"لاعب السرد" يستعيد ما قاله الرواة عن إبداعهم

الحوار مع الأديب بأنه "أشبه برحلة في قطار عبر ذاكرة لا تنضب"، فمن خلاله يتم استعادة الذكريات وإثارة  القضايا وإعلان الآراء.


الحوارات التي ضمها الكتاب تميزت بوقوفها على ما يميز  تجربة كل كاتب في خصوصيتها وتفردها، مع استشرافها لنقاط التماس والتلاقي بين كل التجارب


أحمد السعداوي: لا يوجد إلهام أو وحي ينزل وتنزل معه الرواية، فالرواية عمل مركب يستغرق وقتاً

تصف الكاتبة الفلسطينية بديعة زيدان الحوار مع الأديب بأنه "أشبه برحلة في قطار عبر ذاكرة لا تنضب"، فمن خلاله يتم استعادة الذكريات وإثارة  القضايا وإعلان الآراء، وقد أجرت الكاتبة حوارات مع أبرز المثقفين والكتاب العرب، اختارت منها حوارات مع عشرين مِن أبرز الروائيات والروائيين العرب، لترسم من خلالها صورة مصغرة للمشهد الروائي العربي بكل اتساعه وزخمه وثرائه، وإن ركزت نسبيا على الرواية الفلسطينية، لتكون كتابها "لاعب السرد … ما قاله الرواة"، مؤخرا في رام الله عن دار الاستقلال للثقافة والنشر.
مفاهيم وطقوس
تميزت الحوارات التي ضمها الكتاب بوقوفها على ما يميز  تجربة كل كاتب في خصوصيتها وتفردها، مع استشرافها لنقاط التماس والتلاقي بين كل التجارب، فتقف على نواح ترتبط بالفن الروائي في عموميته، فمثلا يقول الروائي المصري ابراهيم عبدالمجيد عن طقوسه، "كتبت كل أعمالي علي نغمات البرنامج الموسيقي بعد أن ينتصف الليل وطقوسي بسيطة جداً. صمت يحدث بالضرورة بعد أن ينتصف الليل فكل ما حولي يدخل في الصمت. وضوء كهربائي شديد البياض والموسيقى، وبين حين وآخر كوب من الشاي أو فنجان من القهوة وطفاية السجائر أمامي".
وعلى العكس منه يرى المغربي أحمد المديني أن هناك كُتابا يؤسطرون الكتابة، ولكل كاتب ظروفه، فهناك من يكتب في الظلام أو في الصباح الباكر، وعلى البحر، المهم ماذا يكتب؟ وهو يعتبر الأجواء المحيطة بالكاتب بمثابة الحديقة الخلفية له، وهو يفضل الكتابة "في هدوء تام، لدرجة أنني أفضل أن تكون زوجتي غير موجودة في البيت، لا أريد أية حركة حتى الموسيقى تزعجني، أريد الصمت، وأن أكون حليقا كأني ذاهب إلى لقاء مهم، فإذا كنت مرهقاً ومجهداً تكون كتاباتي شاحبة ومتعبة مثلي".

من أهم وأمتع الحوارات في الكتاب، ما أجرته الكاتبة مع الفلسطيني إبراهيم نصرالله، وفيه يقول "كل عمل وطني كتبته ينتمي للإنساني أولاً، كما أن كل عمل له علاقة بالإنساني الواسع، كان يضمر في داخله شيئاً ما من فلسطين

