نوة الموت تخطف نجوى شعبان

ريم عيساوي.. تعقيبًا على رحيل الروائية المصرية نجوى شعبان بإحدى المصحات: نغفل عن الأصدقاء، وعند رحيلهم يأكلنا الندم!


الصداقات رغم اتسامها بشيء من العمق والكمال، فهي رهينة تصاريف الدهر ووطأة الزمن الذي لا مفر لنا من قسوته


نجوى شعبان تختار عبارة من جاك دريدا يقول فيها: "الوهم أشد رسوخا من الحقيقة، بل إنه متجذر فيها بالدرجة التي يضحى متطابقا معها ومطابقا لها تماما". 

تستهل الناقدة التونسية ريم العيساوي تعليقها على تلقيها نبأ فقد صديقتها الكاتبة المصرية نجوى شعبان التي تُوِجت معها بجائزة أندية فتيات الشارقة في عام 1998 بهذه العبارة التي لا تخلو من تأنيب للنفس: "نغفل عن الأصدقاء، وعند رحيلهم يأكلنا الندم!".
ثم تبدأ في استدعاء تفاصيل المناسبة السعيدة التي جمعتها بها ربما لأول وآخر مرة عندما تقول: الصداقة بين المبدعات ذات عرى وثيقة ككل الصداقات. لكنها تختلف عن الصداقة بمفهومها العام، فهي أكثر عمقًا وأقوى لحمة لأنها تتجاوز تلك الروابط الإنسانية الوجدانية بعضدها بروابط أخرى فكرية وأدبية تنبع من معين الفن والجمال. 
وهذه الصداقات رغم اتسامها بشيء من العمق والكمال، فهي رهينة تصاريف الدهر ووطأة الزمن الذي لا مفر لنا من قسوته. يجود علينا الزمن وأيامه بصديقات يهبهن الإله لنا شقيقات عزيزات تجمعنا بهن أيام تتلاءم فيها ظروفنا، وتتعانق أرواحنا، وتتناسق أحلامنا، وتتناغم اذواقنا فترسخ في الذاكرة رسوخًا يصمد في وجه الزمن متمردًا على صولة النسيان؛ صمود مخاتل ومراوغٍ، يوهمنا بحقيقة الحياة ديمومة الحال، فتنسينا مشاغلها تلك الصداقات التي كانت منبع سعادتنا واكتمالنا بسحر الوجود، بوجودهن فترة قصيرة أو طويلة، سنوات، أيامًا، أسابيع، أو حتى بعض الساعات. هذه السعادة تنطفئ فجأة برحيلهن لتبقى الحسرة تدمي النفس، والحزن يمزق الفؤاد.
ومن بين هذه الصداقات صداقتي للمبدعة نجوى شعبان التي جمعتنا الصدف معًا بمناسبة الاحتفاء بتسليم جائزة المرأة والإبداع بالشارقة سنة 1998. وهي جائزة مخصصة لإبداعات المرأة العربية، تنظمها أندية الفتيات بالشارقة، وهي السنة ذاتها التي احتفت فيها منظمة اليونسكو بالشارقة عاصمة العرب الثقافية لذلك العام، وكان ذلك تزامنًا مع افتتاح معرض الشارقة للكتاب، ومنح جائزة أندية الفتيات لإبداعات المرأة إلى 11 أديبة عربية من مختلف أقطار الوطن الكبير؛ في مجالات: الرواية والقصة والدراسات الأدبية والنقدية وأدب الطفل. وتعتبر هذه الجائزة الأولى في وقتها من بين الجوائز العربية في هذا المجال. 
وفي أجواء الاحتفال بمنح هذه الجائزة الرائدة  تعرفت في الشارقة على الأديبة نجوى شعبان، جمعتنا أيام من الود والمحبة والتآلف تحت لواء الإبداع، والكلمة الطيبة، وقد جذبتني صفاتها وما تتحلى به من هدوء ووداعة؛ إنسانة محنكة بتجارب الحياة، وهي متعددة الاهتمامات الأدبية، وتمارس الكتابة الصحفية ولها ميول واهتمام بالفنون التشكيلية. ولها مقالات نقدية عن أعمال روائيين مصريين. مبدعة أصيلة تتماهى مع أرض الوطن، وتنصهر مع أدق تفاصيلها. 
ربطتنا تلك الأيام ورسَّخت في وجداننا ذكريات لم تُمح. وقيدتنا مشاغل الدنيا فقطعنا سبل التواصل حتى فاجأنا الغياب القاسي برحيلها الصامت.
كم نتألم لغفلتنا عن هؤلاء الصديقات الرائعات؟!
كم يعذبنا رحيلك، أيتها الحالمة بمدن النور والصفاء! وعزائي وسلواي. بعض من حروفك، ألست القائلة في روايتك "الغُرّ" الفائزة بالجائزة  في صفحة 203: "المحبة لا تدارى، المحبة هواء، هل يحاسبنا خالق الهواء على ما في داخل صدورنا، وهل نحاسب أنفسنا على ما في صدورنا للناس؟"
الرحمة لك والغفران.. وكلنا راجعون لله سبحانه.

