نوا نوا .. ذكريات رحلة جوجان بحثا عن فردوسه المفقود

يوميات رحلته بول جوجان الأولى إلى تاهيتي في قالب يجمع بين السيرة الذاتية والسرد الروائي، وتأملات الفنان حول الطبيعة والفن.


الكتاب ترجمته في لغة عالية الحساسية المترجمة السورية أبية حمزاوي


جوجان كان رساما تقليديا في بداياته لكنه سرعان ما تأثر بالانطباعيين

"نوا نوا.. مذكرات تاهيتي" كتاب صغير الحجم، يبلغ عدد صفحاته 96 صفحة، ربعها يضم صورا للوحات، والبقية تضم نصا فريدا شائقا صاغ الفنان الفرنسي بول جوجان، يوميات رحلته الأولى إلى تاهيتي في قالب يجمع بين السيرة الذاتية والسرد الروائي، وتأملات الفنان حول الطبيعة والفن، الكتاب ترجمته في لغة عالية الحساسية المترجمة السورية أبية حمزاوي وأصدرته مؤخرا دار المدى العراقية. وقد اتخذ لها عنوانا بالغ الشاعرية، فكلمة "نوا نوا" بلغة الماووري تعني "إننا نفوح شذى".
وسطور الكتاب كلها تعبر عن حنين الفنان لتلك الفترة التي استنشق فيها شذى الحياة البدائية للبسطاء التي رآها خالية من زيف المدنية الأوروبية. فتلك الحياة ساعدته على أن يجد أسلوبه الخاص في الإبداع، بعد أن عانى سنوات للتحرر من آثار السابقين، يقول في مذكراته: "كان رسم الأشياء كما أراها أمراً بسيطاً للغاية، أن أضع من دون حسابات معقدة الأحمر قرب الأزرق، لقد سحرتني الأشكال الذهبية عند الجداول وعلى شاطئ البحر، ولكن لماذا ترددت في وضع عظمة الشمس وروعتها على قماش الرسم؟ إنها التقاليد الأوروبية العريقة الخوف والخجل من التعبير عن شعوب متدنية، كي أعتاد الملامح الخاصة للوجه التاهيتي تمنيت طويلاً أن أرسم وجه إحدى جاراتي وكانت امرأة تاهيتية شابة".
حياة قلقة
ولد بول جوجان في السابع من يونيو/حزيران عام 1848، وهو عام سقوط الملكية في فرنسا، وكان والده كلوفي جوجان صحفيا مؤيدا للثورة وللجمهورية الوليدة، فلما أعلن نابليون الثالث عن قيام الإمبراطورية الثانية قرر الأب أن يهجر فرنسا ليقيم في بيرو إلى جوار عائلة زوجته ألين ذات الأصول الإسبانية الأرستقراطية، وقد توفي فجأة قبل أن يصل إلى ليما، فأكملت زوجته الرحلة بأولادها الذين قضوا سنوات طفولتهم في منزل عمها، وكان المنزل يطل على جبال الإنديز في منطقة عامرة بالنباتات والطيور الاستوائية العجيبة ذات الألوان المتداخلة الخلابة، فبدت لعيني الطفل جوجان وكأنها الجنة، فقضى بقية حياته يحلم بها.
وفي عام 1854 شهدت بيرو اضطرابات سياسية عنيفة أثرت على أقارب إلين فاضطرت إلى العودة بأطفالها إلى فرنسا، فأودعت أطفالها لدى أهل زوجها في سان مارصو، بينما أقامت هي في باريس حيث افتتحت مشروعها الخاص كمصممة أزياء، لم تطب الحياة لبول جوجان سواء في سان مارصو أو باريس فعمل على متن سفينة وهو في السابعة عشرة من عمره، فتمكن من زيارة العديد من البلدان حتى قامت الحرب وسقطت الأمبراطورية الثانية لتستعيد فرنسا جمهوريتها، ويعيش بول إلى جوار أمه بباريس لكنها تمرض فجأة وتموت في عام 1867، ويلحقه أحد معارفها بعمل في بورصة باريس كسمسار للأوراق المالية، وهو العمل الذي مكنه من تحقيق أرباح وفيرة فتزوج من فتاة دانمركية وأنجب منها خمسة أبناء، واستقرت حياته لسنوات حتى انهارت بورصة باريس في 1882، ففقد وظيفته، وهو الأمر الذي دفعه لبيع منزله الباريسي والإقامة في ضاحية روين غرب العاصمة، وهناك قرر أن يتفرغ للرسم الذي كان يمارسه كهواية يشغل بها أوقات الفراغ.

