هالة البدري تنعش ذكرياتها عن بغداد

في كتاب سحر الأمكنة تصطحب الكاتبة المصرية القارئ فى رحلاتها إلى مدن كثيرة في شرق العالم وغربه، فتحكي عن الأماكن التي زارتها، والبشر الذين تعرفت إليهم.


الكاتبة احتاجت لثلاثين عاما حتى تختمر تجربتها وتكتب روايتها عن بغداد


هالة البدري تستعيد صورة بغداد كما عرفتها في منتصف سبعينيات القرن الماضي

في كتابها "سحر الأمكنة" (الهيئة المصرية العامة للكتاب) تصطحب الكاتبة المصرية هالة البدري القارئ فى رحلاتها إلى مدن كثيرة في شرق العالم وغربه، فتحكي عن الأماكن التي زارتها، والبشر الذين تعرفت إليهم، وتقول في مقدمة الكتاب "المدن مثل البشر بعضها له قبول يفتح ذراعيه لك، وبعضها ينغلق عليك، وفي رحلاتي: أماكن وبشر ومؤتمرات وقضايا ورياضة وفنون، لأنه من الطبيعي أن تعكس حركتي اهتماماتي، وتعكس أيضًا حركة المجتمعات في هذه البلاد".
ولأن بغداد فتحت ذراعيها للبدري فإنها توقفت كثيرا عند رحلتها البغدادية، وقد سبق أن سجلت ذكرياتها عن العراق في روايتها الطويلة "مطر علي بغداد"، حاولت عبر فصولها وأحداثها وحركة شخصياتها استيعاب كل ما جرى في العراق وفي منطقتنا العربية كلها خلال تلك السنوات السبع التي استغرقتها أحداث الرواية ما بين عامي 1975، 1982.
فكأن الكاتبة احتاجت لثلاثين عاما حتى تختمر تجربتها وتكتب روايتها عن بغداد ثم احتاجت لخمس سنوات إضافية ؛ قبل أن تنزع رداء الخيال عن حكايتها، وتحكي في "سحر الأمكنة" عن المدينة بلا مواربة ومنذ الجملة الأولى تعلن عن انتمائها للمكان بقولها: "أحمل للعراق مشاعر دافئة.. ففيها بدأت عملي الصحفي، وفيها تزوجت وأنجبت ابني الأول، وفيها أصدرت كتابي الأول، وفيها تحركت بحرية شابة في العشرين تتعرف على الواقع للمرة الأولى.. لهذا يقتلني الحنين إليها.. وهنا أحاول أن أنعش الذكريات، وأمد جسور الوصل التي لم ولن تنقطع بيننا في هذه الظروف الحالكة السواد".
تحولات المدينة
تستعيد الكاتبة صورة بغداد كما عرفتها في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ولم تكتف ذاكرتها الحية باجترار ملامح صورة ثابتة، فلم تكن ككاميرا تلتقط صورا فوتوغرافية، بل صنعت من الذكريات فيلما يوثق لتحولات المدينة، ويحتفظ بجمال كان لها قبل أن يطالها دمار حروب متتالية وغزو أميركي متكرر.  
وهنا نلحظ أوجه التشابه والاختلاف بين ما تحكيه هالة البدري مباشرة عن رحلتها، وما روته على لسان "نورا سليمان" في الرواية، يتمثل التشابه في قدرة الاثنتين على التقاط التفاصيل الدقيقة، وفي غلبة الطابع التسجيلي علي العملين، أما أهم نقاط الاختلاف فتتمثل في أن السرد كان في الرواية عفويا، بينما في الرحلة كان مخططا له، ليحقق هدف الكاتبة من استرداد ذكرياتها هناك، وهو محو آثار الظروف الحالكة السواد عن وجه المدينة الجميلة.
"شد انتباهي في أيامي الأولى في العراق مستوى انتشار الزهور في كل مكان في الشوارع وفي حدائق البيوت أيضًا"، وتكون لقطتها الأولى تجسيدا لحضور الفن التشكيلي في الميادين متمثلاً في النحت والملصقات، فتتعمد الكاتبة الوقوف طويلا بساحة النصر ببغداد، في استعادة متعمدة لإيحاءات كلمة "النصر" ولرمزية الساحة التي ينتصب فيها "نصب الحرية" للفنان جواد سليم .
تقول في الكتاب "وقفت مبهورة أمام اللوحة التي تحكي قصة الحياة والعمل والتعاون بين فئات الشعب المختلفة، وأيضًا تحكي قصة الثورة".
تواصل الكاميرا حركتها في المكان وفي الزمان أيضا راصدة تبدل ملامح المدينة، فتختفي أحياء قديمة معروفة لتظهر مكانها أحياء بديلة حديثة، وبعض هذه التحولات لم تحدث تدريجيا نتيجة الحراك والنمو الطبيعي للمدينة، "نكتشف فجأة أن سورًا قد التف حول أحد الأحياء القديمة بعد أن تم تهجير سكانه وتعويضهم بأموال يشترون بها في مناطق أخرى حديثة.. وتُفجر الأبنية وتزال بين يوم وليلة.. وبدأ العمل في مشروع جديد لحي من العمارات الحديثة. هكذا تغيرت أحياء كثيرة في الصالحية أمام ساحة جمال عبدالناصر، وفي الكرخ، وظهرت الفنادق الفخمة، فظهر فندق الرشيد الذي أصبح المقر الرسمي لاستقبال الوفود، والذي قيل إن تحته أجهزة اتصالات وأشياء أمنية وإنه مكان لإخفاء أسلحة الدمار الشامل".

