جاسم الصحيح: الجيل الشعري الجديد في السعودية ليس حارسا للصدى

علاقة محبّة بين الناقد والمبدع

يسعى الشاعر السعودي جاسم الصحيح في جمعه بين كتابة قصيدتي العمودية والتفعيلة وانفتاحه على قصيدة النثر، إلى تقديم نص مغاير يشكل في رؤيته وأسلوبه ومفردته وتجلي روحه نسيجا خاصا، يشتبك مع الهموم والأوجاع التي تلف الإنسان في حاضره المكاني والزماني، وذلك دون أن يتخلى عن الالتزام بقواعد الإيقاع والشكل، ليؤكد أن القصيدة ليست مجرد شكل، وإنما عوالم تعتمل داخل الروح، وأن التفعيلة سواء في القصيدتين العمودية أو الحرة لا يمكن أن تكون عائقا في حمل مفردات وإيقاعات وتناقضات الواقع الإنساني المعاش والتعبير عنها بعمق واقتدار.

أصدر الصحيح العديد من المجموعات الشعرية منها \"أعشاش الملائكة\"، \"نحيب الأبجدية\"، \"رقصة عرفانية\"، \"أولمبياد الجدسد\" و\"حمائم تكنس العتمة\".. إلخ. وفي هذا الحوار معه نتعرف على مسار تجربته والمشهد الشعري في المملكة العربية السعودية ومدى مواكبة الحركة النقدية له.

بداية يشير الصحيح إلى أن الكتابة الشعرية تتمثَّل حقًّا في مراحل؛ وكلُّ مرحلة تلعن أختها حينًا، وتعضد أختها حينا آخر. ويقول \"بدايتي كانت قبل ثلاثة عقود ونيِّف وهي بداية تقليدية، إلا أنَّ ما يميِّزها هو حالة التأمُّل التي مثَّلت خطوتي الأولى على درب القصيدة. ومنذُ الوعي الأوَّل وهاجسُ البحث عن الذات يطاردني بلا هوادة، وما الشعر إلاَّ حصان هذه المطاردة الشعواء.

قبل خمسة وعشرين عاما تقريبا، أصدرتُ ديواني الأول \"ظِلِّي خليفتي عليكمْ\" الذي احتوى على قصائد المرحلة الرومانسية من شعري. ثمَّ توالت الدواوين الرومانسية (عناق الشموع والدموع، حمائمُ تكنس العتمة، أولمبياد الجسد). لاحقًا، سيطرت اللغة الصوفية على روح كتابتي وتجلَّت في دواويني (رقصةٌ عرفانية، نحيب الأبجدية، أعشاش الملائكة). ثمَّ انتقلتُ إلى مرحلة الكتابة الواقعية المتجذِّرة في الأرض أكثر من انتمائها للسماء، وقد نتجت من هذه التجربة دواويني (ما وراء حنجرة المغنِّي، كي لا يميل الكوكب، قريبٌ من البحر.. بعيدٌ عن الزُّرقة).

ويؤكد الصحيح أن الشكل الشعري بالنسبة له لا يمثِّل الشعرية الحقيقية. أنا منفتح على كلِّ الأشكال الشعرية حتى قصيدة النثر الذي يعارضها الكثير، أنا أراها فتحا من فتوحات الذائقة الشعرية العربية. لذلك، أنتمي للقصيدة كيفما جاءت سواءً عمودية أو تفعيلية، ولو كنتُ واثقا من نفسي أنني سوف أكتب قصيدة نثرية جميلة، لمَا تردَّدتُ في كتابتها.

ويضيف أن \"الشكل الشعري سواء كان عموديا أو تفعيليا لا يمكن أن تنتهي صلاحيته، لأنَّه فنٌّ، والفنُّ ليس له نهاية. على العكس تماما، نرى أنَّه بعد حرب طويلة بين الأشكال الشعرية استمرت أربعة عقود تقريبا، نرى الآن في كلِّ أنحاء الوطن العربي عودةً قويةً للشكل العمودي على وجه الخصوص - في روحه الحديثة التي استوعبت الحياة\".

ويرى الصحيح أن الثقافة الحقيقية هي المخلِّص الحقيقي من أزماتنا، وهي المقاومة المسلَّحة بكلِّ آلياتها من شعر وفكر ورواية وقصة ومسرحية وموسيقى وكلِّ أشكال الفنون. هي المقاومة التي تستطيع أن توقف زحف التكنولوجيا على الأرواح واغتيال براءتها وطفولتها. لكن للأسف الشديد، الثقافة محاصرة في كلِّ أنحاء الوطن العربي، ولا تستطيع ممارسة دورها كما ينبغي.