جوجان وجد صوته المنفرد فعزف بالألوان فنا إنسانيا وإن أسموه بدائيا، ومهد الطريق لظهور ما يسمى "المدرسة الوحشية" التي خرجت على التقاليد الأوروبية وأعادت للفن مهمته القديمة

وقد كان رساما تقليديا في بداياته لكنه سرعان ما تأثر بالانطباعيين، بعدما تعرف على بيسارو الذي عرض له عدد من لوحاته في معارض الانطباعيين، ولما لم يستطع بيع لوحاته ونفدت أمواله هاجرت زوجته إلى الدانمرك مصطحبة أطفالها ليبقى جوجان وحيدا إلا من ريشته وألوانه، وعزم على أن يكتشف أسلوبه أسلوبه الخاص في الرسم فهجر باريس إلى بريتاني، وهي منطقة نائية في أقصى غرب فرنسا تطل على المحيط الأطلنطي، وكانت تعتبر منطقة بدائية، ولعل حنينه إلى المناطق الاستوائية التي عاش فيها طفولته الباكرة هو ما دفعه إلى بريتاني، ثم إلى بنما ثم المارتنينيك التي ألهمته لوحته المميزة "نباتات استوائية" كما التقى هناك بالفنان فنسنت فان جوخ، وكان مثله ينتمي إلى ما بعد الانطباعية، وكان ينوي الإقامة فيها لفترة طويلة لكن إصابته بالملاريا اضطرته إلى العودة إلى باريس للعلاج بعد أربعة أشهر وهي فترة قصيرة نسبيا لكن أشارت له إلى الطريق الذي يجب أن يسلكه. 
وفي باريس كانت المدرسة الرمزية في أوجها، ولم يفقد رغبته في العودة إلى المناطق الاستوائية، فقرر العودة إليها وفي السابع من فبراير/شباط 1891 بدأ رحلته إلى تاهيتي التي كانت له بمثابة الفردوس المفقود، فقضي هناك عامين تشكل ذكرياته عنهما متن هذا الكتاب، ثم عاد إلى باريس ليقيم معرضا لرسوماته خلال العامين ويصدر كتابه قبل أن يعود في رحلة تاهيتية ثانية عام 1895، استمرت لست سنوات رسم خلالها ستين لوحة زيتية، وأعاد صياغة كتاب "نوا نوا"، عاد بعدها إلى باريس ليجد نفسه متهما بمعارضة السلطات، ويواجه حكما بالسجن لثلاثة أشهر، وبعد انقضائها يخطط لرحلة تاهيتية ثالثة لكن المرض حال دون قيامه بها، وفي الثامن من مايو/آيار 1903، يموت قبل شهر من اتمام عامه الخامس والخمسين.
نوا نوا
كانت قناعات جوجان سببا في أن يكون منصفا في تفهمه للمشاعر التي أبداها السكان المحليون تجاه أعضاء البعثة الفرنسية الاستعمارية. يقول عن شعوره بالوحدة لعدم تفاعل التاهيتيين معه: "كنت أرى أمامي أوروبا التى هربت منها معتقداً بأنني قد خلّفتها ورائي إلى الأبد، ففي ظل التأثيرات الطاغية للطبقة الأوروبية المستعمرة، ساد التقليد الفج الذى يصل حدّ المهزلة، وتشويه العادات والتقليعات ومختلف مظاهر الحضارة الأوروبية، وهل قطعت كل هذه المسافات لأجد أمامي الشيء ذاته الذى دفعنى للهروب؟".
لذلك غادر العاصمة بابيتي مواصلا الهروب باحثا عن فردوسه. وكلما أدرك ابتعاد التأثير الأوروبي أدرك أنه اقترب من تحقيق هدفه، لذلك استقر في ماتايا حيث "في الغابة الموحشة والليل التاهيتي الصامت الذي يسمح لك أن تسمع ضربات قلبك من دون أن يعكر ذلك ضجيج الآلة وصخب الحضارة.. في كوخ لا يفصلك عن الحياة أو عن اللامتناهي المطلق إلا سقف هش من أوراق الكاذى.. كوخ يمنحك حرية خاصة تختلف عن إغراء أسر المنازل الأوروبية حيث الطبيعة السخية التي لا ترفض لسائل طلباً.. فلن تحتاج الأوراق النقدية.. وما عليك إلا أن تغوص بالماء لتقتلع الأصداف والكنوز البحرية أو أن تتسلق الأشجار المحملة بالغنائم حتى تشعر بدونيتك كرجل حضارة".
هكذا وجد صوته المنفرد فعزف بالألوان فنا إنسانيا وإن أسموه بدائيا، ومهد الطريق لظهور ما يسمى "المدرسة الوحشية" التي خرجت على التقاليد الأوروبية وأعادت للفن مهمته القديمة بعد اتصال الفن الأوروبي بالطبيعة العذراء التي لم تلوثها الحضارة  المدعاة. (وكالة الصحافة العربية)