"من يحمل لوني عني" لغة الحزن النبيل

حنان علي تحاول أن تجسد أدبياً تجربتها القاسية بفقدان والدها بسبب الحرب.


ماذا أفعل بطائرتي الورقية .. وسقف غرفتي منخفض


مفاتيح بلا أبواب تخفيها محفظتي، كم علينا أن نتشرد لندرك أن لا بيت لنا

"أربعون ألف سنة من لغة الإنسان، ولا يُمكنك أن تجد حرفًا واحدًا يصف الشّعور الّذي بداخلك تمامًا”!
تبدو هذه العبارة للفيلسوف الفرنسي العدمي سيوران تقديماً مناسباً لكتاب "من يحمل لوني عني" للكاتبة السورية حنان علي الصادر عام 2017 عن دار التكوين في دمشق. وهي تحاول أن تجسد أدبياً تجربتها القاسية بفقدان والدها بسبب الحرب حيث يأخذ النص الأدبي شكل الومضة حاولت أن تقتنص عبر تكثيفها أغلب المعاني الإنسانية والعاطفية والاجتماعية وفق منظورها في تلك الفترة المظلمة من حياتها، فتشكل  لوحاتها فترتقي إلى الشعر الذي يجسد تأملات أنثى حالمة بفضاءات واسعة متحدية فتصطدم بسقف واطئء لا يصل إلى مستوى طموح مشاعرها وذلك عبر ألفاظ وكلمات بسيطة وقليلة تمكنت أن تجسد فيها ما تريد قالت "ماذا أفعل بطائرتي الورقية .. وسقف غرفتي منخفض". 
"مفاتيح بلا أبواب تخفيها محفظتي، كم علينا أن نتشرد لندرك أن لا بيت لنا".
تختصر هذه الجملة المعجونة بالأسى وبثنائية الموت البطيء والتهجير المزدوج، داخلياً تجاه الذات لاستقرائها. وتجزية نكرانها للواقع السوري الحالي.
وخارجياً معبرة عن تشظي وجودي لتلك الذات الوطنية الضائعة في ذوات أفراده.
الكتاب يستخدم لغة سردية - شعرية مكثفة باذخة الجمال تستحضر فيها وجعها الفردي في كل امرأة سورية، هذا اللاوطن الذي لم ندرك بعد تماماً أياً منا يحمل أثامه ولكننا نعلم تماماً من يدفع ثمن هذه الاثام الجمعية. لغة توجع الحزن النبيل، تخثر الدم في عروق الجغرافيا الجافة ولا تستسلم لنكروفيليا محطمة، بقدر ما تحملنا على تشهي هذا الحزن واجتراره لندرك فداحة المأساة والكارثة المرتكبة منذ ثمانية سنوات وأكثر.

العدم مصير جيد أيها الغصن، لتنهار باستسلام جميل، لترتطم بسرب عابر ونتهشم، نتبعثر، نذوي ونذوي، نتلاشى كما اللا شيء

