محمد محفوظ يحدد هوية الدولة في الإسلام

المفكر السعودي محمد محفوظ يناقش في كتابه "الدولة العربية المعاصرة - بين جدليات الاستقرار والإصلاح" إشكالية الدولة الحديثة بمختلف بلدان العالم العربي.


ضرورة تحرير المجتمع المدني ورفع القيود عن حركته وفعاليته


الفقيه يمارس دوره في الصف الأول كفرد مواطن مدني

يناقش المفكر السعودي محمد محفوظ في كتابه "الدولة العربية المعاصرة - بين جدليات الاستقرار والإصلاح" إشكالية الدولة الحديثة بمختلف بلدان العالم العربي بين بناء الدولة والمحافظة على استقرارها والإصلاح الذي يتحدد بطبيعة الأنظمة العربية من خلال معالجة العوامل الداخلية والخارجية، مؤكدا على ضرورة "تحرير المجتمع المدني ورفع القيود عن حركته وفعاليته، حيث إن الدولة وحدها، لا تتمكن من خلق كل شروط ومتطلبات التحول، بقدر ما هي بحاجة إلى جهد المجتمع المدني الذي يستطيع القيام بالكثير من الخطوات والأعمال في هذا الاتجاه. لهذا، فإن رفع القيود اليوم عن أنشطة مؤسسات المجتمع المدني، يعد من الأمور المهمة، التي تساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي والمحافظة على الاستقرار السياسي".
يقسم محفوظ كتابه الصادر عن دار روافد بالقاهرة إلى أربعة فصول؛ في الأول "الإسلام وسؤال الدولة في العالم العربي" عالج قضايا الوحدة والتعدد في الفكر الإسلامي المعاصر، والعرب والمسألة الدينية، والحوار الديني والتفاهم المدني، وعلاقة الأقليات الدينية بالدولة في العالم العربي، والإسلام السياسي وضرورات التحول من الأصولية إلى المدنية وغيرها. وفي الثاني المعنون بـ "العالم العربي بين الطائفية والدولة الحديثة" تطرق إلى قضايا الدولة والطائفية وإشكاليات الوحدة والسلم المجتمعي، وراهن المسألة الطائفية وجدلية الديني والمدني والإرهاب وتخريب الدول، وغيرها. وخصص الفصل الثالث "الدولة العربية بين السياسي ـ الديني والمدني" لقضايا مفهوم الدولة القوية وسؤال التحول المدني وحقوق الإنسان والتنمية وأوليات الثقافة السياسية، والأمن وجدليات الحرية في الواقع العربي، وغيرها وفي الفصل الأخير "الدولة العربية بين سؤال المواطنة وتداعيات الربيع العربي" تناول قضايا الاستقرار السياسي والدولة العربية بين آليات التفكيك وسياقات التحول، ودولة المواطنة وتحولات السلطة والدولة في العالم العربي، والربيع العربي ومخاطر عودة الاستبداد السياسي.

مؤسسات الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية، كانت تمارس دورا أساسيا في تنظيم حياة الناس السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية

