مختبر عالمي للقتل ونحن زومبي العصر

القتل الذي يؤدي بالضرورة إلى برك دم متواترة وموزعة على مناطق مختلفة من العالم عبر خلق قطعان زومبي وأذرع إجرامية يتم تمويلها وبرمجتها محلياً وفقاً لضرورات الاستقطاب والمنافع السلطوية.


ترامب يحاكي بطريقة فضائحية قول المفكر والأديب الإنكليزي جورج أورويل "لغة السياسة تم تصميمها لتجعل الكذب يبدو صادقاً والقتل محترماً"


سؤال الموت يصبح أكثر مشروعية وأصالة كونه صناعةً واستثماراً بالدرجة الأولى

ضحايا المقابر كانوا بشراً حققوا أمنية هي في الاصل عقدة نقص لوغد منحل مصاب بعقدة نقص متورمة، هذا الورم هو شهوة السلطان والحكم لا أبلغ مثال نذكره اليوم عن نزعة التوحش هذه سوى (دونالد ترامب) والذي يحاكي بطريقة فضائحية قول المفكر والأديب الإنكليزي جورج أورويل "لغة السياسة تم تصميمها لتجعل الكذب يبدو صادقاً والقتل محترماً"، هذا التجذر بين القتل كآلية دفاعية نجده تاريخياً في وصية هارون الرشيد لولده المأمون فيقول له: والله يا بني لو نازعتني عليها لجززتُ الذي فيه عينيك!
هكذا تعلم المأمون الدرس الأول في الحكم، اقتل كل من يزاحمك على الملك، السلطة مفسدة ومرض، هذه السُنّةَ ستكون مصدر وحي لكل سلاطين بني عثمان طوال حكمهم، يقتل الخليفة أو السلطان كل أشقائه ومن ينافسه من الذكور، تذكر كتب التاريخ أن أحد السلاطين، وهو المدعو محمد، حين ولّي الحكم قتل أربعين من أشقائه بما فيهم رضيع ابن عامين!
فبعد العملية الأميركية التي أودت بقائد فيلق القدس الجنرال الإيراني (قاسم سليماني) في العاصمة العراقية بغداد، وأمام كمية الندب والردح والوعيد والشماتة أيضاً كتصفية سياسية التي ملأت أرجاء العالم الفيسبوكي والتي تكاد تكون أشبه بعملية اغتيال الأرشيدوق ولي عهد النمسا التي كانت القشة التي ألهبت العالم بحرب كونية أولى أزهقت خلالها ملايين الأرواح البريئة دافعها كان الشعور القومي والعصبية والحق الاثني ليعاد تشكيل العالم بعد ذلك بناءً على توافقات بين القاتل المنتصر والقاتل المنهزم إبان معاهدة فرساي ومؤتمر باريس للصلح عام 1920.
هنا يصبح سؤال الموت أكثر مشروعية وأصالة كونه صناعةً واستثماراً بالدرجة الأولى، فالأميركي ممثلاً بسلطته القائمة على البلطجة وفعل الإزهاق الدموي التي تأمسست منذ نشوء دولته قبل ثلاثة قرون ونيف عندما بدأت عمليات الإبادة العرقية الجماعية للهنود الحمر وقوانين الرق، يعيد إنتاج نفسه اليوم أو شكل نشأته الأولى.

نحن الجمهور "المقتول أبداً" هل نمتلك حريتنا في الموت، هذا الموت الذي بأحسن الأحوال الذي يدفع ثمنه دموع تماسيح واعتذارات متأخرة؟

هذا القتل "الذي يؤدي بالضرورة إلى برك دم متواترة وموزعة على مناطق مختلفة من العالم عبر خلق قطعان زومبي" وأذرع إجرامية يتم تمويلها وبرمجتها محلياً وفقاً لضرورات الاستقطاب والمنافع السلطوية إسلاموياً كداعش ومثيلاتها عبر الإفادة من النزعات المتطرفة المزخرفة بواجب ديني ميتافيزيقي، أو عبر وكلائها الاقتصاديين من خلال نشر المرض والأوبئة والمجاعات كبديل نوعي من القتل لتبدو الأمم القاتلة سجينة دمها المتشظي في الأرواح عبر جغرافيا الأرض التي تحولت بفعل الشراهة التسلطية على مقدرات العالم بناسه وثرواته، حفلة دم كبرى لا يعاب عليها و يالسخرية القدر إلا أن تكون جزءاً من حلقة مفرغة من الجماجم والأعضاء المستأصلة من ضلوع ضحاياها ضمن ممارسة روتينية دموية خلال تاريخ هذا العالم البائس.
المضحك المبكي أمام هذا الميكانيزم (قاتل – مقتول - قاتل… الخ) يبدو العرب على امتداد تاريخهم حلبة الصراع الأكثر بؤساً، وهنا يجب أن نفرق بين (عرب السلطة) بما يمثلونه من مصالح وارتباطات ودور معلب يصيرون وفقاً له جزءاً من الآلية التي تمارس القتل.  و(عرب الشعوب) الذين لا يسعهم إلا إن يكونوا مقتولين وإن حملو سلاحاً ومارسوا هذا القتل مادياً عبر التصفية الجسدية الموجهة بذرائع معروفة.
فهم لا يتجاوز دورهم (كتابع لقاتل تابع) ضمن تراتبية الانتحار الجماعي الذي يبقي "عرب السلطة" أحياء تمهيداً لجولة قتلٍ أخرى بأمر من الكهانة السياسية العالمية ممثلة بالولايات المتحدة.
هذا الأصبع المتحرك الذي يتم توجيهه بالريمونت كونترول قد يكون "هوية قاتلة" طائفية عرقية وعشائرية في بلاد تتحكم في لاوعيها الباطن أيديولوجيات مغلقة، فكل حوادث القتل اليومية تعيد هذا الكائن الميت الإسلامي حكماً بشكل أتوماتيكي نحو ميراث دموي لن يكون آخره مقتل "الجنرال سليماني" حسب أحد المعلقين الفيسبوكيين يحيلنا إلى جريمة "آل زياد وآل مروان" وياللفجاعة.

بالتالي يصبح الدين بالضرورة ألية قتل محكمة على حلقاتها جميعاً حيث يتم ربطه بمفاهيم الفداء والافتداء وغيبيات الثواب من خلال التوكيد على فعل الاستشهاد وتعزيزه جماعياً سواء من خلال تفجير النفس، أو حتى مزاولة القتل المعنوي لدى مجالس الفقه الإعلامي تتلطى خلفه بروباغندا ضخمة تعيد تجسيد مفهوم القتل عبر تبني الخطاب ذاته الذي يتحرك في مستنقع الجثث الآدمية النافقة رافعة لواء الحق المضاد الذي يرتكس على سياقه البراغماتي الصرف لإثارة قطيع المقتولين الجدد ضمن منظومة سياسية يكون الإرهاب وسوق المال الملوث رأس حربتها الأول.
وبناءً عليه في هذه الغابة من القتل "المتمدنة" التي تدير فرق الجريمة المنظمة وغير المنظمة  في الغرب وأجهزة استخباراتها عبر فروعها وغرفها السرية حول العالم مما يدفعنا للسؤال نحن الجمهور "المقتول أبداً" هل نمتلك حريتنا في الموت، هذا الموت الذي بأحسن الأحوال الذي يدفع ثمنه دموع تماسيح واعتذارات متأخرة؟