180 يوما من حكم تبون: كيف هو في الرئاسة؟

لا يزال اللعب من خلف الستار أساس السلطة في الجزائر.


فوز تبون لم يشكل مفاجأة للأكثر قربا من هسيس الغرف المغلقة للقرار


عين الرئيس على العسكر وعين العسكر على الرئيس، كيف سيلعب معهم؟


الرئيس يقعد على كرسي سلطة لطالما أخذت روحها من خمر الكرامات والغيبيات

دب القلق والإرتباك، واستبدت الحيرة في معسكر المترشح تبون في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية مما أضطر أحد مستشاريه بالقول في إحدى الندوات الصحافية أن الإدارة تنحاز بشكل مفضوح لمترشح منافس. فلقد عملت آلة الدعاية الخفية والأذرع الغامضة على بث أخبار مكثفة عن ميل كفة العسكر إلى جهة هذا المترشح، سارت كالنار في الهشيم وتلقفها الإعلام العام والخاص حتى أن العديد من قاعات تحرير الصحف والمواقع والقنوات العامة والخاصة وصولا إلى قاعة أخبار التلفزيون الحكومي ضجت بالنتيجة قبل الإعلان الرسمي لها، ولم يتوقف هاتف المدير العام للتلفزيون ومدير الأخبار عن الرنين ليل نهار. فالأمور تكاد تحسم أو حسمت، فمختلف التغطيات الإعلامية تظهر معسكر هذا المترشح وهم في كامل صحتهم وعافيتهم وفرحهم وأريحتهم خاصة بعد تجمعين لافتين غصت بهما القاعة التي جمعت أنصاره.

اللعب بالنار وحكاية القصر العتيق

كانت تلك لعبة الدهاء والحيلة والمكر التي فصلها وخطط لها جناح قوي داخل مؤسسة الجيش. لا يعلم أحد من كان فعلا وراء هذا الأمر. هل هي بقايا العصابة التي تركت خلفها ذريتها وعيالها وأصابعها متخفية في الظلال والظلام، أم أن الأمر مجرد حلقة أخرى من تاريخ طويل يكاد يكون أزليا لا نهاية له للصراع على السلطة، يتغذي دوما من دماء هذه الخفافيش عندما تحين ساعة الحسم لصالح جناح على آخر، وفي قرارات ومصالح مصيرية.

لكن المؤكد أن فوز تبون لم يشكل مفاجأة للأكثر قربا من هسيس الغرف المغلقة للقرار، تفاءل أصحابها بالرجل. رأوا فيه الفارس المغوار الملمع والمنقذ والمخلص، بل صدم فوزه أولئك الذين أرادوا إبعاده بأي ثمن عن دفة الحكم، حتى أن معلومات مؤكدة قالت أن المحبوسين من رجالات بوتفليقة لم يناموا في تلك الليلة التي صدحت بفوزه، فقد كانوا يتوقعون وكان بعضهم متأكد أنه لن يحظى بالجلوس على الكرسي الوثير المغري المذهب للقصر.

ليست هذه المرة الأولى التي يدخل فيها تبون القصر العجيب فقد سبقت هذه اللحظة لحظات أخرى مقتطعة من زمن آخر لما كان وزيرا لدى بوتفليقة اختلفت الظروف والأقدار والمواعيد والمصائر آنذاك، ولكن هذه المرة دخله على بساط أحمر وكأنه أمير حالم. لم تكن تلك أحلامه، كان يردد للأقربين منه أنه خادم للجزائر فقط، وأقصى طموحه أن يتفان في حبها ويخلص في العمل من أجلها، وهمه الوحيد أن يراها فارهة ومستقرة ومزدهرة.

وجد تبون القصر الجميل هيكل بلا روح، أعمدة متراصة حزينة، حدائق بائسة، ومكاتب واسعة تئن من الوحدة والفراغ والصمت، لم يجد فيها أي ملف أو وثيقة تدل أنه كان مقرا لمؤسسة تحكم البلاد، تسري فيه القليل من الحركة.. حرس وموظفين وخدم، ومثلما عششت فيه خيوط العنكبوت وزق الطيور على النوافذ وعلى البلاط كما وصف حاله أمام إعلاميين ممن كانت لهم الحظوة بدخوله بعد عمر طويل، عششت فيه أيضا طوال عشرين سنة من حكم بوتفليقة حكايا وأساطير وخرافات تكاد تشبه تلك التي جرت في قصور ألف ليلة وليلة.

