الذكر الطاغية والثورة الأنثى

حالة التهافت الذكوري وظاهرة التحرش الإلكتروني عن بعد، هي جزء من الحالة العربية الرجعيّة والمتخلفة التي استفزتها التلقائية النسائية في لبنان.


للطاغية الذكر استجابة في حالة التحفز تشبه استجابة الكائنات الزاحفة


الشخص الذي يملك السلطة يزداد عنده افراز هرمون التستسترون وهذا بدورة يطلق الوحشية على مصراعيها. وهو شيء يتمتع به الطغاة دون غيرهم 

نحن لا ننتمي إلا لعقد نقصنا المكتسبة ولذلك "يجب إثارة الحواس وكشف الحب والجريمة والحرب وخصوصاً الجنون" كما يطرح انتونين أرتو فكرته عن المسرح والثورة بينما تغدو عقدة مركب النقص ورماً ينمو وينمو حنى يسدَّ منافد البصر والبصيرة، هذا الورم هو شهوة السلطة والحكم، وهي قاهرة كشهوة الجنس، لا غرابة أن البحوث العلمية أكدت في آخر ما توصلت إليه، أن الشخص الذي يملك السلطة يزداد عنده افراز هرمون التستسترون وهذا بدورة يطلق الوحشية على مصراعيها. وهو شيء يتمتع به الطغاة دون غيرهم .
للطاغية الذكر استجابة في حالة التحفز تشبه استجابة الكائنات الزاحفة، وهي كائنات بسيطة تركيب دماغيا، استجابتها عدوانية وسريعة وشرسة، يدعونها بـ استجابة أدمغة الزواحف، reptile brains ، ولعل هذه الحالة مشترك منطقي بين الطغاة والتماسيح أو السحالي .
تبدو هذه المقدمة منطقية ونحن نقدم لحملة الغطرسة المغلفة بالسخرية والانحطاط من خلال ما نشاهده من ردود أفعال حول الحراك الشعبي اللبناني القائم حيث يقدم الشباب اللبناني اليوم في انتفاضته الشعبية المعيشية التي بدأت منذ السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، والتي أصبحت ثورة عابرة للطوائف والأحزاب في بلد لا يزال يعاني من آثار الحرب الأهلية في سبيعينيات وثمانينيات القرن الماضي والتي أنتجت "ترويكا" حزبية طائفية فاسدة، أنموذجاً مختلفاً عن الانتفاضات الشعبية في البلاد العربية الأخرى (اصطلاحاً ثورات الربيع العربي) فهي خارج كل أطر الهرمية القيمية التقليدية التي تتسم بالصنمية والجمود والتي كرستها على مدى عقود النخب السياسية الحاكمة بكل تياراتها حيث بنت مجتمعاتها بقوة الاستعباد والعنف والتمييز، طبقة تجاه طبقة، وجنس بشري تجاه جنس، كانت النساء دوما في ذيل الطبقات وفي أعلى قائمة الضحايا المستعبدة ولذلك نرى حالة الاستمناء الفكري على صفحات الفضاء الأزرق من أفراد من تلك الدول وهم يشاهدون صور المتظاهرات اللبنانيات بصراختهن العفوية، وطريقتهن في التعبير عن أنفسهن سواء باللباس أو باستعمال الألفاظ النابية والبذيئة بوجه حكام بلادهم الاولغاريشين. 
هنا يبرز الانتصاب الذكوري كحالة تفاعل طبيعي لدى هؤلاء الذين لم يتجاوزوا كهوف معارفهم الأولى لا يمكن وضعها إلا في إطار الجنسي الغرائزي الموجه ناحية الإناث والذكور على حد سواء، وما يحمله هذا الخطاب والذي يبدو "خطاب القوة" من قدرة هائلة على إبراز الذكر في شكله القوي والمسيطر، وإقصاء الأنثى ووضعها في كثير من الأحيان فيما يسميه بالموضع "خارج السياق" باعتبارها تقلب التفضيلات السائدة للنظم الروحانية ذات الطابع الذكوري بالتالي يزداد العري الثوري حضوراً  كفلسفة تُعزّز مكانة متساوية للمرأة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم العربي، والشتيمة كانتقال معاصر نحو تسليط الضوء على الحواجز المبنية على "العرق، الطبقة الاجتماعية، النوع الاجتماعي (الجندر)، الثقافة. والولوج نحو الرحب الإنساني الطبيعي العاقل .

فكرة تحرر المرأة وتساويها ككائن إنساني خالص لا ينقص من قدره تركيبة بيولوجية أو تصنيف نفسي تحمل في طياتها خسائر جمة للمجتمعات الذكورية 

ما لا يعرفه الكثير من هؤلاء المرضى الشعبويين ومُتفرغي الإفيهات و التنذز المثير للتقزز عبر نكات سمجة بأنّ "الألفاظ والشتائم التي تُعتبر نابيةً، وتطال عائلة المشتوم بها باستخدام الاعضاء التناسلية، لا تعتبر كذلك في لبنان. تستطيع أن تسأل من عاش وخبر وخالط اللبنانيين على نحو كاف، ليخبرك أن هذه اللسانيات القاموسية جزء من المفردات العادية التي تشغل الحيز الاجتماعي والتداولي العام مشافهةً و تنذرًا". كما يقول الكاتب اللبناني أحمد أبو عجمية في مدونته الفيسبوكية حول "لبنان وثلاثية الرزيلة والثورة والتحرش عن بعد".
لدى لبنان عموماً هامش تخييلي كبير لدى الذاكرة الانفعالية العربية تحديداً جنسياً ويتم تصويره كأنه فردوس نسائي، وملاذ لطرح الشهوات بسهولة فهو الأكثر انفتاحاً وجرأة وتحرراً لما يتمتع به خصوصية مدينية متقدمة لازمتها تاريخيا. ولذا "فالحراك الثوري الأخير لا يضيف كثيرا إلى ثورية المدينة المتحققة أصلا، بل يرفع حيزها العام المنفتح والحر والمتنوع والمتقدم على التحصينات إلى مستوى استعادة الإرادة السياسية المستلبة، واستعادة حقوقه في العيش بكرامة، منتفضا في وجه من يسرق ماله ويوظف اقتصاده في الخصخصة والفساد والاحتكار وسياسات التجويع والتهجير". 
كما يتابع أبو عجمية في مدونته التي تمثل واقعاً قهرياً متحققاً في جواره العربي الذي عندما ثار وبخلاف لبنان - حتى الآن - برزت الغرائزية الفكرية مجسدة في أبوية دينية إما خرجت من الجوامع أو ارتبطت بيوم الجمعة كملحق طبيعي لبنية مجمتعية قائمة على مخرجات التمايز الديني ما أدى فيما بعد للاقتتال المذهبي والطائفي والعشائري.
إن حالة التهافت الذكوري وظاهرة التحرش الإلكتروني عن بعد، هي جزء من الحالة العربية الرجعيّة والمتخلفة التي استفزتها هذه التلقائية النسائية، وأثارت رعبها كون إن فكرة تحرر المرأة وتساويها ككائن إنساني خالص لا ينقص من قدره تركيبة بيولوجية أو تصنيف نفسي تحمل في طياتها خسائر جمة للمجتمعات الذكورية .