ندوة مصرية تناقش أسباب تراجع الكتاب العربي طباعة وتوزيعا

لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة تعقد ندوة حول مشكلة تراجع القراءة وكيفية تنمية الميول القرائية لدى الشباب العربي. 


أحمد سويلم:  حل الهامش محل المتن، وتخلف المتن خارج حدود الهامش! 


الكتاب الورقي لا يزال يجاهد ولم يستسلم لهجمة التكنولوجيا 

عقدت لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة في القاهرة ندوة، قبل يومين، حول مشكلة تراجع القراءة وكيفية تنمية الميول القرائية لدى الشباب العربي. 
وقد اختار الشاعر أحمد سويلم أن يتحدث فيها حول "القراءة كحق إنساني"، وبدأ حديثه عن حقوق الإنسان ليوضح أن أغلبها يتعلق بحرية التعبير والحق في الحياة، وما إلى ذلك. 
 وأكد أن الإنسان محب للقراءة، ولكنه يريد دائمًا أن نُيَسِّر له هذه القراءة، وهنا نجد أنفسنا أمام إشكالية تتنوع وتختلف بتنوع واختلاف الظروف والأحوال، فنجد أنفسنا أمام أسئلة من نوع: متى وكيف وأين وماذا نقرأ؟ ففي زمن مضى كان الإقبال على قراءة الكتب يعكس سعادة ومتعة لدى القارئ، وسعادة وربحًا على الناشر. 
ومن خلال تجربته في مجال النشر بدار المعارف قال سويلم: أتذكر أننا في النصف الثاني من القرن العشرين، كنا في دار المعارف نطبع من الكتب أعدادًا كبيرة لا تقل عن عشرة آلاف وأحيانًا أكثر، وكانت أسواق الكتب منتعشة، والمعارض يتسابق إليها الناشرون. 
وفي العقدين الأخيرين من القرن العشرين زاحمت الكتاب وسائل أخرى أكثر يسرًا؛ فرأينا ثورة في الإعلام المرئي من خلال المسلسلات والبرامج الترفيهية، وكانت للثقافة برامج قليلة. واستمر ذلك الحال في بداية الألفية الثالثة، فخُصصت قناة للثقافة لكنها غير مؤثرة، واكتفى الناشرون بتخفيض عدد المطبوع من الكتب إلى أدنى حد، وبعد أن كان الكتاب رسالة وتجارة غلبت عليه كفة التجارة، لأن الميول القرائية بدأت تتغير بدخول التكنولوجيا الحديثة بوسائلها الميسرة.  أصبح الناشرون اليوم يعانون معاناة قاسية، خاصة في ظل اجتياح فيروس كورونا، وتوقف المعارض، واعتزال الناس في بيوتهم، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي صرفت الشباب والأطفال عن القراءة الورقية في أغلب الأحوال. 

البنهاوي يشير إلى ندرة الدراسات المنصبة على موضوع الندوة، ونوَّه ببحث ميداني أجرته اليونسكو عن اهتمامات القراء في العالم العربي