الأمير يدخل القصر

جلس وفي رأسه دارت السنون والحقب والأزمنة، راجع مساره من أول يوم حظي فيه بموقع مسؤول في الدولة إلى هذه اللحظة المفعمة والجسيمة الممسكة بوطن كبير وواسع.. فما معنى أن تكون رئيسا لبلد معقد ومشتبك ومنهار، شارع يغلي، مشاريع معطلة، وعجلة اقتصاد شبه مفشوشة؟ كيف ستبدأ في العمل وأنت تطل من نافدة المكتب الفاخر على مسرح عام لحياة يومية تراجيدية يعيشها الإنسان الجزائري من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، ينام على زخم وإمكانيات باهرة ولا يراها تفي بحاجياته العادية والبسيطة.

لربما كانت تلك بعض الأسئلة التي رافقت تبون وهو يعتلي العرش الملغم، وقضت مضجعه في الليلة الأولى له بين جنبات القصر وتركته مبهوتا يقلب الرأي على الرأي، والنظرة على النظر، خطوة هنا وأخرى محتشمة هناك.. حسابات تتوالى وأخرى تتبدد في الهواء، رجاله الأوفياء على قدم وساق لكي يبدأوا العمل ويباشروا المهمة، يجب تصفية الجو من غمامات سوداء أحاطت بالقصر، يجب إزالة المتاريس وتبليط الأرض بعدما غاصت في الوحل.. خصوم يتربصون به الدوائر.. أبناء نظام أكلوا منه وشبعوا وما زال النهم يدغدغ بطونهم.. معلوم بعضهم، وبعضهم يرتدون أقنعة سياسية وحزبية ومالية.. عصابات ومافيا ولوبيات غير مطمئنة للوافد الجديد، لا يعرفون بأي قبضة سيشد على الكرسي؟ وهل سيضرب في الوقت المناسب أم في الوقت الضائع أم لن يضرب مطلقا؟

عين الرئيس على العسكر وعين العسكر على الرئيس.. المعضلة الأشد فتكا وبئسا وشدة، كيف سيلعب معهم؟ بالمناورة والمحاباة أم بالصمت والسكون؟ في الخفاء أم في العلن؟ بالطاعة أم بالعصيان؟ فهو رئيسهم والقائد الأعلى للقوات العسكرية بلا منازع.. تلك مرسومة ومرتبة ويفهمها كما هي مكتوبة وواضحة بالحبر الأبيض والأسود في الدساتير والقوانين والأعراف والتقاليد، ولكنها مختلفة ومتنافرة في الممارسة والقرار.

ترتيب الأوراق على الطاولة

لم ينتظر كثيرا ليرتب أمور الحكم.. عزل ببطء وتأني سدنة القصر الذين من شدة وجودهم داخله ظن البعض أنهم لن يتزحزحوا ولن يمسوا فهم من طين لازب وحديد صلب.. تكدست مقترحات أوفياءه لجلب من هم أصح بدنا وعقلا وشبابا كما بشر في رسائله الانتخابية الواعدة لتولي المناصب والمقاعد داخل القصر وخارجه.. ولكن جيء بأقوام شكلوا مفاجأة.. سرّ لها البعض وغيض البعض منها، وضرب بعضهم كف على كف، وصمت الصامت الأكبر حيال الأمر، بعضهم جالوا وصالوا من بكرة أبيهم جنودا في حملاته وغزاوته، والآخرين أنعم الله عليهم بتقاعد مريح يكفي عيالهم وأحوالهم.. ظن الجميع في لحظة أن الزمن أتعبهم وأنهك أبدانهم وغزا الشيب رؤوسهم بل نسيوا تماما.

أكثر من بقع الصورة المكلف بالإعلام والناطق الرسمي للرئاسة.. رأى فيه تبون الحكمة والتبصر والنضج والفلاح والخبرة الطويلة والعريضة في زمن الدولة الجزائرية.. شخص من عهود مضت وولت وغادرت الكون والحياة مفسحة الوقت لزمن آخر يلمع كالبرق والرعد يسارع ويسرع في خطواته نحو المستقبل ويحوله إلى نقطة صغيرة في مجرة الواقع، لا يعرف مساره أحد من الأجيال الجديدة التي تشق طريقها في الحياة وفي الإعلام خاصة.. تلعثم في أول ظهور إعلامي له لما أعلن عن الطاقم الحكومي الجديد.. هل هي دهشة المنصب؟ هل هي علامات الشيخوخة وضعف البصر؟ وجدت له أعذار تليق بحطة الرجل العائد من الغيب والغيبوبة، فهذا أول امتحان أمام أضواء أخرى غير تلك التي ألفها في كهوف حزبه أو وهو وزيرا بصيغة الماضي.. نسج لنفسه خيوط معتمة داخل القصر، ظهرت في العديد من الزوايا خاصة في قطاعات الإعلام العمومية التي تغيرت واجهاتها ووجوهها، بصمها بأصبعه ووضع العديد من رجالاته الخلص والأوفياء وحتى من مناضلي حزبه كالصحفي الذين ظهر في اللقاء الإعلامي الأخير للرئيس وقد ضجت وسائل التواصل بالطريقة المــُهنية التي كان يجلس فيها واضعا رجل على رجل في وجه تبون.

