كاتب مغربي يرى أن سؤال الموت هو سؤال الكتابة المشروحة

المغربي مصطفى الحسناوي: لا علاقة لإرادة السؤال كحدث بإرادة الحقيقة.


كتابة الموت لا يمكن أن تكون إلا فالتة، زلقة، لأنها، في علاقتها بآخرها

تظل تساؤلات الكتابة أسرار وجودها وتجليات فعلها شكلا وموضوعا وفكرة وحلما وإرادة وفعلا وحياة وموتا، وامتدادات تأثيراتها وانعكاساتها في العالم الإنساني للذات، محورا اشتغال الكتاب والمبدعين والمفكرين والفلاسفة قديما وحديثا. وهذا الكتاب للمفكر المغربي د.مصطفى الحسناوي يبحر في أسرار الكتابة وعلاقاتها العميقة مع الذات، الموت، الإرادة، الحرية، الإبداع، من خلال رؤية جمالية وفكرية وفلسفية، وذلك في كتابه "ليل الكتابة" الصادر عن دار خطوط وظلال الأردنية حيث يرى أن سؤال الكتابة سردابي متاهي بامتياز، إنها الكون الأوقيانوسي الذي يظل مغلقا على ألغازه وأناشيده البحرية، مسكوبا في زخم تأويلي متعدد، يتغيا الاقتراب منه/ مقاربته، زرع ملحقات وهوامش تحاول أسر حركيته الجوانية، دون المجازفة بولوج موجة العمق التي تخترقه، والتماهي حد الانخطاف مع مخرها الإبداعي وعنف مغايرتها.
وتساءل الحسناوي هل نكتب لأن المجهول، قارة العتمات، والهاوية البدون عمق تنكتب فينا، هل نكتب استجابة لنداء غروبي، أم نكتب فقط لإعادة إنتاج الدال Le signifiant وبقصد التجلي داخل أثر  traceيصارع الإنمحاء، داخل ملحق يعوض حضور الجسد الصخاب يشتغل بعد الغياب أو الموت الرمزي للكاتب؟ 
تتجاوز "الأكتب"، دون شك مسألة الذات/ الجواني لتنفتح على قارة هي بالذات إمكانية إنتاجها / تمفصلها ككتابة، تكون خطوطها، تضاريسها، ومناطقها، أنمناحها لفاعلية الاكتشاف. لذا لا نعثر داخل المكتوب سوى على علامات/ رموز اللامعرفة التي تناديه/ تدعوه للإتيان بقصد التماهي مع طقس برانيتها المتوحشة، المأهولة الاختلاف بالنسيج النصي/ الإستعاري للإختلافات. 

الكتابة الباذخة هي التي تكون قريبة جدا من هبات الجثة، بعيدة عن انتظامات الجسد الغائي، وسقف موته

