مُراسلات كامو وماريا كازاريس .. قصة حب حزين

كاترين كامو: كان عليه أنْ يتعلم السير على سلك الحب المشدود الخالي من أي كبرياء، دون أن يتخلى أحدهما عن الآخر، ودون أن يتشكك أيٌّ منهما في الآخر، مع مطلب الوضوح نفسه؟


قيل إن شيوع أمر علاقة العشق بين كامو وماريا كان السبب في اكتئاب زوجته فرانسين


لماذا يضعنا القدر وجها لوجه مرة أخرى؟

كان السادس من يونيو/حزيران عام 1944، يوما مشهودا، ففيه نزلت قوات الحلفاء على شواطئ النورماندي، وفيه تبادل ألبير كامو وماريا كازاريس الاعتراف بالحب، كان كامو في الثلاثين من عمره، وكانت ماريا تصغره بتسع سنوات، وكانا قد التقيا لأول مرة في منزل ميشال ليريس في باريس خلال جلسة قراءة لمسرحية "الرغبة الممسوكة من ذيلها" لبابلو بيكاسو في 19 مارس/آذار 1944.
الممثلة الشابة ولدت في “لاكورونيا” بإسبانيا، في عام 1923، وانتقلت إلى باريس في عام 1936، بصحبة والدها سانتياجو كازاريس كيروجا، الذي كان رئيسًا لحكومة الجمهوريين الإسبانية الثانية، ولجأ إلى المنفى بعد تولى فرانكو السلطة، لكنها تعتبر أن ميلادها الحقيقي حدث في نوفمبر/تشرين الأول 1942 في مسرح ”ماتوران” ليلة افتتاح أول عرض مسرحي شاركت فيه.
كانت ماريا كازاريس مخطوبة للممثل جان سيرفي الذي عرفها على كامو، يومها اقترح الكاتب على الممثلة الشابة، أنْ تؤدي دور مارتا في مسرحيته “سوء تفاهم”، وخلال البروفات جمع الحب بينهما، لتلعب دورا مهما فيما بقي من حياته، كانت جميلة وهو كان معروفا بتعدد علاقاته النسائية، وقيل إن ميله الشديد للملذات الحسية يرجع إلى سعيه لاستخلاص لحظة سعادة من عالم يخلو منها تماما، لكن هذا السعي تسبب في إتعاس زوجته الثانية فرانسين فور، فسقطت فريسة للاكتئاب، وقضت فترة طويلة في المستشفى حيث احتاجت علاجا بالصدمات الكهربائية، مما أدى إلى تفاقم شعور كامو بالذنب تجاهها وهو ما تسبب بالإضافة إلى عوامل أخرى في إصابته أيضا بالاكتئاب.

حان الوقت لنتحاب وعلينا أنْ نرغب في ذلك بقوة كافية ولفترة طويلة بما يكفي للقفز فوق كل شيء