عين تبون حكومة على أساس محاصصة لا تقول اسمها أو شكلها أو لونها، ولكن المتتبع الحصيف لمسار تكوين الدولة في الجزائر يعرف أنها خليط وفسيفساء يشترك في رسمها عسكر وساسة ورجال أعمال متنفذون وبقايا من مر على سرايا القصر، غير أنها كانت بعيدة عن عين وقلب الحالمين ومن كان يتلمس طريق يعبد الأرضية لتغير شامل وجذري يفك الارتباط بين مختلف السلط المتناقضة والمتصارعة والمشلولة والمقيدة لأجنحة تشد الحبال من هنا وهناك.. لم يحدث تبون المفاجأة في بعث نظام خارج الأطر المتعارف عليها رغم أنه يملك كل المنافذ والصلاحيات.. جاء برجل من صروح جامعة معلولة هي أيضا، عـلـّه يبدع ويبتكر بعقله الفذ الحلول الوافية والكافية للانفلات من العطالة والعطابة والمطبات التي تمتد في أفق جزائر تريد أن تنهض من الكبوة، أدهش الكثيرين بمستوياته العلمية العالية، وكرر وأعاد وصاغ وأشاد الإعلام ليل نهار بمسار الرجل وتقلباته في مناصب العلم والمعرفة والفهامة حتى تخال أنه الوحيد المتعلم الذي أرتقى إلى هذا المنصب ومن كانوا قبله مجرد هواة ووافدين وبدون مستوى يؤهلهم لما كانوا عليه.

لم تكن المفاجأة فقط في هذا الرجل بل شملت وجوه كل الطاقم الحكومي، فهي رغوة ممزوجة بالعديد من الشخصيات، منها من تربى في حضن النظام السابق، وبعضها جر من بلاتوهات التلفزيونات على أساس أنها صوت الحراك وصورته لإطفاء جمر الثورة المتأججة يوميا، وبعضها كان كحبات السبحة بين يدي جناح عسكري صاحبه اليوم في السجن، يمررها بين أصابعه كيفما شاء ومتى شاء، والآخرين مجرد ديكور وواجهة شكر لما قدموه لتبون أثناء الحملة الانتخابية.

أثبتت الأيام التالية غياب بوصلتها وتنسيقها ورؤيتها، وزاد من تخبطها مشكل الوباء الذي يضرب العالم.. وأصبحت كالخياط الذي في أحسن أحواله لما يكون متعبا يبدأ في ترقيع الملابس خيط هنا وآخر هناك، غير أنه لا يحسن تفصيل بذلة على المقاس تقي حر البرد وقر الصيف، حتى تحركاتها والتغيرات التي أحدثها الوزراء في قطاعاتهم وفي غيرها من المسؤوليات لم تؤتِ أكلها، بل ازدادت المشاكل وتفاقمت، وما تسيير مشكلة الوباء إلا نموذج بسيط لطبيعة أداءها وعدم التحكم والسيطرة على مفاصل الخلل، مثلما صرح الرئيس تبون في آخر خرجاته.

نظر العسكر ممثل في شنقريحة بصمت ثقيل لحكومة الرئيس، أطلع على القائمة، لم يقل شيئا، طوى الورقة وخرج من القصر، أبتلع غضب ما يعرف جيدا جذوره، تجلى هذا الصمت والغضب في أول خطاب عاصف، لمح فيه بالإشارة إلى أن التعيينات في المناصب يجب أن تتم على أساس الكفاءة والولاء، تلقفت آذان الرياسة الفتية والطرية هذا الكلام المبطن، وجرى احتواءه بين الطرفين في لقاءات منها ما تم تحت ظلال السرية ومنها ما هو علني في مناسبات قارة.

