف أو حتى يهتم بمعرفة أن يختفي الآلاف يوما. فكيف يدرك العبد المسكين ما يتجاهله العالم". 
هكذا يواسي آدم نفسه في عزلته التي امتدت لأكثر من عشرين سنة من العبودية والقهر. أثناءها تحمل إيف منه. وهنا يسعى لأن يعقد صفقة مع السيد، فحواها بيع  نفسه لسيد الجزيرة، وكذلك منحه نصف ثروته، ليطلق سراح إيف. صفقة أسعدت آدم وحيرت سيد الجزيرة لتلك السعادة.
يحاول السيد إغاظته بإخباره أن إيف بعد نيلها حريتها قد تزوجت. وأنها تعيش وتتمتع بثروته هي وزوجها. ليفاجأ  السيد بما لم يتوقعه، حين تزداد سعادة آدم، ما حيّر سيده. إذ كيف يسعد شخص اختارت حبيبته رجلاً غيره. وتتمتع بثروته.
بعد تجاوز آدم الأربعين من عمره أصبح العبد المفضل لدى السيد، ومن خلال تواجده في القصر، عرف الكثير من خصوصية السيد وزوجته السيدة. فكان يلحظ السيدة تتذمر من تقدم عمرها تطيل الوقوف أمام المرآة حزينة. في الوقت الذي بدأ السيد يعاملها بقسوة "ليس ذلك فحسب بل بدأ في توبيخها أمام الخدم والعبيد الحقراء حتى لا تتدخل في عمله. السيدة التي اعتادت أن تكون سيدا آخر، أو في واقع الأمر كانت سيد السيد". لكنه في نهاية الأمر يقتلها. ليتضح له بأن تلك القسوة الشديدة كانت وليدة ظروف عاشها السيد "رائع يا آدم رائع .. ظنك في محله.. نعم لقد كنت مجرد عبد قذر مهين بائس مثلك". كان ذلك الاعتراف في لحظة صفاء نادرة. 
بعد سنوات يختطف السيد ابنة "آدم" ويجلبها إلى الجزيرة كعبدة. لكن آدم ينجح في نهاية المطاف بالتقرب من السيد، ليقتله  ويهرب وابنته إنجيل التي لا تعرف بأن أباها من الجزيرة.
مضامين الرواية مهمة. محور وثيمات. إلا أننا لم يكمن تجاوز الجوانب الفنية التي تأتي على قدر الأهمية. واللافت في هذه الرواية مساحة الحوار الطاغية، إلا أن الكاتبة أجادته رغم صعوبته. ولذلك يحسب لها. عرفنا الكثير من الأعمال الروائية التي يحتل فيها الوصف مساحة لافتة، وأخرى نجد الكاتب يعمل على تسارع إيقاع الإحداث. كما نجد قلة من الكتاب يوازن بين سرد الأحدث والحوار والوصف. ويعطيهم مساحات متقاربة. وقلة من يجيدون كتابة الرواية الحواريةـ وهذا العمل إحداها.
يعرف الجميع أن الحوار إحدى ركائز الفن المسرحي. وأن الرواية تستوعب عدة فنون في بنائها الفني. وقد استخدمته الكاتبة بفنية عالية في روايتها. ما يجعلنا ندرك قدرتها على إخراج رواية شيقة. في الوقت الذي حرصت على تصاعد أحداثها، وتأثيثها بالوصف غير المخل للأمكنة والشخصيات، وما يعتمل في دواخلها.   
الراوي هو الشخصية الرئيسة "آدم" الذي يشعرنا من خلال وصف مشاعره وتغير أحواله بأننا أمام كائن حكّاء يجيد شد انتباهنا كما لو كان يحدثنا وقد تجمعنا حوله.. ساردا تجربته الحياتية.  

Literary criticism
أكاد أموت جوعاً ياسيدي.. أتوسل إليك أعطني ولو لقمة واحدة

"قيود للأبد" تقارب الـ 180 صفحة. وموزعة على 37 فصلا. قدم لنا "آدم" خلالها نفسه  وما يعيشه في حوار متصل حتى آخر صفحة. وبالعودة إلى أهم ما يميز هذا العمل المتمثل في البناء الحواري للرواية بعوالمها الغرائبية وشخصياتها المستلبة. ويمكننا أن نستشهد ببعض  المقاطع: 
- "التقطت أنفاسي في ارتياح.. فتابع: أقصد رجعت إلى بيتها.. في الزريبة أيها العبد..هههههها.
ركعت وانهمرت منتحباً.. فقد شعرت بالعجز الرهيب، بينما ظل يضحك باستفزاز.. ما أغضبني. شكيت بصوت باكٍ:
- يا سيدي.. لماذا؟ لقد كنت عبدك ورهن إشارتك طوال حياتي.. تنازلت عن الحرية لأجعلها سعيدة.. أنا..أنا..
نظرت في عينيه.. ضغطت على أسناني في غيظ.. وقلت:
- لقد ضحيت بكل شيء.. لأجعل عالمها أفضل وأكثر إنسانية من حياتي.. حتى لا تعيش في الذل والعذاب.. مثلما حييت نصف عمري. " 
من خلال ذلك سيلحظ القارئ أن الحوار هو المسيطر. وما نلمسه من وصف أو حدث لم يأت ِإلا ليمهد أو يصل بين جملة حوارية وأخرى. وهذا الحوار بين سيد الجزيرة وآدم.. وهو يخبره بوصول ابنته إنجيل، بعد أن أرسل من يختطفها إلى الجزيرة كعبدة. 
مقطع ثان "وماذا كان يفعل بي.. كان يجلس على طاولة ضخمة ويأكل مما لذ وطاب.. وكنت بدوري أتضور جوعا.. لأني لم أتناول الطعام منذ يومين.. لذلك أجهشت باكيا. ضحك وقال ساخراً:
- لماذا تبكي؟!
رفعت يدي المسلسلتين كأنني أتسول وقلت بضعف:
- أكاد أموت جوعاً ياسيدي.. أتوسل إليك أعطني ولو لقمة واحدة.
قال باحتقار:
- لا.. لا رغبة لي بذلك.
- أعتذر منك سيدي.. لن أكرر هذا الخطأ مرة ثانية.
- أي خطأ؟
- لا تعاقبني من أجله.
- هههها.. أنت لا تُعاقب.. أنت تتمرن على أقسى الظروف.. واجبك أن تجوع وتعطش.. وحتى تعرى.. فقط كي ترضي سيدك...".
وهكذا من سير أحداث الرواية حتى آخر سطر فيها، حيث نجد الكاتبة تدير حواراتها بفنية عالية ومشوقة، ما يدفع بالمتلقي للإبحار في عوالم لم يتصورها، عوالم متخيلة. سيناريو لفيلم سينمائي غرائبي. 
وما أدهشني أن يكون هذا العمل هو الأول للكاتبة، متخيلا عملها الخامس أو العاشر، وكيف سيكون في ظل ما تمتلكه من خيال، وقدرة سردية مذهلة.