معركة السيطرة على معيتيقة... نورماندي ليبيا وتحدد مصيرها

ينظر كثير من الناس إلى معركة السيطرة على معيتيقة على أنها "نورماندي ليبيا" بأكملها، وليس العاصمة فقط، فمصير هذه المعركة قد يحدد مصير ليبيا.

بعيد إسقاط النظام، وفي ظل الفوضى التي سادت البلاد، تشكلت مجاميع مسلحة في مختلف المناطق، هدفها الأساسي حماية المنطقة من أعمال السرقة والإجرام. ومع مرور الوقت، تمت شرعنة تلك الميليشيات، وأصبح أفرادها يتقاضون رواتبهم من الدولة. ولم يعد هناك جيش وطني، لأن الحكّام يرون فيه خطرًا يهدد مصيرهم.

جيء بالدبيبة، ومن قبله السراج، من أجل إيجاد حل لمشكلة الميليشيات، وإقامة انتخابات حرّة ونزيهة للخروج من المراحل الانتقالية، وتأسيس دولة تحمي مواطنيها، وترعى مصالحهم، وتبعد شبح الحرب بين مكونات الشعب، وتفك الارتباط مع القوى الخارجية المتدخلة في الشأن الليبي، مع إقامة علاقات ندّية معها وفق المصالح المشتركة.

لكن ذلك لم يحدث، بل أثّرت تلك التدخلات في الشأن المحلي على حساب اقتصاد المواطن ومعيشته.

ما يقرب من خمس سنوات والسيد الدبيبة يقيم أوثق العلاقات مع أمراء الميليشيات، يغدق عليهم الأموال، ويشاركونه في تسيير شؤون البلاد، ويقوم بتعيين من يريدون في قيادة معظم أجهزة الدولة، بل وتعيين بعضهم في السفارات دون امتلاكهم لأدنى معايير الكفاءة المهنية.

وبين الفينة والأخرى، يحدث تصادم بين الميليشيات لأجل تقاسم النفوذ، في مشهد أشبه بصراع "أسود الغابة"، وغالبًا ما تؤدي تلك المشاحنات إلى إزهاق أرواح مدنية، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، مما يثير غضبًا شعبيًا واسعًا.

فجأة، ودون سابق إنذار (ربما بأوامر خارجية)، ارتأى الدبيبة السيطرة على الميليشيات وإخضاعها لحكومته. البعض أذعن بسبب سخاء العطايا، وآخرون لم يرضوا بذلك فناصبوه العداء، مما خلق حالة من التعاطف الجهوي المشحون بروح المهانة والإذلال، وكأنهم مستهدفون بإجراءات الدبيبة.

العاصمة شهدت العديد من أعمال العنف التي أثرت سلبًا على أمنها واستقرارها. أما غرب البلاد، فلم يعد بأكمله تحت سيطرة الدبيبة، بما في ذلك منطقة الزاوية ومحيطها.

أما العاصمة، فإن طرفها الشرقي، المتمثل في سوق الجمعة ومحيطها، يضم مطار معيتيقة، الذي أصبح المنفذ الجوي الرئيسي لغرب الوطن بعد تدمير مطار طرابلس الدولي في عام 2014 على يد الميليشيات بسبب صراع الفرقاء على السلطة.

الدبيبة لم يكن يومًا يرغب في ترك السلطة، ويسعى إلى إطالة بقائه فيها ما استطاع، غير آبه بمطالبات الشعب المتكررة بتنحيه، والتي أفضت إلى توصية أممية تنص على ضرورة تشكيل حكومة موحدة لكل البلاد، تفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية تُنهي الأزمة الليبية المستفحلة منذ سنوات.

ولأجل تقويض تشكيل الحكومة الجديدة والبقاء في السلطة، فإن السيد الدبيبة، وبدعوى إخضاع الميليشيات لسلطته، يجهّز العدّة للقضاء على الميليشيا التي تسيطر على معيتيقة، وهي بالأساس تمثل سكان سوق الجمعة ومحيطها. ويرى هؤلاء أن ما يجري هو استهداف مباشر لهم، إذ يقولون: لو كان الدبيبة جادًا في حل أزمة الميليشيات، فعليه أن يباشر أيضًا بحل أو معالجة عشرات الميليشيات المنتشرة غرب البلاد، ومنها تلك الموجودة في مصراتة، مدينة رئيس الحكومة، والتي يتواجد بها العديد من الميليشيات التي يستدعيها الدبيبة عند الحاجة لهزيمة خصومه.

فنرى الأرتال العسكرية الضخمة تتوجه إلى العاصمة لفرض السيطرة، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار وبث الرعب بين السكان. كما أن بعض الميليشيات المحسوبة على مصراتة تتواجد بشكل دائم في العاصمة لمساندة الدبيبة.

ينظر كثير من الناس إلى معركة السيطرة على معيتيقة على أنها "نورماندي ليبيا" بأكملها، وليس العاصمة فقط، فمصير هذه المعركة قد يحدد مصير ليبيا.