"أخبرني حين خلاص: للدروب اتجاهات دائرية. لم أصدقه العراف الهندوسي".
في هذا المقطع تترمد اللغة لتخلق نيرڤانا الروح السورية البكماء التي استعذبت احتراقها ولم تنضج بعدك أنا جمعية لتعمل أعباء نزيفها الساخن.
"أحبك، حقيقة العالم اليتيمة".
يكتم الصوت، البنت التي أضاعت بنوتها لتعيد قراءة ذواتها الأولى، تتحول، تشكل وجودها المشبع بالفراغ. 
"رأيتك، كنت ترقب جسداً يتضخم، جسدي، لا قيمة للدموع خلف الستارة، لا ثمن لأسى يخفي في أحشائه طفلاً لا يأتي" تستعيد فكرة الولوج أو التداخل بين اثنين مشاع اليتم، والانتماء المريض منجبة طفل الحرب المشوّه، وفاضةً بكارة الإثم الجماعي في وحدة لغوية مطهمة بالتعابير، تعابيرها الخاصة ومجازات الفعل الإنساني المخرب عبر تصوير تفاصيل تفيض بنوستالوجيا حارقة. 
"بك أم تهذي، أمهلها طقوس انتظارك، تشعل بخورها، توزع النذور، تتجرع حنينها سّمها حنيناً مكتوماً".
و"قهوتك بردت، إنه فنجانك، في الثكنة لا يجيدون تحضير البن، مالح طعمها".
تتوالى النكبة في نكبات، في صرير الأسى المزمن، في أمل ينتظر، في انكسار الوجه الأنثوي البارد، في حضور الغياب القلق، في متواليات الحزن القلق لفرحٍ لا يأتي.
"خمس وعشرون بلاطة، وصوتك، وأشلاء الماضي المهين" هنا تغترب مجددا في لجة الدم، أي  حماقة تقودنا إلى القتل؟ والقتل المضاد، حين يضيق المكان لخمس وعشرين بلاطة هي أوسع من كون ينظر إلينا كأرقام، كعبيد لصفقات خارجية يطرح فيها الرأسمال من حساباته إنسانية الإنسان ويلغي الروح ويمحوها ولكن دون جدوى.
تستعيد الكاتبة الوقوف وهي نصف حية يحملها شبق الإصرار مطالبة العالم الرجل بالابتسام لتطرح الأرض اليابسة بالطوفان. 
"عنيدة لأني أنحت مرآتي، وجهك الغريب القريب، من دمه أجمع سفينتي وابتسم، ابتسم لنا. بعنادٍ ابتسم".
إذاً صورة هذا الانتماء مرآة الذات الأنثوية مجدداً التي استطاعت حنان جمع شظاياها المبعثرة لترى بلادها في شهيد ضيعته قضية لم تُشبع غرورها الأرعن، تارةً وتارة امتلك آناه ولكن خانه الوراء المؤدلج وحاملي الشعارات الوهمية.
"دمه لا أحمل صيغته، أنا، امرأة البلاد الغريبة".
ثم تُضمَن الشكل الجوهر في أدوارها المتعاقبة كأنثى منتشيةً بأساها الواعي المكتمل، معلنة صباحاً لا بد سيلج من دخان الحرب الداكنة. 
"تباركي منا، لا يخمدها الكون، فتاة تشبه أمها أنت، يا ابنة الشمس" ومدركةً فلسفة الاسترجاع النوعي لعرق بائس، مستغرقةً في طيات روحها كمن يحفر عميقاً في جسد قاتله ليقتله أو ينتهي منه. ومْحيّيةً ضعفها الوليد ومركب نقصها، محاولةً ليَّ عنق المستحيل.
"من تستعبده هشاشته، الحرية! هل ينشدها، اثنان اتفقنا، عن انفصالهما، عاجزان".

أدب الحرب
من أعمال الفنان جويا

ومتنكرة لهذه الذات، تعلن العصيان، ترفض المسكنة الوضيعة، تكفر بكل شيء، تخيط كفن موتها، ببارقة عابر متهم بالزندقة هي أنا أخرى متحفزة خارج عالمٍ رفضته ورفضها.
"لجذع الجب ذاكرة تفيض كلما مر عابر هنا قتل ملحدان" وتنعي الوطن مجدداً مكرسةً فضيلة ثورة مضادة على حيوات الموت المستمرة محمولةً على تمردها الفردي، على حزن لم يقتلها تماماً.
"لا تعشق امرأة متمردة تثور عليك، لطفلك، أم كل أطفالها أنت" وتذيع نشيدها الحر لأشلاء البيت المهدم، للحقل المحترق، للوجه البائس، للروح الميتة، وتطلقها ضحكة مدوية بوجه من يعرف الإجابة سلفاً.
"كيف يطلقونها - مقطوعو الروح - براقةً، ضحكاتهم" وتختزل المصير مغتالةً الطبيعة طبيعتها القديمة كامرأة قتلتها رومنطيقية الانتماء وتستسلم متأملة مشهد الخراب مختصرة قصة الحرب عابرةً صراط العدم.
"العدم مصير جيد أيها الغصن، لتنهار باستسلام جميل، لترتطم بسرب عابر ونتهشم، نتبعثر، نذوي ونذوي، نتلاشى كما اللا شيء".
"نحن الذين اغترب الوطن فينا، وضاع منا العنوان".
وفي الختام نستطيع أن نستقريء هذه الملحمة المختزلة في هذا الكتاب البديع الذي يحيلنا لذواتنا الأولى كقراء ويعيدنا إلى أول الحرب، أشباها لأنفسنا مقطوعي الظلال  الذي يحاكي بأسلوب المونولوغ الداخلي سيرة امرأة واحدة في نساء "أمهات" سوريات يمكن أن نعبر أي شارع سوري اليوم لنراها فيهن جميعاً.