د.مراد الريفي: من فاس إلى الألكسو.. الثقافة مشروع حضاري لا منصب عابر
حين نتأمل في مسارات بعض الأسماء التي صنعت حضورًا نوعيًا في الحقل الثقافي العربي، نجد أن رحلة د.مراد الريفي تتقدم في طليعتها بما تحمله من فرادة وعمق وتنوّع، فمنذ سنواته الأولى وهو ينهل من عوالم الرواية التاريخية بلغات متعددة، ويتردد على مكتبة والده حيث شدّه كتاب الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي، كانت تتشكل في داخله أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والهوية. هذا الوعي المبكر سرعان ما تحوّل إلى خيار أكاديمي جعل الأنثروبولوجيا والمخطوطات مدار حياته العلمية والفكرية، فكان أن انطلق من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، ليغدو لاحقًا واحدًا من أبرز الباحثين المغاربة في هذا المجال.
لكن مسيرة الريفي لم تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تشعّبت لتشمل العمل الثقافي والإداري على نطاق واسع، حيث جمع بين البحث الميداني والتأليف، وبين التدريس والتأطير الجامعي، وبين الإشراف على مشاريع ثقافية كبرى في المغرب، وصولًا إلى مناصب رفيعة داخل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، وهو ما أتاح له أن يكوّن رؤية مركبة تجمع بين البعد النظري والتحليل العلمي من جهة، وبين الخبرة العملية في صياغة السياسات الثقافية من جهة أخرى.
في هذا الحوار، لا نكتفي باستعادة محطات شخصية وأكاديمية مهمة في حياة الريفي، بل نقترب من رؤيته حول المخطوط العربي، وما يواجهه من مخاطر مادية ورهانات معرفية في عصر الرقمنة، كما نتوقف عند تجربته في الانتقال من العمل المحلي داخل المغرب إلى فضاء أوسع يتطلب حسًّا دبلوماسيًا وثقافيًا لإدارة العمل العربي المشترك. ولعل الأهم أن هذا الحوار يفتح لنا نافذة على كيفية موازنة المثقف بين الإبداع والتفكير النظري من جهة، وبين مقتضيات الإدارة والتدبير الثقافي من جهة ثانية، وهي معادلة ليست باليسيرة في واقع عربي يزداد تعقيدًا وتشابكًا.
إن الإصغاء إلى تجربة الريفي هو في جوهره إصغاء إلى سيرة مثقف آمن بأن قيمة المنصب ليست في عنوانه بقدر ما هي في ما يُنجَز من خلاله، وأن الثقافة ليست ترفًا، بل مشروعًا استراتيجيًا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل.
** كيف بدأ اهتمامكم بعلم الأنثروبولوجيا والمخطوطات؟ وهل كنتم تتوقعون الوصول إلى مناصب رفيعة كهذه في العالم العربي؟
بدأ اهتمامي بالتراث الثقافي والفكري عموما والأنثروبولوجيا تحديدا في فترة الشباب مع بداية الدراسة الثانوية حيث كنت شغوفا بالرواية التاريخية، إذ كنت نهم القراءة لهذا النوع من الرواية باللغات الفرنسية والعربية والإسبانية، ما جعلني أجوب عوالم المجتمعات عبر التاريخ وأصول وأجول في تضاعيف الخصوصيات الثقافية، وغناها وتنوعها من مجتمع لآخر، ومن حقبة زمنية لأخرى، ومن بقعة جغرافية لأخرى. وأجزم أن هذا الزخم الروائي الذي اكتنزته ذاكرتي، ينضاف إليه بعض الكتب التراثية كالإمتاع والمؤانسة للتوحيدي التي كنت أستلها من خزانة والدي رحمه الله، شكل البذرة التي غرست في وجداني منذ مرحلة المراهقة، فحدث التعلق بما يدور في فلكها، وهو ما حدا بي إلى تفضيل المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث عن معاهد أخرى كنت قد اجتزت مباريات الولوج إليها. وهناك كان من بين التخصصات مادة الأنثروبولوجيا فوافق السياق المساق. وبالمعهد كذلك اكتشفت أهمية المخطوط والوثيقة، لكن اهتمامي بالمخطوط ازداد عند تعييني مندوبا لوزارة الثقافة بإقليم الرشيدية على الحدود الشرقية المغربية، حيث اكتشفت هناك مجموعات خطية بالغة الأهمية تحتاج لمزيد الرعاية والاهتمام، وآنداك بدأت مسيرة التعرف على نفائس التأليف المغربي المبهرة.