من بين الخطط التي باشر في تنفيذه الرئيس لإيصال أفكاره ومشاريعه وطموحاته التي عممها في حملاته الإنتخابية، لقاءات أراد من خلالها إيصال رسائل شفافة لا لبس فيها ولا تورية ولا إستعارة أو إستعراض أو كناية أو مناورات أو غشاوات أو تقربا أو تزلفا.. رسائل للقاصي والداني، للذي يشك ويرتاب، للذي لم يضع ورقته لصالحه، للذي يحرك ويتحرك في الشارع، أرادها بالصورة الجميلة والصوت الهادئ مع نتف وملل ونحل إعلامية يقع اختيارهم حسب الخبرة والطاعة والولاء والعرفان والفضول، أصطف هؤلاء ببذلتهم الأنيقة متأنقين ومعطرين وبشعور مصفوفة بالبريونتيل، فلا يصح أن تدخل القصر المهيب وتقابل رئيس البلاد وأنت مهلهل الثياب وأشعث الشعر، في أول لقاء جلس هؤلاء كالتلاميذ النجباء في ديكور فاضح مزركش يعمي الأفئدة والأبصار، في يدي كل واحد منهم مفكرة وفي رأس كل منهم الكثير الكثير من الأسئلة معدة سلفا كي لا يتم إحراج الرئيس.. كان امتحانا سيتكرر مرة أو مرتين مع تغير طفيف في الوجوه وفي زخرفة المكان، ولكن بنفس النمط والسلوك والأسلوب.. 4 إعلاميين لا أكثر وجوه مكفهرة غير ضاحكة معطوفة على التجهم، ورئيس واثق ومطمئن بدون مفاجأة، يلوح بيديه ليؤكد الفكرة أكثر لمن فاته المعنى.. تكلم بلغة فيها الكثير من سحر الوعود والأماني، رغبة صادقة وعاطفة جياشة، مشاكل لا حصر لها يعرفها جيدا ويعرف السبل لتفاديها أو معالجتها، غير أن حلولها تتطلب الجهد والإخلاص وقيام الليل والنهار، وفريق عمل مثابر لا مهرج أو استعراضي وكلامجي أو مراوغ.

القصر بتوقيت 180 يوما

في أكثر من 180 يوما قضاها الرئيس تبون في سرايا القصر، ما الذي استوقفه؟ وما الذي أعطته هذه الفترة وما فعلت في عقله وروحه ومواقفه ورؤيته للأمور من شرفة واسعة للحكم والسيطرة؟.

أعاد إلى الجزائر جماجم الشهداء وبعض عقول العلماء.. تلك للتبرك والتخليد وهاتيك للعرفان والإعتراف والإستفادة من علمهم النير، وكانت عودة الجماجم خاصة ضربة معلم وبالسيف، فلطالما علقت هذه القضية في مشجب المزايدات والتريث والنكران وحتى النسيان، طافت لفترة طويلة في سوق الصراعات والرهانات ولم يستطع عمدا أو مرغما من كانوا قبل تبون في ذلك القصر أن يتحركوا لحلحلة مشكلة الذاكرة الجريحة حتى لا يحرجوا أو تنقلب عليهم الدنيا من خلف البحار.. فكك تبون اللغز بعد صراع خفي بينه وبين ماكرون لعبت فيه الآلة الإعلامية هنا وهناك دورا مشينا في تأجيج النار على خط الهاتف بين الطرفين، إلا أن الأمور استوت في سباق مارطوني حساس ومضن وبين شد وجذب تغلبت الرزانة والعقل والمصالح المشتركة كما صرحا به الرئيسان دورا في التخفيف من حدة النظرة المهينة التي وجهها ماكرون لتبون في بداية عهده بالحكم.. ولم يفصح هذا التحول في رقة النظرة عن كل أسراره التي من المؤكد أنها مرتبطة بكل القضايا التي تترنح في أجندة رئاسة الطرفين.. الإعتراف بجرائم الإستعمار.. الحدود.. ليبيا.. مالي.. المصالح الاقتصادية.. الجالية الجزائرية في فرنسا.. إلخ.

تريث تبون في الإفراج عن الكثير من المعتقلين.. فالأمر ليس بالأمر الهين، يحتاج إلى جرعة من التفاهمات والرسائل المطمئنة.. فدبيب الحراك ما زال يطن ويلوح بأجنحته في سماء الجزائر وخفت نظرا لخطورة الوباء، وصلت بعض الرسائل سليمة لمن هم في السجن فتم الإفراج عنهم، وبقيت أخرى في درج الرئاسة تنتظر الوقت المناسب والظرف والحسابات.