ويلفت إلى حصول على جائزة سعودية أو عربية لا يعني له إلا التقدير والسعادة، ويقول \"أن انطباعي تجاه أي جائزة أفوز بها لا يتعدَّى في البداية الممارسة التقليديّة لإنسانيتّي وهي السعادة بذلك الفوز، حيث إنّني لا أدع اللحظة تفقد معناها، ولا أترك الفرحة تخسر قيمتها. ولكن بعد الخروج من زنزانة النشوة، أبدأُ التفكير الجدّيّ في الجائزة، فأكتشف أنّها توأم المسئوليّة الكبرى حيث يجب أن أتحمّل تبعات الفوز الثقيلة، فالوصول للفوز هنا هو بداية السباق. وهكذا تتحوّل الفرحة إلى قلقٍ إبداعيٍّ يهرول في دمائي وتبدأ الأسئلة بارتجال الضجيج في المسافات من حولي. الجائزة ليست شرطا للتطور الشعري ولا دليلا على الإبداع، ولكنَّها قد تكون محطَّة تزوِّد الشاعر بوقودٍ من المعنويات لمواصلة رحلته الإبداعية\".

ويعتقد الصحيح أن حضور القصيدة العمودية في كلِّ البلدان العربية ومنها المملكة العربية السعودية حضورٌ كثيف خصوصا في العقد الأخير بعد أن هدأت معركة حرب الأشكال الشعرية. وقد شهدتُ ذلك بنفسي من خلال المهرجانات الشعرية التي أشارك فيها، ومن خلال الدواوين الشعرية التي أقرأها.

ويوضح أنَّ المشهد الشعري العربي يعمل بعمق في أرض الشعر، يحرث ويبذر ويسقي ويستنبت، ولكنَّ المشكلة الكبيرة تكمن في عدم مقدرة المشهد على إنتاج رموز جديدة بعد أن غادر معظم الرموز إلى رحمة الله تعالى. وجود الرموز الشعرية - في كلِّ عصرٍ- مهمٌّ لأنَّها تلقي ظلالا إيجابية على روح الجيل الصاعد. لدينا في المملكة العربية السعودية - مثلًا- جيلٌ صاعد يبدع ذاته بذاته، ويكتب كلَّ الأشكال الشعرية بامتياز. إنَّهُ جيلٌ يبدع صوته الخاص به بدلا من أن يكون حارسا للصدى؛ إنَّهُ صديق الريح ورفيقها على طريق البحث عن كلِّ جديد.

ويكشف الصحيح أن الفارق بين شعراء الستينيات وشعراء الجيل الشبابي الآن يكمن في عدة نقاط، أهمها: أن الجيل الشبابي أُتيحَت له فرصة الوصول إلى المعرفة بسهولة عبر الثورة المعلوماتية الراهنة، وهذا لم يُتح لجيل الستينيات. كذلك، لغة العصر وهموم العصر ومشاكله وقضاياه اختلفت قليلا عن عصر الستينيات خصوصا مع حضور التكنولوجيا الحديثة، فانعكس كلُّ ذلك على قصيدة الجيل الشبابي.

وينبه إلى أن الحضور القوي في المهرجانات له إيجابياته وله سلبياته خصوصا إذا لم ينتبه الشاعر إلى خطورة هذا الحضور. لا شكَّ أنَّ التواصل مع شعراء الوطن العربي عبر الحضور في المهرجانات هو من أهمِّ الإيجابيات؛ إضافةً إلى الاطلاع على تجارب الشعراء الآخرين. لكنَّ السلبية التي قد يقع فيها الشاعر تكمن في استهلاك ذاته وشخصيته إذا لم يكن حذرًا على هذا الصعيد. أما من جهة العلاقة بين الإعلام العربي والحركة الشعرية في المملكة العربية السعودية فأعتقد أنَّها طبيعية، وشأنها في ذلك شأن العلاقة بين المشهد الشعري في أيِّ وطن عربي مع إعلامنا في المملكة العربية السعودية.

ويرى الصحيح أن النقد كما نعلم جميعا هو أداة لتطوير الحياة على عمومها وليس وقفا على الكتابة. ولكن ما دمنا نتحدّث عن النقد الأدبي في المشهد الشعري بالمملكة، فأعتقد أنّ هذا النقد كان مهمًّا جدا في إضاءة طريق المبدعين خصوصا وأنَّ معظم النقَّاد يتمتّعون بثقافة واسعة وإحساس ثاقب، كما أنَّهم على علاقة محبة مع الشعراء، والنقد في جوهر ذاته يجب أن يقوم على علاقة محبّة بين الناقد والمبدع وذلك من أجل أن يفي بغرضه تمام الوفاء.