من سيدي أبو السعود الجارحي إلى سيجموند فرويد

لماذا تخصص سيدي أبو السعود في معالجة المشاكل النفسية للسيدات ولماذا أصبح بمثابة سيجموند فرويد لحي مصر القديمة والأحياء المجاورة؟


طلبات السيدات تختلف حسب الوضع الاجتماعي لكل منهن


أصعب الطلبات هي التخلص من العفاريت

ولدت ونشأت في المنطقة الشعبية من مصر القديمة بالقرب من جامع عمرو بن العاص ومدينة الفسطاط العاصمة القديمة قبل نشأة القاهرة الفاطمية، وكان بالقرب منا مسجد أحد الأولياء الصالحين وهو (سيدي أبو السعود الجارحي) وكان من عهد المماليك وطومان باي، وكان يتوسط أحيانا لحل النزاع بين المماليك والسلطان طومان باي، وكان شيخا له كرامات ومريدين كثيرون، وخاصة من السيدات اللاتي كن يأتين من كافة الأحياء الشعبية والقرى في محافظة الجيزة كل يوم ثلاثاء (لست أدري لماذا يوم واحد في الأسبوع يبدو أنه كان يأخد باقي الأسبوع أجازة)، وكانت طلبات السيدات تختلف حسب الوضع الاجتماعي لكل منهن، فهذه فتاة عانس تطلب عريسا من سيدي أبو السعود، وتلك زوجة تطلب من سيدي أبو السعود أن يريحها من حماتها، وأخرى تطلب أن تتخلص من ضرتها، وزوجة تطلب منه أن يربط وزجها بحيث لا يستطيع أن يلعب بذيله مع أي امرأة أخرى، وكلها طلبات مشروعة وسهلة بالنسبة لولي من أولياء الله الصالحين مثل (سيدي أبو السعود).
كانت أصعب الطلبات هي التخلص من العفاريت، وذلك عندما تشعر سيدة أن هناك عفريتا يركبها ويجعلها تتصرف تصرفات غير طبيعية، وكانت تذهب وتصلي وتدعو في حضرة ضريح سيدي أبو السعود لكي يخلصها من العفريت، والحقيقة أن طلبات التخلص من العفاريت كانت خارج نطاق وقدرات وتخصص سيدي أبو السعود الجارحي، لذلك كان ولا بد من اللجوء إلى "الزار" وهي عملية مكلفة، وتقوم بها سيدة متخصصة فنية تسمى كودية الزار (كودية الزار هي مايسترو فرقة الزار الموسيقية). 
كنت وأنا طفل أتشعبط فوق أحد شبابيك الدور الأرضي لبيت كودية الزار لكي أشاهد السيدة الممسوسة بالعفريت وهي تقف في وسط حلقة من النسوة والجميع يرقص ويهز الرأس والخصر يمنة ويسرة ويرددون (الله...الله...الله..) على أصوات دفوف عالية جدا ويستمر الرقص والذكر حتى تصاب السيدة المريضة بالعفريت بالإغماء من فرط التعب أو أن يكون العفريت نفسه تعب وقرر أن ينفذ بجلده من هذه الدوشة، وبذلك تعلن كودية الزار أن الست (أم بخاطرها) قد تخلصت من العفريت ببركة سيدي أبو السعود والذي يقع ضريحه على بعد خطوات من بيت كودية الزار.
لست أدري لماذا تخصص سيدي أبو السعود في معالجة المشاكل النفسية للسيدات ولماذا أصبح بمثابة سيجموند فرويد لحي مصر القديمة والأحياء المجاورة؟ حتى أن بعض الحشاشين في المنطقة إبتدعوا أغنية فاجرة وكانت تبدأ هكذا: "يا سيدي أبو السعود ... يا بتاع النسوان". ولا أستطيع أن أذكر باقي الأغنية هنا لأن إدارة التحرير سوف تحذفها.
وأنا أعتقد أن زيارة أضرحة أولياء الصالحين بصفة عامة والتبرك بهم وعمل قائمة بالطلبات بعضها ممكن وبعضها مستحيل هو شيء لا غبار عليه بل وأعتقد أنه شيء صحي ويعطي الناس بعض الراحة والأمل لهؤلاء الناس الذين لا يؤمنون بالطب النفسي من جهة ولا يتحملون تكلفته من جهة أخرى، وأنهم يضعون أحمالهم النفسية فوق رأس سيدي أبو السعود وغيره، حتى أنهم عندما يدعون عند أحد الأضرحة يقولون: "خليت حمولي عليك يا حسين" حتى الأخطاء التي يرتكبونها في حياتهم يطلبون من الحسين والسيدة زينب بالتوسط لدى الخالق لطلب المغفرة، وهذه لا تبعد كثيرا عن فكرة أن المسيح عيسى قد تحمل كل حمول وهموم وخطايا البشر وأنه بسبب هذا قد تم صلبه فداء لكل البشر.  

fine arts
والنبي لأكنس عليكي السيدة

من الأمثلة الطريفة في مصر، عندما تقول سيدة لضرتها أو حماتها كنوع من الإنتقام: "والنبي لأكنس عليكي السيدة" وهي تعني أنها سوف تذهب لكي تكنس مسجد السيدة زينب ثم تدعو عليها، ونظرا لأنها قد قامت بهذا العمل الجليل وهو تنظيف المسجد فإن دعاءها عند ضريح السيدة سوف يجد استجابة أسرع نتيجة المجهود الذي قامت به، حيث إنها لم تكتف فقط بالدعاء ولكنها وصلت لمرتبة أعلى بمجرد تنظيف المسجد!
وكل تلك الطقوس تعبر عن ضعف الإنسان، وحاجته دائما لقوى أكبر منه كي تساعده سواء في حل مشاكله أو في تحمل خطاياه، ومنذ بدأ إنسان الكهف يفكر خارج غريزتي الجنس والبقاء، وجد نفسه أنه بحاجة إلى من هو أقوى منه لكي يلجأ إليه عند الحاجة، وكان هذا يتم بالدعاء والصلاة وتقديم القرابين وبالطبع تلك القرابين كان "يلهطها ويشفطها" كهنة المعابد والقساوسة والمشايخ والحاخامات (لا نفرق بين أحد منهم).
وبالطبع أسوأ وسيلة للتغلب على الهموم والمشاكل هي تناول المخدرات، وللأسف تزيل الهموم لحظيا ثم تزداد وتتضاعف فيما بعد، لذلك أفضل كثيرا سيدي أبو السعود أو كودية الزار عن المخدرات.
وحديثا لجأ الإنسان إلى الطب النفسي والذي لا يعترف به في البلاد المتخلفة، وينظر إلى الطبيب النفسي أنه يعالج المجانين فقط، وأنه بمجرد أن تذهب إلى عيادة الطبيب النفسي فسوف تنطلق الإشاعات عليك أنك أصبحت على بعد خطوة من مستشفى المجانين، وبالمناسبة أعز أصدقائي والذي أعرفه منذ سن الصبا حتى اليوم كان دائما يقول لي إن صداقتنا أرخص كثيرا من الطبيب النفسي، لأننا نتكاشف أمام بعضنا البعض بشكل يبين كل نواحي الضعف لدينا وكل خطايانا وكل أوهامنا وأحلامنا.