باختصار وضعت على مكتبه الفاخر العديد من الملفات الشائكة والمتشابكة خاصة ما تعلق بالسياسات الخارجية كملف ليبيا وفلسطين، طريق الحرير بين الجزائر والصين، العلاقات مع روسيا، الوضع العالمي والإقليمي، والتوتر الحاصل مع المغرب وأفضل السبل لتذويب كتلة الجليد التي لا تريد أن تذوب.. كل هذا يحتاج إلى حلول تصاغ بعقول منتبهة وصارمة، ملمة بالتفاصيل والهوامش والفواصل والرهانات الممكنة للنجاح وسط الظل والطرق المكسوة بالحرير تارة وبالشوك تارة أخرى.

هذه الرهانات الداخلية والخارجية قد تتعثر وتصاب بالزكام والبرد والقنوط وتتضمر وتنكمش ما لم يعمد الرئيس إلى تجريب التغير الحقيقي الذي برأي الكثيرين لم ينطلق بعد، وليس هناك أدل على هذا الأمر من الوعود الكثيرة التي بشر بها في حملاته الإتتخابية خاصة مقولاته المتكررة عن ضرورة التشبيب وإعطاء الفرص لأجيال ترنو إلى أفق آخر ومستقبل آخر، غير أنها مقولات سرعان ما انكسرت على عتبات القصر، ولم يرى لها أثرا إلا نادرا.. شخصيات باهتة عينها الرئيس في مواقع الاستشارة يــُعرف مسار بعضهم ويـُجهل مسار أخرى، وضعت في الخلف، ولم تتقدم المشهد إلا لماما، حتى أن بعض الوزراء لا يمكنهم أن يفعلوا شيئا ذا بال ما لم يأخذوا الإذن من هؤلاء الذين أخرجوا عنوة من قمقم النسيان ومن أرشيف الماضي السحيق، وليس أدل على هذه المفاجآت الكثيرة تكليفه أحد المستشارين في مفاوضات ملف الذاكرة مع باريس، وهو ما أعتبره العديد من المتتبعين خطوة متعثرة حيث يقولون أن هذا الرجل لا يمتلك المؤهلات لتذليل العقبات والوصول إلى نتائج مرضية في ملف خطير كهذا متشعب ومضن وواسع الأفق، ويحتاج إلى نباهة وإلمام ومعرفة عميقة جدا بمسارات التاريخ والذاكرة وقدرة وقوة على الإحاطة.. شخص على الأقل منتج للكتب في هذا المجال أو أبحاث أو دراسات لافتة وهي العلامات والنقاط التي يفتقدها هذا الرجل وليست موجودة في سيرته.

ظل السؤال المحير والمقلق بعد 180 يوما واقفا على رأس الأشهاد والمتتبعين، هل عجز الرئيس عن إيجاد غير هؤلاء، أم أنه رهين قوى وعصب ونحل وفرق غامضة تتوارث القرار والحكم والسيطرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الفكاك منها لا بالقوة ولا باللين بل يجب إرضاءها حتى ولو كانت مخطئة ومفتقدة لروح المبادرة والخيال؟ أم هو نفسه إحدى أيديها الناعمة سيناور معها حتى حين.. إلى أن تتاح له الفرص أكثر ليطهر المؤسسة الرئاسية مثلما تفعله الآن المؤسسة العسكرية.

خاتم البركة

بقي الترقب وعدم رؤية الأمور بشكل صحيح وقوي وخلاق من لدن الرئيس خلال كل هذه الـ 180 يوما هو الشغل الشاغل.. يأتي متأخرا قليلا على غير عادته كأول مرة منذ دخل القصر.. هل ذلك من شدة السهر والتفكير في الملفات التي تنتظر برأسها الفارع والطويل والعريض على الباب، يجلس، ويدور في أصبعه خاتمه الثاني.. خاتم البركة المعطر بأنفاس الشيوخ والسادة أشراف الزوايا المحببين لقلبه وعقله وروحه، تلك حقائق لا أحد ينكرها، فالرجل يقعد على كرسي سلطة لطالما أخذت روحها من خمر الكرامات والغيبيات وتزينت بأدعية وأوراد الميامين الصلاح.. توضع بين يديه الخطط والإستراتيجيات والدفتر اليومي للحكم، ومثلما يدور في يديه خاتم البركة تدور في رأسه لقطات أخرى للتغير المرتقب، لعلها ستنفض الضباب الكثيف من حوله ليرى جيدا، وليبدأ في بناء دولة جديدة قوامها القوة والشفافية والصراحة، ولا يمكن له أن يستمر في تدوير الخاتم للأبد، ما لم يتمتع بحس القيادة ويبتكر خياله في مواجهة متربصي السقطات ومتتبعي الفتن وموقظي شياطين الإفك وبهلواني اللعب خلف الستار.. وهم على مرمى عينيه.