ويقول العراقي أحمد السعداوي "لا يوجد إلهام أو وحي ينزل وتنزل معه الرواية، فالرواية عمل مركب يستغرق وقتاً، لا أنكر أن الموهبة والخيال لهما دور كبير وحاسم في إنتاج الأعمال العظيمة، ولكن دون العمل لوقت طويل، ودون التأمل وجمع تفاصيل، وبذل كل الجهد، لا تنتج الأعمال العظيمة"، والرواية عنده هي فن الحياة، وهي فن التفاصيل. 
أما اللبناني جبور الدويهي فيعتمد في بناء الشخصيات الروائية على نماذج أشخاص في الحياة الواقعية، ويقول "الحياة ومن باب أولى حياتنا ومعارفنا وعلاقاتنا هي التي تمدنا بالموارد البشرية والنفسية التي نؤسس عليها صياغة العالم المتخيّل. والمؤكد أن حياة واحدة لا تكفي لإغناء الشخصيات الروائية المحتاجة إلى الاستعارة من مصادر ومرويات متعددة. لكن ما يمكن تسميته "المنطق الروائي" يفترق سريعاً عن منطق الوقائع المعيشة، ومع هذا الافتراق تسلك الشخصيات والأحداث مساراً خاصاً لا يعود مطابقاً في أي حال للنماذج الواقعية الأولى".   وينصح الفلسطيني يحيي يخلف بتجنب الكتابة السريعة عن الحدث الآني، ويذكر: حين كتبت "نجران تحت الصفر"، لم أكتبها مباشرة فور عودتي من السعودية، بل بقيت مختمرة في ذهني إلى أن كتبتها بعد قرابة تسع سنوات، أنا على قناعة، بأن الكاتب كلما ابتعد عن الحدث ينظر إليه بموضوعية ووعي وعمق أكثر.  
والمصري يوسف القعيد يفهم الأدب باعتباره التزاما، ويضيف "حتى وإن هاجمني البعض باعتباره أدباً سياسياً، فليس بإمكاني صياغة قصص حب منفصلة عن الواقع الذي يغلفها، لست من صناع أدب الهروب من مواجهة الواقع، وهذا لا يعني أن ما يكتب في هذا النوع من الأدب ليس بجيد، بل بعضه قد يكون أدباً خالداً، لكنه لا يستهويني".
ذكريات في المنافي
تصف بديعة زيدان رواية "لا تشبه ذاتها" لليلى الأطرش، بأنها رواية الألم المركب لمهاجرين ومهجّرين تجمعهم "عاصمة الضباب"، فالمنفى فضاؤها وقدر شخصياتها، أما العراقية إنعام كجه جي، فغزو العراق كان الحد الفاصل بين كتابتها الصحفية وإبداعها الرواية، وتقول "وجدت نفسي سجينة وسيلة للتعبير غير قادرة على الإحاطة بكل ما أود قوله حول ما يجري في العراق ما يعيشه أهله، وكانت الرواية هي الحاضنة التي استقبلت استطراداتي"، وتضيف "عشت في الغربة ضعف العمر الذي عشته في الوطن، وكانت ذاكرتي هي متاعي الذي يدفئني ويسوّرني ويقيني من عثرات كثيرة، فأعجب لنفسي حين تنثال لي صور جلسات السمر في بغداد، وذكريات المطاردات في أيام الانقلابات، وبراميل الزبالة في الحدائق الخلفية التي يحرق فيها الناس كل الكتب والصور والمنشورات الخطرة عند مجيء عهد جديد (زاهر) على أنقاض عهد (بائد). إن لم يحتفظ الإنسان بالسكين التي كوت جلده، وبطعم القبلة التي سوّته بشراً، فبم يحتفظ؟”. 

حوارات أدبية
رحلة في قطار عبر ذاكرة لا تنضب

والسورية مها حسن تقول "المنفى هو التأرجح بين الوجود واللاوجود، لهذا اشتغلت على تفصيل المنفى الجديد على السوريين، هذا المنفى الكبير، حيث يكاد يكون وطناً بديلاً، بشروط مختلفة عن الوطن في الأرض الأولى، عن الأرض البديلة. وأكثر ما يشغلني ويسيطر على عالمي الإنساني والكتابي معاً الهجرة أو التهجير أحياناً، الشتات السوري، التمزق بين البلدان". 
لكن المنافي لا تنتج الرواية دائما فيعترف الفلسطيني محمود شقير "حين كنت منفيًّا خارج الوطن، فإنني لم أعد قادرًا على كتابة القصة القصيرة التي اعتدت كتابتها أثناء إقامتي في الوطن، فاستعضت عن ذلك بكتابة القصة القصيرة جدًا، التي لا تحتاج إلى مكان مكتمل، إذ تكفي طاولة في مقهى، ويكفي مقعد في قطار ليكون مكانًا في قصة قصيرة جدًّا".
الوطني والإنساني
من أهم وأمتع الحوارات في الكتاب، ما أجرته الكاتبة مع الفلسطيني إبراهيم نصرالله، وفيه يقول "كل عمل وطني كتبته ينتمي للإنساني أولاً، كما أن كل عمل له علاقة بالإنساني الواسع، كان يضمر في داخله شيئاً ما من فلسطين، الذين حشروا فلسطين في (وطنيتها) جعلوها تخسر إنسانيتها ووطنيتها، لكن الذين رأوا جوهر إنسانيتها، هم من جعلوها قضية ذات بعد كوني ووجودي".  
ويضيف "لقد رأيت البشر أولا، ويمكن أن أضيف رأيت البشر قبل أن أرى الحقل والحجر، وكنت أدرك أن فلسطين إنسان، وكنت أدرك أنني كقارئ، حين أقرأ رواية، أحب شخوصا وأكره شخوصا، أنني أقرأ قصصهم ومشاعرهم، ومعاناتهم، وإذا تم ذلك، أحبّ وطنهم. وهذا ما فعلته، أن أجعل القارئ يعرف الفلسطيني ويعيش حكايته، ويفرح لأفراحه ويحزن لأحزانه، كي يحب فلسطين تلقائيا، وحتى قبل أن يفكر في ذلك". (وكالة الصحافة العربية)