ما بعد القمة الأميركية الروسية

نوايا تحسين العلاقات الأميركية الروسية واضحة. من المبكر الحكم من دون أشياء ملموسة على الأرض.


ابرز ملفين يقلقان واشنطن حاليا هما نووي ايران وصواريخها الباليستية


القمة الأولى لن تكون قادرة على استيعاب مجمل المشاكل ووضع اطر قابلة للحل

قبل ساعات من انطلاق القمة الأميركية الروسية في جنيف أعلنت موسكو عزمها تسليم طهران قمرا صناعيا متطورا، وهو ببساطة إشارة واضحة الى مستوى المباحثات بين الطرفين، التي استغرقت ترتيباتها زمنا ليس بالقليل، وهو نتاج استعار حرب باردة متجددة وسط سياق جديد لسباق تسلح دفع فيه الطرفان اثمان باهظة، من بينها انهيار الاتحاد السوفياتي نتيجة هذا السباق. وفي أي حال من الأحوال، لا يبدو ان هذا الملف هو الي سيحكم طبيعة العلاقات في أجواء فيها الكثير من أسباب وخلفيات التوتر بين الطرفين.

والقمة التي استغرقت خمس ساعات كجولة واحدة دون تقسيمها كما كان مفترضا، تدل على رغبة الطرفين في ان تكون النتائج المبدئية سلة واحدة، وبخاصة ان مستوى الربط للكثير من القضايا من الصعب فصل ادارتها في أجواء دولية ضاغطة، تشي بصعوبة تقديم تسهيلات ان لم تكن تنازلات الا في اطر دقيقة ومدروسة تماما. وبالعودة الى استراتيجيات الطرفين ومنها وثيقتي الامن القومي الروسي والأميركي، تظهر تمسكا حادا بالمواقف في القضايا ذات الصلة بالمسائل الحيوية وكذلك بالعلاقات المتعددة الطرف التي ينسجها الطرفان في غير قضية إقليمية. وبصرف النظر عن حساسية تلك الملفات ظلت أجواء القمة مقتصرة بشكل عام على المسائل البينية، وهو امر طبيعي في ظل لقاء اول بين الطرفين بعد تسلم بايدن مقاليد السلطة في واشنطن في يناير/كانون الثاني الماضي. ومن ابرزها قضايا حقوق الامسان التي تتعامل بها واشنطن مع موسكو كالضرب على اليد التي توجع (قضية نافالتي)، وسباق التسلح واتفاقية الحد من انتشار الاسلحة النووية المتوسطة الأخيرة، والتي تعتبر امتدادا لاتفاقيتي سالت 1 وسالت 2 لعام 1970 التي كانت تجدد كل خمس سنوات، إضافة الى الهجمات السيبرانية التي نفذت مؤخرا على مؤسسات رسمية أميركية والتي تتهم بها موسكو.

ثمة قضايا إقليمية ودولية وان لم يُشر اليها بوضوح ان كانت جزءا من اللقاء ام لا، فبالتأكيد سيطرت على مناخات القمة من بينها الازمة الاقتصادية العالمية في ظل جائحة كورونا، إضافة الى العقوبات الاقتصادية الأميركية على روسيا، التي تعتبر مؤشرا واضحا على العلاقات المربكة بين الطرفين والتي لم تجد حلا خلال السنوات الماضية.

ان ابرز ملفين يقلقان واشنطن حاليا، هما مفاوضات البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، وهما ملفان يلقيان بشكل او بآخر بيئة روسية حاضنة، باعتبارهما ورقتين اضافيتين في مواجهة الضغوط الأميركية والتي يمكن الاستثمار فيهما سياسيا في غير منصة إقليمية ودولية. إضافة الى ازدياد منسوب الاستثمار الروسي في التدخل العسكري في الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، وهو بيت القصيد في ترتيب أسس العلاقات بين الطرفين على اعتبار ان الشرق الأوسط يشكل مجالا حيويا واستراتيجيا للسياسات الخارجية الأميركية ومستوى تحالفاتها مع العديد من الدول الوازنة في المنطقة التي تقيم معها واشنطن شراكات استراتيجية وازنة.

لا شك ان لقاءً أولا بين الرئيسين بعد توتر ملحوظ لن يكون قادرا على استيعاب مجمل المشاكل ووضع اطر قابلة للحل، انما يشكل بداية مقبولة نسبيا لتكوين بيئة مقبولة لمسارات يبنى عليها لاحقا، وما يعزز تلك الرؤى والخطوات من الاتفاق على عودة السفيرين الروسي والأميركي الى واشنطن وموسكو، بعد تبادل طرد الدبلوماسيين وسحب السفراء بين الطرفين سابقا.

يبدو مبدئيا، ان لقاء القمة أسس لبيئة نوايا تحسينية للعلاقات بين الطرفين، الا ان إجراءاتها التنفيذية مرهونة بالعديد من القضايا الحساسة التي تتطلب تفاهمات دقيقة تصل الى حد التراجع او حتى التنازل عن مواقف ومشاريع متبادلة كانت من بين الأسباب الرئيسة لتوتير العلاقات بين الطرفين.