ويرى محفوظ أن التأمل في طبيعة الوظائف تقوم بها الدولة في الرؤية الإسلامية، يجعلنا نعتقد بشكل لا لبس فيه، أن الدولة في الإسلام هي دولة مدنية وليست ثيوقراطية، وأن المهام والوظائف الملقاة عليها وظائف مدنية، ولعل من الأخطاء الشائعة في الكثير من الدراسات والأبحاث السياسية التي تتعلق بفقه الدولة في المنظور الإسلامي، هو عملية الخلط التاريخي بين وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم أو الإمام ووظائف الدولة كمؤسسة جامعة وحاضنة لكل التعبيرات والمكونات، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو على رأس الدولة في التجربة التاريخية، كان يقوم بوظائف وأدوار بوصفه رسولا ونبيا، وليس بوصفه رئيس الدولة.
ويتابع "إن عملية الخلط على هذين الصعيدين، هو الذي أربك الرؤية تجاه مفهوم الدولة في التجربة التاريخية الإسلامية، وحتى تتضح رؤيتنا في هذا السياق، من الضروري أن نحدد وظائف الدولة كمؤسسة وهياكل إدارية بعيدا عن المهام والوظائف الدعوية والدينية والأخلاقية التي كان يقوم بها الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه رسولا ونبيا، والقرآن لا يصف دولة، بل وصف مجتمعا وإذا ما كان القرآن أفقه الفقه والفقيه، فلا يجوز للأخير أن يتخطاه، أي أنه ليس من شأنه أن يصف شكل الدولة ولا طريقة تشكلها، بل يصف عدلها وجورها فيحث على العدل ويحرض ضد الجور، حتى إذا ما بلغ الجور مستوى نوعيا، إنضم الفقيه في الاجتماع وفي الطبقة السياسية المعترضة، ليعملوا معا على التغيير، على موجب العدل والعدالة والتقدم، والحرية شرط الشروط.
 وهنا يمارس الفقيه دوره في الصف الأول كفرد مواطن مدني. وفي الأساس الفلسفي للمسألة أن الاجتماع، بما هو متحديات ثقافية يدخل الدين في أساسها ثابت، بينما الدولة متغير، والمتغير محفوظ في الثابت منهجيا، كما أن الثابت محفوظ في المتغير، ولكن من دون مشروع محدد سلفا، لأن الدولة كضرورة اجتماع مفهوم متحرك تقدر بظروفها".
ويحدد محفوظ وظائف الدولة ـ أية دولة ـ بعيدا عن مضمونها الأيديولوجي ورسالتها العقدية في التالي: 
أولا: حفظ الثغور والحدود ومنع أية محاولة للتعدي والعدوان. وإن أي خلل على هذا الصعيد يعد تهاونا من مؤسسة الدولة، فالأهداف الحقيقية والمطلوبة من مؤسسة الدولة، بصرف النظر عن أيديولوجيتها ومتبنياتها العقدية والفكرية، هي حفظ الأمن وتوفير الاستقرار والسلام وإقامة العدل وحفظ حقوق الأفراد وحرياتهم وضمان التقدم الاقتصادي، وتوفير الفرص للجميع بلا تمييز ومحاباة وحماية المستقبل للأجيال المقبلة، فصد العدوان بكل أشكاله، هو من المهام والوظائف الأساسية للدولة، وأي تقصير لها في هذا السياق تحاسب عليه.

الفكر العربي
المفكر السعودي محمد محفوظ

ثانيا: حفظ المصالح العامة: فمؤسسة الدولة لا يمكنها تعميق شرعيتها في الفضاء الاجتماعي، بدون سعيها المتواصل لحفظ مصالح شعبها العامة. والدولة التي تفرط بمصالح شعبها تفقد شرعيتها الاجتماعية ولا تلتزم بوظائفها الرئيسية.. فكل التصرفات والممارسات الداخلية والخارجية، التي تقوم بها الدولة ينبغي أن تكون في نطاق حفظ مصالح المجتمع المتعددة.
ثالثا: تحقيق العدالة: في المجتمع الإنساني حيث تتضارب الإرادات وتتعدد الميولات وتتراكم نزعات السيطرة والهيمنة، تكون من وظائف الدولة الكبرى تحقيق العدالة في المجتمع، سواء في الفرص التي تتيحها لشعبها، أو في توزيع الثروات والإمكانات، أو في مشروعات البناء والتنمية. فالدولة كمؤسسة معنية بإنجاز مفهوم العدالة في حياة مجتمعها. "فبيان الأحكام الشرعية من شؤون الإفتاء وهي وظيفة الفقهاء، وليس للحكومة أن تمنع من توفرت فيه شرائط الإفتاء من بيان الأحكام الشرعية وتعليمها، وليس لها – أيضا – المنع من أن يرجع المواطنون إلى الفقهاء لأخذ الفتيا، وإن اختلفت الآراء الفقهية، ما لم تكن ثمة مصلحة تقتضي أن يكون الاجتهاد موحدا. كما في مجالات السياسة والاقتصاد والجهاد، فيكون الاجتهاد المتبع إما اجتهاد الحاكم إن كان مجتهدا، أو يختار اجتهاد من بين الاجتهادات، فيكون هو الملزم. ولكن مع ذلك لا يمنع ذلك الفقهاء الآخرين من إبداء رأيهم المخالف، لأن توحيد الاجتهاد يقتصر على مجال العمل والتنفيذ. وربما يختزن هذا الرأي – ضمنا – قدرا كبيرا من إعطاء حرية التعليم في الدولة الإسلامية، إذ في الوقت الذي لم يكن فيه الحق للدولة الإسلامية أن تحتكر التعليم الديني، فربما من الأولى عدم إعطاء الحق لها في احتكار التعليم غير الديني، ما لم يكن يتعارض مع النظام العام في الدولة الإسلامية.
ويقول محفوظ إنه من خلال هذه الوظائف يتضح أن وظيفة الدولة الأساسية وظيفة مدنية، تستهدف المساهمة في تأمين حاجات المجتمع الضرورية، والعمل على خلق فرص التقدم وأسباب التطور في المجتمع، "في الفلسفة السياسية الحديثة إن الدولة كيان اصطناعي ابتدعته الجماعات الإنسانية لتنظيم اجتماعية، وضبط صراعاته بوضع قواعد لها تكون محط مواضعة واتفاق، وموطن احترام وتوقير. ويقترن بهذه الفكرة التسليم بأن ماهية الدولة ذاتية، تكون منها هي: كتمثيل للمجتمع والأمة، لا من خارجها، وأن وظيفتها اجتماعية وليست أخلاقية أو دينية، أي أنها تنصرف إلى إشباع حاجات مادية في المجتمع (الأمن، حماية الكيان، تدبير شؤون العامة.. الخ)، لا إلى خدمة مبدأ أعلى: أخلاقي أو ديني أو ما في هذا المعنى، ذلك أن المبدأ الذي أسس الدولة في التاريخ هو المصلحة العامة والمشتركة للناس في مجتمع ما". 

