كتاب غير استثنائي عن شاعر استثنائي

"شاعر الوطن" الراحل عبدالرزاق عبدالواحد علامة فارقة في تاريخ الشعر العراقي.


في حضور صدام حسين وغيابه كان عبدالواحد هو الشخص نفسه


استنتاج المؤلف بأن عبدالرزاق عبدالواحد تخلى عن صابئيته وأعلن اسلامه ليس صحيحا


كان حريا بغدير الشمري أن يبلغنا بالحكايات الممتعة التي يحوك الشاعر سطورها كما لو كانت سجادة

الكتاب هو "رحلتي مع النهر الثالث" والمؤلف هو غدير الشمري، شاعر شعبي عراقي. اما النهر الثالث فهو الشاعر العراقي الراحل عبدالرزاق عبدالواحد الذي تعرف عليه المؤلف عام 2007 في دمشق.

ولأني أعرف عبدالواحد منذ أكثر من ثلاثين سنة فهو صديق وفي ومخلص وعميق في ثقافته وإنسانيته وصادق في كل مواقفه يمكنني أن أقول أن كل ما ورد في الكتاب الصادر عن "دار الآن ناشرون وموزوعون" لا يزيد عن كونه كتابا يمكن أن يكتبه أي شخص عرف الشاعر بغض النظر عن مستوى علاقته به.

فعبدالرزاق الذي اختلف معه الكثيرون بسبب مواقفه السياسية التي اعتبروها نوعا من استعمال الشعر لغرض المديح ولم ينكروا مكانته الشعرية وجزالة بيانه وتمكنه العالي من اللغة أثبت في سنواته الأخيرة أن ما حُسب عليه باعتباره مديحا لشخص بعينه هو في الحقيقة تعبير عن شغف عميق بالوطن الذي كان من وجهة نظره حدثا كونيا.

في حضور صدام حسين وغيابه كان عبدالواحد هو الشخص نفسه.

لست هنا في مجال الكتابة عن أخلاقه النبيلة ومعدنه الإنساني الصافي بل أكتب عن رجل الشعر الذي وجد أن كل معاني البطولة التي أغرم بها الشعراء العرب في مختلف عصورهم قد تجسدت في رجل، شاء القدر أن تجمعه به صداقة من نوع استثنائي.

لقد كتب مئات الشعراء العراقيين والعرب قصائد حب صادقة في صدام حسين غير أن الوحيد الذي حظي بموقع عاطفي استثنائي لدى الرئيس الراحل هو عبدالرزاق عبدالواحد. وإذا ما كنت من خلال الحب قد مررتُ إليه حقيقة شعوري بأن ما يضفيه على الزعيم العراقي من صفات هو أمر مبالغ فيه فقد انصت إلي كما لو أن كلامي لا يجرحه شخصيا وروى لي الحكاية التي غيرت مزاجه الشعري الذي ارتفع به من التسمية المبتذلة "شاعر السلطة" إلى "شاعر الوطن" ذلك العراق "العظيم" الذي وجده كما قال لي لا يفارق صدام حسين في نومه. كان صدام حسين ساحره الذي رأي من خلاله العراق الذي يستعيد مجده التاريخي.

وإذا ما كان صدام حسين قد خسر حربه الأخيرة فإن عبدالرزاق أصر على أن يبقى أحد جنوده الواقفين في الجبهات الأمامية من تلك الحرب إلى أن مات في باريس عام 2015 وهو الذي ولد عام 1930 في بغداد. لم يكن شاهد زور لكي يتخلى عن شهادته. كان رجل حقيقة. هذا ما آمن به حتى أنفاسه الأخيرة. كان عبدالرزاق لا يرى في القصائد التي تغنى من خلالها بـ"عظمة" صدام حسين نوعا من الخيانة للعراق لكي يعتذر ولم يشعر في أية لحظة من اللحظات أنه صار ضعيفا أو وهن به غرامه بالعراق.