ويلفت الشاعر أحمد سويلم انتباه الحضور إلى ظاهرة تستحق الدراسة من علماء النفس، ألا وهي ما يطلق عليه "الكتب الأكثر مبيعًا"، التي ظهرت منذ عدة سنوات بشكل يدعو إلى الدهشة والحيرة.  فيكفي أن يكتب أحد الشباب كتابًا يخاطب فيه أصدقاءه الشباب ويدغدغ أحاسيسهم، فيسرعون يقفون في طابور طويل ليحصلوا على توقيعه، ولا يهمهم ارتفاع ثمن الكتاب ولا هبوط قيمته الأدبية، ثم يختفي هذا المؤلف المجهول بلا رجعة، كما يحدث مع مطربي الأغاني الشبابية وأغاني المهرجانات. 
كما يشير سويلم إلى أنه حاول أن يسأل شابًا يقف في أحد هذه الطوابير: "على أي شيء تتزاحمون؟"، فقال له: "لنحصل على توقيع المؤلف".
ويواصل سويلم: وللأسف وجدنا دور نشر كبيرة تحتفي بهذه النماذج من الكتب لمجرد أنها الأكثر مبيعًا.  ثم يتساءل: أين المشكلة الآن؟ وقد حل الهامش محل المتن، وتخلف المتن خارج حدود الهامش، وعلى منَ تقع المسئولية.. أهو البيت؟ أم المدرسة؟ أم الإعلام؟ أم المجتمع؟ أم أن المسؤولية مشتركة في وجود هذا التسطيح المعرفي؟! 
ثم يحاول الإجابة: لقد أجمع العلماء على أن الثقافة تبدأ بالطفل. وأضاف بأنه ينتمي إلى جيل كان الكتاب هو مصدر ثقافته ومتعته، فلم يكن هناك نادٍ ولا سينما ولا مسرح ولا تليفزيون، وإنما كانت المدرسة ومكتبتها، وكانت حصة المكتبة أسبوعية مقدسة. 
ولأن المنهج التعليمي كان يتصف بالجفاف، فقد حرصت وزارة المعارف لسنوات متعاقبة على تزويد جيل سويلم بكتب لا يمتحنون فيها، وإنما يقرؤنها باستمتاع، مثل: "المنتخب من الأدب العربي"، وروايات كبار الكتاب. 
 ويذكر أن فرقًا كبيرًا بين منهج يعتمد على التلقين فيتبخر بمجرد انتهاء الامتحان، ومنهج آخر يعيش معنا ونستمتع به. 
والسؤال: ما البديل اليوم لهذا المنهج الثقافي؟ وهل راعى التطوير الذي تنتهجه وزارة التعليم إضافة منهج ثقافي متنوع إلى المنهج التعليمي؟ 
ويجيب متحسرًا: لا أدري..  
ونعود مرة أخرى إلى ثقافة الطفل وقراءاته. إنه في السنوات الأولى يميل إلى اللعب ومشاهدة الصور، ويُطلق على ذلك قراءة.  وقد عُنيت دور النشر الكبرى بتقديم الكتب المصورة والمجسمة والموسيقية لهذه المرحلة المبكرة.. مرحلة ما قبل قراءة ومعرفة اللغة. 
وعندما تبدأ مرحلة التعرف على حروف اللغة تُقَدم الكتب التي تتضمن قصصًا بسيطة مصورة، وكلما ارتفعت سن الطفل، قلَّت الرسوم وزادت الكتابة وهكذا.  والسؤال هنا أيضًا: أين دور الأسرة اليوم في تنشئة الطفل ثقافيًا؟ هل ما زلنا نهتم بشراء الكتب لأطفالنا؟ أم أنهم اكتفوا بمحادثات أصدقائهم، وبالألعاب العنيفة على أجهزة الهاتف؟ 
ويقول: اسمحوا لي أن أطرح مزيدًا من القضايا المتعلقة بالقراءة. 
أولًا: كان الباحثون في الماضي يجهدون أنفسهم في إعداد بحوثهم عن الميول القرائية، وكان الناشرون يفيدون منها في وضع سياساتهم، فهل يمكن للباحثين اليوم تقديم إحصاءات وقيقة عن الميول القرائية الراهنة؟ 
ثانيًا: كانت الأمية فيما مضى يُقصد بها عدم معرفة القراءة والكتابة، ولكنها اليوم صارت متعددة الأشكال؛ فهناك أمية المتعلمين وتنطبق على تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات الذين يحصرون أذهانهم في المناهج الدراسية. وهناك أمية المثقفين الذين يحصرون اهتمامهم في جانب ثقافي دون غيره، وهناك الأمية التكنولوجية. فهل لدينا إحصاءات دقيقة لهذه الأميات نرسم على ضوئها سياساتنا الثقافية؟ 