الوصول إلى مجتمع عربي – إسلامي جديد، يأخذ على عاتقه مسؤولية التاريخ والشهادة على العصر، بحاجة إلى تنشئة ثقافية وسياسية جديدة، تغرس في عقول ونفوس أبناء المجتمع قيما جديدة تنشط الحركية الأهلية

ويشير محفوظ إلى أن مؤسسات الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية، كانت تمارس دورا أساسيا في تنظيم حياة الناس السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.. ويتكثف دورها ويتعاظم في زمن انحطاط الدول أو غيابها أو هروبها من مسؤولياتها تجاه الأمة.. وفعالية الأمة السياسية والثقافية والحضارية، من الأمور المهمة على مستوى الغايات التي تتوخاها المنطقة العربية والإسلامية، وعلى مستوى العمران الحضاري، إذ أن الأهداف الكبرى التي تحتضنها الأمة وتتطلع إلى إنجازها وتنفيذها، لا تتحقق على مستوى الواقع إلا بفعالية الأمة وحركتها التاريخية وتجسيدها لقيم الشهادة. والمجتمع المدني ـ الأهلي، هو أحد جسور الأمة لإنجاز تطلعاتها وتنفيذ طموحاتها، لذلك من الأهمية بمكان العمل على تطوير ثقافة مدنية ـ أهلية، تبلور مسؤوليات المجتمع، وتحمله دورا ووظائف منسجمة واللحظة التاريخية.
ويضيف إن تجذير هذه النوعية من الثقافة في المحيط الاجتماعي،سيضيء سبلا مهمة لمبادرات المجتمع وريادته في العمران الحضاري، وذلك لأن هذه الثقافة ستنشط من حركية المجتمع وتزيده تماسكا في طريق البناء والتنمية، وتعزز بعضه بعضا، وتعمق في نفوس أبناء المجتمع الثقة والفعالية والانفتاح على الأفكار والتجارب الجديدة، والمرونة التي لا تعكس ضعفا وهزيمة، وإنما مرونة قوامها الثقة بقدرة الآخرين على المشاركة في البناء، والتسامح حيال الاختلافات والمواقف القلقة والملتبسة.
ويؤكد أن الوصول إلى مجتمع عربي – إسلامي جديد، يأخذ على عاتقه مسؤولية التاريخ والشهادة على العصر، بحاجة إلى تنشئة ثقافية وسياسية جديدة، تغرس في عقول ونفوس أبناء المجتمع قيما جديدة تنشط الحركية الأهلية، وترفده بآفاق جديدة، وإمكانات متاحة، وتطلعات حضارية. والتنشئة الثقافية والسياسية، من الوسائل المهمة التي تساهم في تطوير الحقل المدني – الأهلي في الأمة. وإن شبكة العلاقات الاجتماعية، كلما كانت متحررة من رواسب الانحطاط والتخلف، وبعيدة عن آثارهما النفسية والعامة، كانت هذه الشبكة قوية وفعالة. وإن التنشئة الثقافية والسياسية السليمة، تساهم مساهمة كبيرة في حركية هذه الشبكة وقدرتها على تجاوز المحن والابتلاءات، وتوفر لها الإمكانية المناسبة للتعاطي مع اللحظة التاريخية بما يناسبها وينسجم مع متطلباتها.
يذكر أن محمد محفوظ مدير مركز آفاق للدراسات والأبحاث، ورئيس تحرير مجلة "الكلمة" السعودية، كاتب رأي أسبوعي في جريدة الرياض. صدر له العديد من الأعمال، من بينها: الإسلام والغرب وحوار المستقبل - الأهل والدولة، بيان من أجل السلم المجتمعي - الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل - الأمة والدولة من المقاطعة إلى المصالحة - الحضور والمثاقفة، المثقف العربي وتحديات العولمة، الإسلام ورهانات الديموقراطية، وغيرها.