وكنت قد أسفت كثيرًا لهذه النهاية المأسوية التي عانت منها الأديبة والروائية الكبيرة نجوى شعبان المحررة الثقافية بوكالة أنباء الشرق الأوسط التي بدأت بتعرضها لضغوط نفسية لم تحتملها أدت إلى وقعوها فريسة لتهيؤات وهواجس أثرت على استمرارها على درب الكتابة، وهي التي نالت في يوم من الأيام، جائزة الدولة عن رائعتها الروائية "نَوَّة الكَرْم" التي انتهت من كتابتها يوم 15 مايو/آيار 2001 وصدرت طبعتها الأولى عام 2002، وقبلها نالت عام 1998 "جائزة أندية فتيات الشارقة" عن روايتها "الغُر".
ماتت ابنة دمياط في إحدى المصحات النفسية ودفنت بالقاهرة في الشهر ذاته الذي ولدت فيه.. أغسطس، ومر نحو أسبوع قبل أن يعلم من يقدرون قيمتها الإبداعية والصحفية والإنسانية أنها غادرت هذه الدنيا التي آلمتها كثيرًا، وجعلتها لا تمتلك القدرة على مجرد التذكر، وهي التي كتبت تاريخ مدينتها في روايتها الخالدة "نَوَّة الكَرْم"!
ما إن علمت بالخبر حتى بادرت بالتواصل مع الأديب الدمياطي سمير الفيل، وكان عائدًا لتوه من زيارة "البيت القديم"، (بيت السيد إدريس) الذي كانت تعيش فيه، فوجده مغلقًا بعد أن رحل والدها قبل سنوات، وتسلم البيت مُلَّاكه، فأخذ يبحث عن أحد أخويها: بهجت أو حسني، اللذين كان معلمًا لهما في مدرسة الإمام محمد عبده الابتدائية، وكانت هي لا تزال طالبة بالمدرسة الثانوية، تتولى توصيلهما يوميًا إلى المدرسة وإعادتهما منها إلى البيت، أخذ الفيل يبحث عن أحد أخويها، ولما وجده علم منه أنها أنجبت ابنًا اسمه "نور" من زوجها الأول. 
وأنها عانت من المرض كثيرًا.
وثالث المبدعين العرب الذين تأثروا بسماع نبأ رحيل نجوى شعبان هو الروائي والشاعر أحمد فضل شبلول الذي أهداها دون سواها من المبدعات العربيات كتابه "المرأة الساردة" الذي أصدره قبل أكثر من عشر سنوات وكتب فصلًا فيه عن روايتها ""نَوَّة الكَرْم" تناول فيها دلالة التضمينات والاستشهادات التي نثرتها على صفحات الرواية، والأخرى التي جاءت على لسانها هي.
وبدأ أحمد فضل شبلول دراسته بقوله: تثير هذه الرواية المهمة جملة من القضايا الفكرية والفنية، منها ما استشهدت به الكاتبة من أقوال الآخرين في افتتاحية الرواية أو بعض فصولها، مثل قول ول ديورانت، صاحب موسوعة "قصة الحضارة": "معظم التاريخ ظن وتخمين والبقية الباقية تحامل وهوى"، ويبدو أن الكاتبة على قناعة تامة بمثل هذه المقولة، التي ربما كانت إحدى المحركات الأساسية وراء البحث عن فترة تاريخية مصرية مثيرة في القرن السادس عشر الميلادي، وهي فترة ما بعد دخول العثمانيين مصر، وإعلان مصر ولاية عثمانية عام 1517 م. 
لقد اختارت الكاتبة تلك الفترة لأنها تتشابه ـ أو ربما تكاد تتطابق مع ما تمر به الأمة العربية، وبخاصة بعد سقوط بغداد، واحتلال العراق مجددًا والتهديدات المماثلة لدول عربية أخرى. 
تتساءل الكاتبة في أحد الحوارات التي أجريت معها عقب صدور الرواية: لماذا وصلنا كعرب ومسلمين إلى هذا الحد؟ لِمَ نحن هكذا الآن؟ هل هناك عوامل خارجية؟ 
وتُجيب: بالتأكيد نعم، وتضيف: لكن أية حضارة لا تأفل، أو على الأقل تتعرض لهزات عنيفة تؤدي إلى تراجعها إلا عندما تتآكل جذورها، فقد كان القرن السادس عشر قرنا مفصليًا، فرأيت أن تدور رواياتي عنه.
أيضًا تختار نجوى شعبان عبارة من جاك دريدا يقول فيها: "الوهم أشد رسوخا من الحقيقة، بل إنه متجذر فيها بالدرجة التي يضحى متطابقا معها ومطابقا لها تماما". 
ويتابع شبلول: لعل هذا ما جعل الكاتبة تبتعد تمامًا عن استحضار شخصيات تاريخية معينة عاشت في تلك الفترة التي تتحدث عنها، وتلجأ إلى الإيهام الفني الجميل باختيار شخوص روايتها من عامة الشعب، وبالتالي فهي لا تعيد كتابة التاريخ، ولكنها تصنع من التاريخ لحمًا ودمًا، عن طريق انحيازها للطبقات الشعبية التي عاشت في مدينة كوزموبالتينة منفتحة على بحر الروم (البحر المتوسط حاليا) وتعيش بين ثغرين، ثغر البحر، وثغر النهر، هي مدينة دمياط، التي كانت البديل الرئيسي عن مدينة الإسكندرية في تلك الفترة، حيث أُهملت الإسكندرية بعد الفتح الإسلامي، وتضاءلت أهميتها، حتى القرن التاسع عشر.