ثالثًا: مع تقديري لكل من يناصر ويدعو إلى الكتاب الإلكتروني.. أقول: بمَ تفسر توزيع كتب هاري بوتر الورقية بالملايين؟ ليؤكد أن الكتاب الورقي لا يزال يجاهد ولا يستسلم لهجمة التكنولوجيا. 
رابعًا: إن القراءة تكسب الإنسان خبرة معرفية واسعة، وتتعدى الزمان والمكان، وتجسد المستقبل بين أيدينا، وهناك من التجارب ما يؤكد أن شخصية الإنسان تتحدد بما يقرأ وبما يعرف، بل يصنف أحد المفكرين الكتب إلى كتب تستحق أن يتذوقها القارئ، وكتب تستحق أن يلتهمها، وكتب تستحق أن يهضمها القارئ. فماذا نرى اليوم؟ 
بعد أن كان الكتاب في يد الكثيرين في السفر ووسائل المواصلات، وفي أماكن الانتظار. صار الهاتف الجوال مهيمنًا على العقل والإحساس معًا، من أجل التسلية والمتعة والتراسل، وقليل جدًا من أجل الثقافة، خاصة لدى الشباب.. هذا الجيل الذي نتوسم فيه أن يقود الوطن في وقت قريب.. فهل تُجدي خبرة هؤلاء الشباب للقيام بهذا الدور؟ 
خامسًا: نحن لا نعارض ولا نرفض التكنولوجيا في حياتنا، تلك هي سمة العصر. وإذا لم نعترف بها صرنا متخلفين، لكن المشكلة في أسلوب استخدام هذه التكنولوجيا. 
وقد حكى لي صديق يعمل في ألمانيا أن المدارس هناك تحظر دخول التلميذ إلى المدرسة بالهاتف الجوال، ومن يخالف ذلك يصادر جهازه ويمنع من التعلم شهرًا، ويؤخذ تعهد على ولي أمره بعدم تكرار ذلك.  ليس ذلك فحسب، فالأسرة هناك تلزم الابن بتقسيم وقته بين المذاكرة والترفيه ومشاهدة التليفزيون واستخدام الهاتف.  فماذا نفعل نحن؟  
الإجابة معروفة: 24 ساعة محادثات وألعاب.. وهنا أيضًا نسأل: "على مَنْ تقع المسئولية؟" 
وقد حرص حسين البنهاوي، مدير الندوة على التعريف بمبادرات التشجيع على القراءة في مصر والإمارات والأردن، وتساءل: ولكن أين نحن من مجتمع المعرفة؟ وما هو الطابع المعرفي الذي يجب أن يكون عليه المجتمع؟ وما هي سبل التخطيط لذلك؟ 
وأشار البنهاوي إلى ندرة الدراسات المنصبة على موضوع الندوة، ونوَّه ببحث ميداني أجرته اليونسكو عن اهتمامات القراء في العالم العربي، وبعدها جاءت منظمة بلغارية وقامت بدراسة أخرى حول الميول القرائية في الوطن العربي، وكان من نتائج هذا البحث الإعلان عن تراجع نشر الكتاب وقراءته في بلادنا، وتساءل البنهاوي عن السر وراء هذا النمط من البحوث الميدانية التي يقوم بها الأجانب علينا؟  
ثم طلب مدير الندوة من سعيد عبده، رئيس اتحاد الناشرين، الحديث عن خططه من أجل تنشيط حركة الكتاب في مصر، وتساءل البنهاوي عن المشروع الذي طالما أُعلِنَ عنه والمتعلق بإنشاء شركة تتولى توزيع الكتاب العربي، فقال سعيد عبده إن هذا المشروع يلاقي صعوبات كثيرة وأننا لا نعرف العمل الجماعي في مجتمعاتنا، ولذلك لا يزال الكتاب عالة على شركات توزيع الصحف والمجلات. 
ومع ذلك قال سعيد عبده إن الكتاب من سلع الاستقراب بمعنى أننا يجب أن نذهب به إلى حيث يكون القارئ لأن القارئ لن يتجه خصيصًا لشراء كتاب، وذكر أنه قام قبل أربع سنوات بإطلاق مبادرة حملت اسم "أسرة تقرأ.. أمة تنهض" من أجل ترويج الكتب التي تصدرها مؤسسة دار المعارف، وأضاف بأن هذا هو السبيل الذي يراه لتنمية عادة القراءة بين أفراد الأسرة في زمن تراجع أرقام طبع الكتب وتوزيعها.