أما عن توقع وصولي إلى مناصب مهمة في العمل الثقافي العربي، فأنا لا أتوقع أي شيء، إنما أجتهد ما استطعت وأعمل بإخلاص وتفان ووفاء، فكم من المناصب جهدت في الوصول إليها ولم أوفق، وكم من المناصب والمسؤوليات أتتني طائعة طيعة لم أسع إليها البتة، ونافلة القول في هذا الباب، وما توفيقي إلا بالله، ثم أن شغل المناصب المهمة لا يكتسي أهميته من عنوان المنصب ولكن مما ينجز فيه من عطاء نافع.
** حدثنا عن أبرز المحطات التي شكلت مسيرتكم الأكاديمية والثقافية، خصوصاً في المغرب.
المحطة الأولى كانت في العمل بمدينة فاس كمحافظ مساعد لمتحف الأسلحة، وقد كانت غنية بجميع المقاييس لأن مقامي القصير بفاس لمدة سنتين لم يمنعني من الانغماس في تاريخ وثقافة المدينة العتيقة، ومبادرتي إلى تدريس مادة المدينة الإسلامية بمعهد التكوين في فنون البناء الذي كان يدرس مكونات التراث العمراني والمعماري بطرق مهنية وحرفية. وقد شكلت الأبحاث الميدانية التي قمت بها، انطلاق اهتمامي بموضوع غير مطروق على الصعيد العربي من وجهة نظر أنثروبولوجية وهو موضوع التمثلات الرمزية والتطبيقية للدم في الثقافة المغربية، وهو ما تحول إلى أول رسالة دكتوراه في تخصص الأنثروبولوجيا نوقشت بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، نشرت باللغة الفرنسية (2002)، ثم تحول اهتمامي في المحطة الثانية إلى التراث الرمزي في الفنون المعمارية، حيث قمت ببحث ميداني استغرق سنة كاملة بمدينة سلا حول التراث الرمزي لبيوتات سلا العتيقة، حولته إلى كتاب جاهز للنشر منذ مدة، لكن لم أسع إلى نشره لانشغالات إدارية كثيرة. هذه المحطة الثانية فتحت الطريق على مصراعيه للاهتمام بمواضيع ذات ارتباط بالتراث المعماري والعمراني، وهو ما تطور بشكل مفاجئ إلى أول رسالة دكتوراه وطنية في تخصص تمدن المجال بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، في موضوع بناء العلاقات الاجتماعية بالفضاء الحضري المغربي "نموذج المقاهي بالرباط"، نشرت باللغة الفرنسية (2018).
أما المحطة الثالثة، فهي التدريس والتأطير الجامعي حيث درست مادة الذاكرة الجماعية والتراث المعماري بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، ومادة علم الاجتماع الحضري بالجامعة الدولية للرباط، ومادة المشروع الثقافي بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، ولم يمنعني من مواصلة التدريس الجامعي إلا المناصب التي تقلدتها والتي تحتاج لتفرغ تام.
أما مسيرتي الثقافية، فهي حافلة تحتاج لحوار مستقل، إذ نشرت العديد من المقالات العلمية وقدمت عددا كبيرا من المحاضرات وساهمت في تنظيم كثير من الأحداث الثقافية، وأشرفت على تنفيذ مشاريع ثقافية كبرى، وأكتفي بالإشارة إلى مهمة المنسق العام لوجدة عاصمة الثقافة العربية سنة 2018 والتي أنجزنا فيها أكثر من 420 نشاطا ثقافيا، ومسؤولية عضو فريق الحوار الوطني حول المجتمع المدني وأدواره الدستورية الجديدة، ومسؤولية مقرر اللجنة المكلفة بإعداد القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية.
** ما التحديات التي واجهتموها في الانتقال من العمل المحلي إلى مناصب إقليمية تابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)؟
العمل بالمنظمات الإقليمية والجهوية والدولية له ضوابطه وقواعده التي يجب احترامها والتقيد الصارم بمراعاتها، فضلا عن التقاليد التي راكمتها الألكسو كمنظمة عربية رائدة أنجزت العديد من المبادرات والمشاريع وأعدت الخطط والوثائق الاسترشادية التي تبقى مرجعية على صعيد الوطن العربي. ويبقى التحدي الأبرز هو النجاح في إقناع المؤسسات والجهات العربية ذات الصلة بميدان العمل الذي يشتغل فيه كل مدير، بمزيد الانخراط والتعاون وتعزيز فكرة العمل العربي المشترك وما يمكن أن يجنى من ثماره الوفيرة.