حب متأجج
قيل إن شيوع أمر علاقة العشق بين كامو وماريا كان السبب في اكتئاب زوجته فرانسين، وهو الأمر الذي نفته تماما ابنتهما ”كاترين”، وأكدت أن والدتها لم تكن تعلم بأمر تلك العلاقة التي نجح كامو في اخفائها. تقول كاثرين: ”لم تعرف أمي بعلاقة أبي بالممثلة ماريا إلا بعد وفاته، وتحدثت عنها بكل احترام بل بكل مودة”، ومن المعلوم أن البير كامو  قد اقترن بفرانسين فور في شهر ديسمبر/كانون الأول 1942، لكن  نشوب الحرب اضطر فرانسين إلى  العودة إلى مدينة وهران الجزائرية التي ولدت فيها وظلت هناك قرابة العامين حيث عادت إلى باريس في سبتمبر/أيلول 1944، فشهدت علاقته بماريا بعض الفتور الذي ازداد تدريجيا حتى أنجبت فرانسين توأمها جان وكاترين في عام 1945، فقررت ماريا كازاريس قطع علاقتها نهائيا بكامو، الذي امتثل مرغما للقرار، حتى التقيا بالصدفة في السادس من يونيو/حزيران عام 1948، خلال عبورهما جادة سان جيرمان، وكان اليوم يصادف مرور أربعة أعوام على تبادل إعلانهما الحب، اقترب منها كامو، صافحها قائلا: ”لماذا يضعنا القدر وجها لوجه مرة أخرى؟“ ولم يفترقا مرة أخرى عن بعضهما، وإن لم يلتقيا يكتبان الرسائل، وبعد عامين من ذلك اللقاء ذكرته ماريا في رسالة إلى كامو قائلة: ”التقينا، تعرفنا على بعضنا بعضا، استسلم كل منا للآخر، فزنا بحب متأجج شديد من البلور الخالص، أتدرك سعادتنا وذاك الذي منحنا إياه؟"
بينما كتب كامو يصف نفسه وحبيبته: "واضحان، ويقظان بالقدر ذاته، وقادران على فهم كل شيء ومِن ثَمَّ قادران على التغلب على كل شيء، قويان بما يكفي للعيش دون أوهام، ويرتبطان بعضهما ببعض، بروابط الأرض، الذكاء والقلب والجسد، لا شيء يمكنه، وأنا أعلم ذلك، أن يباغتنا أو يباعد بيننا”.
سلك مشدود
التقت كاترين بماريا بعد وفاة أمها في عام 1979، في أحد المسارح بمدينة نيس، وترك اللقاء انطباعا جيدا لديها، فتواصلت معها حتى وفاتها في عام 2003، وفيما بعد اشترت جميع مراسلات الفنانة المسرحية، ووجدت بينها 865 رسالة متبادلة بين والدها وحبيبته،  خلال الفترة من 1944، وهو العام الذي التقيا فيه، وحتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 1959، وقد ترددت لسنوات في نشرها لكن قيام دار النشر الفرنسية جاليمار بنشر رسائل كامو مع صديقه روجيه مارتون  دوجار، جعلها تحسم أمرها وتدفع لنفس الناشر برسائل العاشقين لتنشر في كتاب عنوانه “مراسلات”، وهو الكتاب الذي اعتمد عليه المترجم المصري لطفي السيد منصور في المختارات التي نقلها إلى العربية وصدرت مؤخرا في القاهرة عن دار نشر “مفرد” بعنوان  “مُراسلات أَلبير كامو وماريا كازاريس”.
وصدر المترجم مختاراته بتوطئة لكاترين كامو كتبت فيها: ”رسائلهما جعلت العالم أوسع والفضاء أكثر إشراقا والهواء أكثر عذوبة ..لأنهما ببساطة كانا عشاقين“. ثم تتسائل “كيف استطاع هذان الكائنان اجتياز سنوات عديدة، في ظل التوتر الشاق الذي تطلبه حياة حرة يخففها احترام الآخرين. كان عليه أنْ يتعلم السير على سلك الحب المشدود الخالي من أي كبرياء، دون أن يتخلى أحدهما عن الآخر، ودون أن يتشكك أيٌّ منهما في الآخر، مع مطلب الوضوح نفسه؟
الإجابة نجدها في  المراسلات، إذ تكشف تفاصيل حياة ماريا كازاريس كممثلة وإنسانة،  لحظات نجاحها وفشلها، تسجيلات الاذاعة، البروفات، العروض والجولات الفنية، وإن كانت رسائل كامو مقتضبة غالبا، لكنها تعكس حبه للحياة، وشغفه بالمسرح، والعمل الشاق في الكتابة، على الرَّغم من إصابته بمرض السل، يتحدث في رسائله عن أعمال كثيرة له، “الإنسان المتمرد”، “السَّقطة”، “المنفى والملكوت”، “الإنسانُ الأوّل”، وكان دائما قلقا بشأن إنجازه، حتى بعدما فاز بجائزة نوبل، ظل متشككا في أنه بلغ القمة، وكانت هي تطمئنه، وتدعمه، وتناقشه، وتطالبه بأن يكتب دائما، لكن بعد أن يتحقق ويفرض وجوده الأدبي تقول له: “عش كما تريد أن تعيش، إن كنت تشعر أنك لا تريد الكتابة، لا تكتب.. تعلم أنه لا يسعنا الآن إلا أن نكرر أنفسنا”، يقرر كامو أن يعيش كما يريد، أي أن يستعيد قصة حبهما فيكتب لها ”إذا كنتِ تحبينني كما تكتبين، يجب أنْ نحصل على شيء آخر. لقد حان الوقت لنتحاب وعلينا أنْ نرغب في ذلك بقوة كافية ولفترة طويلة بما يكفي للقفز فوق كل شيء”. 
في الرسالة الأخيرة، يقول كامو ”أخبرك أنني سأصل يوم الثلاثاء.. قريبًا جدًا يا فاتنتي” يخبرها أنهما سيبدآن قصة حبهما من جديد، لكن القصة كانت قد وصلت لنهايتها المأساوية، فبعد خمسة أيام من كتابتها، وفي الرابع من يناير/كانون الثاني 1960، يموت ألبير كامو إثر ارتطام سيارته بشجرة، فلا يكتب  جديدا، ولا يسعنا إلا أن نقول مع ابنته في ختام تقديمها للمراسلات ”شكرًا للاثنين؛ لقد جعلت رسائلهما الأرض أكثر رحابة، والفضاء أكثر إشراقًا، والهواء أكثر خفة، ببساطة؛ لأنهما وُجِدَا”. (وكالة الصحافة العربية)