لا يحتمل البراني خلل انكتابه، غير فاعلية هذا الاختلاف المنتج، الأثر الذي يستدعي الغياب والفراغ، والمتاهات الطاعنة في شهوة الملغز. إن المكتوب المطروح انطلاقا من وجهة النظر هذه، يظل مجرد أثر، حزمة آثار، تمنح الآخر بأريحية فرصة الإنكتاب داخل المثيل Le meme، مكرسة أخريته العنيدة. أن يكون المكتوب أثرا هو أن ينفلت من سياج الحضور المطلق. 
المكتوب هو محل لمعان اللامكتمل، بما هو "أي فعل اللمعان"، حركة الإنبثاق النيزكية باتجاه فضاءات / صحراء تعلن انتماء العمل الممكن لها، انفتاحه على غدها، احتواء نسغه الغامض على مستقبل الحاضر، وغياب الحضور. إن تحرر المكتوب من المرجعية المغلقة للجواني، ترحله خارج الأنا/ الأصل، انسكانه الدائم بالأنا / الأقنعة حيث تتبلور طقوس التعدد، رموز وأشباح المتعذر إدراكه، وكوابيس اللامفكر فيه، معناه النظر إلى الكتابة كجغرافيا حميمية لا تكون "الأنا" ومحتوياتها مرجعا مطلقا لإنتاجيتها، بل مجرد جزء من تضاريسها، مجرد ساق ضمن السيقان النباتية الجذمورية السردابية والمدهشة التي تكونها".
وقال: غرف كافكا في "التحول"، و"المحاكمة"، "عتمات" إرنستوساباطو، الكهف الموحل، الهاوية، الردهات والأبهاء المتوازية، الكهف المعتم الذي ينفتح/ ينحفر داخل جسد خوان بابلو كاستل في رواية "Le tunnel". "الأكتب" مسألة ابتكار للهندسة الألخيميائية/ الأسرارية/ الباروكية للاختلاف. أن تكتب هو أن تجابه بياضا أملسا لامرئي الخطوط، سري حد فقدان القدرة على الإضطلاع الهرمسي بالأسرار "السر الذي ينبغي إبراز قوة حجبه لمعرفة كينونته كسر، ولصون الأصيل الذي ينعلن فيه، والذي يجاورنا انطلاقا من حفاظه على كينونته الخاصة"، محترم حد الاندماج الكلي لفتنة العود الأبدي لمثيل لا يكون كذلك إلا عبر الانسكاب الحتمي/ المدمر بعنف مغايرته وعنادها. 
أن تكتب هو أن تحفر أخاديدا داخل البياض المطلق الهيمنة، أن تجاسد لمعانه، بحثا عن كينونات نصية منسية ثاوية في جوف صموتاته، أن تنعلن في مشهد الوقوف على حافة الهاوية لترى الحبر المعتم، وتتألق الطقوس البدائية لجسدك داخل رقص ديونيزوسي عنيف وكتيم، بحيث تتمرأى كآخر داخل العتمة ـ الفراغ الذي تراه، تستدعيه كجسر عبور نحو السلطة الفادحة للصموتات، نحو سيادة مغايرة، تسود عبرها، داخل البياض، تجربتك الخاصة، ونحو الجس المسمى عتمة/ جسرا".
وأشار الحسناوي إلى أن الكتابة ابتكار لتضاريس، لكن فعل الابتكار هذا لا ينزع من الصيرورة براءتها وفاعليتها، وإرادة التحول التي تحكم اشتغالها. أن تبتكر للمكتوب خطوط اشتغال/ ترحيل جديدة. ليس معناه أن تسكن/ أن تقيم بشكل نهائي داخل ما ابتكرته، ولكن أن تذهب به وفق جدل فعال ومنتج إلى أقاصيه، إلى حيث لا يكف عن إنتاج جدته بطرق مغايرة وألخيميائية تؤسس لقارة الكتابة وأسرارها، لا حدودها الناظمة لها، تدفعها إلى الاندغام دوما في ما يتجاوزها كقارة في ذاتها، وفق صيرورات خاصة مربكة لنظم التأويل ومعايير القراءة، ليجعل منها "القارة /الهوامش"، القارة/ الكلام، القارة/ الأسرار، أو قارة الإختلافات بالذات: القارة غير القارة، التي لا يقر لها قرار. 
أن تكون الكتابة مسألة خرائطية إبداعية/ أسطورية بامتياز، هو ما تعلمنا إياه أكثر النصوص بذخا وفاعلية وحميمية "بورخيس، موزيل، بروخ، كافكا وآخرين ممن أشرنا إليهم أعلاه"، وهو أيضا ما ينعلن خارج الجغرافيا: الحدود والدول والسياسات والهويات المعلومة والمتراصة، وفي إطار المحايثة الدائمة كجسد متخيل وعملي في آن، كماكنة حرب لا كنظام للاستقرار، ماكنة لا تحدد المواقع بل تبتكرها تحل فيها كما لو أنها تخلفت من الرحم السديمي للتو، لتمنح الجسد الرحال/ الكاتب محلات اشتغاله، هجومه ومقاومته".