كتاب النهر الثالث عن الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد
كتاب النهر الثالث عن الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد

يقول غدير الشمري إنه رافق الشاعر من دمشق إلى عمان وظل على صلة يومية به هناك. ولأني أعرف أن عبدالرزاق كان رجل الحكايات التي تشكل العمود الفقري لقصائده فقد كان حريا بالشمري أن يبلغنا بتلك الحكايات الممتعة التي يحوك الشاعر سطورها كما لو أنها كانت سجادة. كان عبدالرزاق يعيش يومه شاعرا. لا يفارقه الشعر في أية لحظة. لا شيء سوى الشعر. حتى النساء اللواتي أعجب بجمالهن كن نوعا من الخيال الشعري.

مدهش عبدالرزاق عبدالواحد في حكاياته قبل أن يكون مدهشا في قصائده. لا تحب الرجل الذي كتبت من أجله تلك القصائد ولكنك لا تملك سوى أن تحبها. لم يكن عبدالرزاق شاهدا كان ابن الحياة التي تنفس صدام حسين هواءها. ما هذا الخلط؟

كان على غدير الشمري وقد ورط نفسه في تأليف كتاب عن قضية ملتبسة اسمها عبدالرزاق عبدالواحد أن يوضح كل شيء. اما أن يكون سطحيا ومتسرعا في قضية معالجة علاقة عبدالرزاق بـ"الله" من خلال الاديان فذلك ما كان صادما. فعبدالرزاق كان عراقيا أولا وأخيرا. اما أن يكون صابئيا فذلك تفصيل لم يكن يتعامل من خلاله مع الآخرين. لم يكن متعصبا ليرى الآخرون صابئيته. حالة طبيعية لم تكن تشغل أحدا. لا أتذكر أن أحدا أخبرني يوما ما حكاية عن عبدالرزاق تضمنت جملة من نوع "ذلك الصابئي". 

أخبرني عبدالرزاق ذات مرة عن مساهمته بترجمة "كنزا ربا" كتاب الصابئة المندائيين المقدس. وحين شعر أني لا أعير للأمر أية أهمية انتقل إلى الشعر بخفة كما لو أنه يعتذر. لطالما سمعت عبدالرزاق وهو يردد جملا من نوع "استغفر الله" و"لا إله إلا الله" و"ليسامحه الله" وسواها من الجمل التي يرددها المرء بطريقة عفوية فهل ذلك يعني أنه كان مسلما متخفيا؟ لقد كتب في وقت مبكر من حياته مسرحية عن الحر الرياحي وقصائد عديدة عن الحسين ومقتله في كربلاء. فهل كان عبدالرزاق شيعيا؟    

أعتقد أن غدير الشمري كان ساذجا في تأويل الجمل التي قالها عبدالرزاق عبدالواحد وهو على فراش المرض في عمان فلطالما سمعته يقول "الحمد لله". كما يفعل العراقيون حين تسألهم عن أحوالهم.

لذلك فإن الاستنتاج الذي انتهى إليه المؤلف والذي يحي من خلاله بأن عبدالرزاق عبدالواحد قد تخلى عن صابيئته وأعلن اسلامه في نهاية حياته ليس صحيحا بل وفيه الكثير من محاولة تشويه الحقيقة التي يمكن أن لا تكون مقصودة.

اما على مستوى مكانة عبدالرزاق عبدالواحد في الشعرية العراقية فإن الرجل لم يكن بمثابة نهر ثالث كما زعم المؤلف. ذلك ما يمكن أن نختلف عليه وهو امر لا أهمية له حتى بالنسبة للشاعر نفسه وكان حريا بالشمري أن لا ينساق وراء عاطفته ويطلق حكما نقديا من ذلك النوع. كان الأولى به أن يمتعنا بحكايات الشاعر وهو ما لم يفعله.   

لقد عاش عبدالرزاق عبدالواحد زمنه الشعري الاستثنائي الذي يستحق أن يكون محورا لكتاب استثنائي.