** ما هو تقييمك الحالي لحالة المخطوط العربي في العالم العربي؟ هل هو في خطر؟
إذا كنتم تقصدون بالمخطوط العربي الوعاء المادي ففعلا هو في خطر لأن ظروف تخزينه وصيانته وترميمه ما زالت تحتاج إلى جهد كبير من طرف بعض الدول العربية التي لا تتوفر على الموازنات الكافية في الغرض. علما أن دولا عربية أخرى قامت بمجهود كبير في هذا المضمار واستطاعت بالفعل أن توفر المختبرات اللازمة لصيانة وترميم النفائس الكبرى. أما من ناحية المخطوط العربي كمضمون فكري ومعرفي، فيمكن القول إن الرقمنة وقبلها التصوير الميكروفيلمي، قد أنقذت جزءا كبيرا من نفائس المخطوطات العربية، ولا خوف على مضامين هذه المخطوطات لأن أهم المكتبات تتيح هذه المخطوطات في صيغتها الرقمية، مع العلم أن مجهود الرقمنة يزداد يوما بعد يوم بالوطن العربي وبالمكتبات العالمية التي تحوي أهم المجموعات الخطية العربية.
** كمثقف إداري، كيف توفق بين الجانب البيروقراطي والبعد الإبداعي في العمل الثقافي؟
تعبير "المثقف الإداري" يبدو لي غريبا، فإما أن تكون مثقفا أو لا تكون، ومن بين جذور مفهوم المثقف، الثقف أي الحذق الذكي سريع الفهم، الذي ينتبه إلى جوهر المسائل ويلتقط من الأمور أهمها ويترك الأخلاط والشوائب. وهذه المهارات والقدرات غاية في الأهمية لمن يلج عالم العمل الثقافي، إذ أصبح هذا المجال كاليم المتلاطم الأمواج، تتسارع فيه المعطيات والمنتوجات والمنجزات بشكل متفاقم، وتهيمن فيه الثقافات الغالبة التي تفرض مضامينها ومناهجها وزوايا نظرها. فيصبح القائد الإداري الفطن في مضمار إدارة الثقافة هو من له بوصلة حضارية توجه أهدافه الاستراتيجية، وتنظم خططه المنهجية، على أن تراعي تلك البوصلة أحوال الجو الحضاري العام وتقلباته العاصفة، وهنا مكمن الإبداع في العمل الثقافي، أي تلك القدرة على اختيار المحاور وبناء البرامج التي تخدم هويتنا الحضارية المتعددة الأبعاد مع الحرص على تناغم خصوصياتها مع المدى الإنساني لمفهوم الثقافة.
** هل من تجارب ناجحة ترون أنه يجب تعميمها في مجال التدبير الثقافي العربي؟
السياسات الثقافية بالوطن العربي حبلى بعديد التجارب الناجحة التي لا يتسع المقام لذكرها. وسأكتفي بالإشارة إلى بعض التجارب الرائدة التي يمكن تعميمها. أولها برنامج "اكتشف تراث مدينتي" الموجه للأطفال والذي أطلقته مؤسسة المحافظة على التراث الثقافي لمدينة الرباط، وهو برنامج نجح إلى حد بعيد في تبسيط المضامين التراثية وتقريبها من الطفل الرباطي بشكل يعزز تعلقه بهذا التراث. التجربة الناجحة الثانية شرفت بإعدادها وبناء تصورها تحت لواء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهي "رحلة الطفل إلى عالم المخطوط"، وهي عبارة عن سلسلة من الفعاليات المتكاملة التي تزرع في ذهن الطفل بذرة تعلقه بالتراث الفكري مع تعزيز مهارات وقدرات الإبداع في التعامل معه ليس كمتن جامد بل كمضمون منفتح مغذي للمضامين الثقافية المعاصرة. وتبقى تجربة شبكة المدارس المنتسبة للألكسو من أهم المبادرات التي يمكن ذكرها في هذا الإطار والتي تحتاج إلى توسيعها لما تمثله من أهمية كبرى في تمرير الرسائل التثقيفية والتربوية المعززة للعمل العربي المشترك.