ورأى أن سؤال الموت، هو سؤال الكتابة المشروحة، التي تتعايش فيها الديمومات، سؤال الحدث المتفرد الذي يتماهى فيه الشكل "شكل قولنا، صمتنا، حياتنا، أفعالنا"، بفراغه، بالمعنى الذي تنفتح فيه أفعال نمط الكتابة الوجود، على انهمامات كارثية سديمية تجرفها. إننا فعلا أبناء هذا السؤال، بالمعنى الذي يكون فيه حدثا ينتجز في عمق الأشياء، وينكتب في تجاويف الجسد وأعضائه، الحدث الذي نتقمصه بلا انقطاع فوق ركح الكتابة الوجود. إن إرادة السؤال إرادة عارفة، مسكونة بغائية النمذجة والتحليل والتأويل. تتغيا تملك الموت كتيمة، أو كحشد تيمات. لكن إرادته كحدث مجرد، ينتظرنا، يتوقع قدومنا، لنصير داخل الجسد وصيرورتها علة ما يحدث لنا/ ما ينكتب فينا. بهذا المعنى، نكون في أقاصي تجربة الوجود، وسماتها الملموسة، الحية، اللجية جديرين بكتابته. لا علاقة لإرادة السؤال كحدث بإرادة الحقيقة، إن حقيقة النار المتحررة من أوهام الأبدية والمنذورة لمساءلة نهائيتها، لا تكمن خارج الرماد. بهذا المعنى يتركنا السؤال وجها لوجه أمام الموت، ومجردين أمامها من كل شيء في آن. إن الكتابة هي المنبع السري للمواجهة/ للخطر".
ولفت الحسناوي إلى أنه "ليس غريبا أن تكون الكتابة قريبة جدا، من الجثة، منها بالجسد/ الكاتب الحي. إن الكتابة الباذخة هي التي تكون قريبة جدا من هبات الجثة، بعيدة عن انتظامات الجسد الغائي، وسقف موته. لا نكتب إلا داخل وعبر هذه الجثة الواهبة الحياة. فقط، ينبغي تفكير الحياة هنا من داخل الصيرورة ودفقها، وخارج أي اختزال عضوي، بيولوجي، مذوت. إنها الحياة الكبرى التي تخرق محدودية المعيش ومؤامرته الوجودية الصغرى. 
إن الجثة ليست سوى الآخر المتعدد، المتنافر الذي عبره نحايث ميتاتنا. إن "الكينونة ـ في ـ العالم" لا يمكن أن تكون من منظور الجسد المسكون بصيروراته، سوى كينونة مصاحبة بجثتها. إن الجثة ليست أبدا صمت الكينونة أو انسجامها، بل بالإمكان الإنصات إليها خصوصا حين يكون السؤال الحاسم. يدخل هذا ضمن نوع من التأويل الإيجابي للموت، الذي يبتعد عن أسره ضمن المساءلة اللاهوتية، البيولوجية أو الفيزيولوجية، أو الميتافيزيقية. إن أهمية الكتابة، كابتكار لممكنات جديدة للحياة، لأنماط وجود غير مسبوقة تتجلى في الإضطلاع بإمكانية هذا التأويل. "إن الموت بالمعنى الواسع للكلمة، ظاهرة الحياة. إن الحياة، من وجهة التأويلية للأنطولوجيا الأساسية، يجب فهمها كنوع من الكينونة، تنتمي إليه "الكينونة- في - العالم".
وأوضح الحسناوي إن الكتابة - هي نوعا ما - فن قلب المنظورات، الذي يجعلنا نرى الحياة وقواها وأحداثها المتفردة داخل الإضطلاع بالموت. إنها الصورة/ اللحظة التي تفرغ فيها الموت من جنائزيتها، من قياميتها، ليتم ربطها بالقوى اللاواعية، بالعبور الحيوي وعنف الصيرورات وبراءتها. بهذا المعنى تكون الكتابة إبداعا وصراعا ومقاومة، أي عبر وضعي وجها لوجه أمام العنف الذي يمنحني حريتي، العنف المحرر والعاشق، يجعلني أجازف من أجل أن أكون جديرا بها. لا يتغيا هذا النوع من المجازفة التملك، والسيادة داخل مشروع معد سلفا، بل المجاورة العاشقة، بلوغ أقصى الممكنات، عبر المخاطرة بفقدان الكينونة نفسها. 
إنه الفرق كله بين الصيرورة الإرتكاسية التي تلجها الكتابة حين تحايث موتا تتجاوز بتعاليها قدراتها، الموت كنقطة نهاية، والصيرورة الفعالة التي تجعل الكتابة محايثة للموت كخط لا منتهي، تصارع من أجل اجتراح طرق حيوية للحياة، الحياة العليمة من داخل خبرتها الخاصة، بهشاشتنا وكوارثنا. 
إنه الفرق أيضا بين محايثة ارتكاسية مسكونة بالتعالي، زائفة، رديئة، وبين محايثة فعالة مسكونة فقط بما تحايثه وجيدة. إنها صورة الكتابة كماكنة حرب، تشتغل بدون أن تضع المعركة سقفا لها، صورة الكتابة كالمعركة، حيث الحروب كلها تصير بالنسبة لفعل الكتابة شأنا خاصا. إن غياب المعركة، هو نفي للصورة البارانوية/ الدالة للمجابهة، لصورة المعركة/ الحرب الهيجلية كمجازفة بالذات من أجل سيادة ظافرة. 
إنه الغياب كاشتغال فعال للمحو الأورفيوسي. ليس بإمكان "الجسد - الكاتب"، أو ما يمكن تسميته كذلك، فقط كاستعارة مؤقتة لفاعلية الجثة المتعذرة على التسمية، التماهي وإرادة بروميثيوسية ما. إنه مجرد أورفيوس محايث باستمرار لعتماته، ومحوه، لخط النزول البركاني، الليلي، حيث العمل، متعذر على الإستعادة، مسكون باللامتوقع، العمل الذي ينزل باتجاه الإتيان، دون أن يتحقق له ذلك كلية. 
إن الكتابة الأورفيوسية هي وجهنا/ مصيرنا المحتوم. لذا كلما حاولنا الكتابة إلا وكان هذا المحو اليد الأخرى التي تكتب خلف يدنا، الطيف السابق الحضور والفاعلية، بالمقارنة مع جسدنا. إن كتابة الموت لا يمكن أن تكون إلا فالتة، زلقة، لأنها، في علاقتها بآخرها، تصير الحركة التي تتجاوز كل حد، لحركة المضاءة بليل الفقدان".