الكاتبة تستدعي الأساطير فتحكي عن إنانا وعشتار، وحضارات العراق المتعاقبة وآثارها في المتحف الوطني العراقي الذي كان يضم ما يزيد على مائة وعشرين ألف قطعة أثرية معظمها من الفخار والجير

لكن العراق لم يكن ليغير وجهه الحضاري العريق، الذي استهدفه الغزو الأمـيركي سواء بالعدوان الغاشم والقصف المدمر، أو بسرقة وتدمير مقتنيات المتاحف العراقية، ترصد الكاتبة: "ظهرت سلاسل الفنادق الشهيرة في العالم كله في العراق شمالاً وجنوبًا، واتخذت شكلاً معماريًا مميزًا لها لم أره في أي مدينة أخرى.. شكلاً أخذ في الاعتبار حرص المدن العراقية على الاحتفاظ بالعمارة الإسلامية، وظهر فيها أحيانا تبسيط لشكل الشناشيل، وهو التصميم المميز للنوافذ العراقية".
وتلتقط تفاصيل العمران المتنامي تقاوم بها صدمة اللحظة الحاضرة، "لم أجد مفرًا أمام طوفان الدمار الذي أتابعه على شاشات التليفزيون كل يوم إلا الاعتصام بحضارة العراق ذاتها لأمنع نفسي من الاستسلام لهذا اليأس المدمر أمام طحن الآلة العملاقة الجهنمية التي تهدر دمنا بأسلحتها وتدفعنا ثمن السلاح الذي أهدرت به حياتنا. عدت إلى المراجع، إلى القواميس، إلى ذكريات سنوات خمس قضيتها هناك كي أبني جدارًا من الصمود".
اللعنة على من يحطمني
تطوف الكاتبة بالتاريخ العراقي بعدما طافت بميادينه، باحثة في القواميس عن معنى الاسم، وقد اختلف العلماء حول كلمة "عراق"، فمنهم من يراها كلمة عربية معناها الشاطئ، فالبلاد القريبة من البحر هي عراق، ولأنها تقع على شاطئ دجلة والفرات سميت بذلك. ومنهم من يقول إنها مشتقة من كلمة أوروك، ومعناها المستوطن في لغة سومرية قديمة، أما الرأي الثالث فيقول إن أصلها أجنبي وتعني إيراء بمعنى الساحل، وقد عربت إلى إيراق، ثم عراق.
وتستدعي الأساطير فتحكي عن إنانا وعشتار، وحضارات العراق المتعاقبة وآثارها في المتحف الوطني العراقي الذي كان يضم ما يزيد على مائة وعشرين ألف قطعة أثرية معظمها من الفخار والجير، بما في ذلك جداريات ضخمة لتماثيل آشور بانيبال، الثور المجنح، والكتابة المسمارية على ألواح الطين، ومئات من التماثيل والأواني الفخارية تمثل الحقب التاريخية للعصر الحجري القديم والحديث والسومري والبابلي والآشوري والأكدي، وتتوقف عند مقولة "اللعنة على من يحطمني" التي قالتها الإلهة لاما المنحوتة على رخام أبيض، شعرها مرفوع على شكل شنيون، يتدلى من أذنها حلق طويل، ذراعاها مرتفعتان للصلاة. وكأنها تدعو في صلاتها على الغازي الهمجي الذي سيأتي محطما لآثار كل تلك الحضارات، ومحاولا تفكيك العرى الرابطة للفئات المكونة للشعب العراقي الواحد بكل طوائفة وإثنياته.
وتختتم هالة البدري رحلتها بزيارة العتبات المقدسة، تصحبنا إلى الكوفة ووادي خد العذراء الذي يحتضنها مشكلا سجادة خضراء لا يدرك البصر مداها، وتحكي عن مأساة الصراع بين العلويين والأمويين، وتنقل قصة شعبية تزعم ها أن في ساحة الكوفة عين ماء جارية انبثقت تحت سفينة نوح لترفعها رويدًا رويدًا ليبدأ الطوفان، لكن ليس ثمة قصة تنبئنا عن انحسار الطوفان وعودة العمران والسلام لدار السلام، فهذا مرهون بقدرة العراقيين أنفسهم. (وكالة الصحافة العربية)