نورالدين المراكشي يزاوج بين الخط العربي والفراغ الصوفي في قصر الباهية

الفنان المغربي يقدم في معرضه "Aesthetic Art" بقصر الباهية رؤية فنية تعتمد على الزهد البصري والتجريد الصوفي؛ حيث يوظف التناغم بين بياض الفراغ وسواد الخطوط، لنقل قناعاته الإيمانية وتجسيد رؤى إنسانية عميقة.

في قصر الباهية، حيث الأصالة المعمارية للطراز المغربي المتمثل في زخرفة هذا البناء التاريخي الفخم، أقام الفنان المغربي نور الدين المراكشي معرضه في السادس من ديسمبر/كانون الاول 2025 تحت عنوان "Aesthetic Art". وهو القادم من مدينة ليون الفرنسية، حاملًا معه عبء إبداعه الفني ورؤيته نحو العالم، والتي تتجلى من خلال خطوطه وتشكيلاته التي غصّت بها ثلاث صالات من ذلك القصر الذي أضحى قِبلة للسياح من مختلف أنحاء العالم.

حالما تتأمل تلك اللوحات للمرة الأولى، تنتابك جملة من المشاعر تتجلى في أنك تقف أمام بهاء الزهد في تصميم اللوحات وإنجازها، حيث للفراغ حضور شاسع، يمنح الناظر فسحة من الصفاء الروحي، في أعمال عديدة تعتمد على اللون الأبيض الذي يوحي بالاطمئنان الروحي. وهو ما أعنيه بالفراغ الذي يحيط بالخطوط، ونقيضه الخط الأسود الذي هو الفعل اللوني المركّز؛ حيث أن السواد في علم الألوان ينبثق ويتكون من جملة ألوان الطيف الشمسي مجتمعة. وهكذا نجد أنفسنا أمام لونين يتحدان معًا لتكوين رؤية بصرية تعبّر عن قناعات إيمانية يؤمن بها الفنان المراكشي، حيث اعتمد في تلك اللوحات على حروف ثلاثة لها قدسية عند المسلمين في عموم العالم، وهي: الميم مكررًا، والحاء، والدال.

حروف صغيرة في حجمها، ولكنها كبيرة في حمولتها الفكرية والإيمانية. وقد صاغ منها أشكالًا فنية مختلفة، وكأنه في محراب تصوفي يفجّر من الحروف القليلة حشدًا من المعاني المختلفة، مستعينًا بقدرته على منحها رؤى تعتمد على الزهد البصري في ابتعاده عن المظاهر. فنحن لا نشاهد سوى المساحات المسكونة بالفراغ، أعني فراغ اللوحة من الزخرف اللوني، والذي يوحي بالصمت؛ لأنه اختزل الأشكال إلى أبسط دلالاتها، كما استغنى عن الألوان مكتفيًا بالتجريد الصوفي الذي وصل إلى أوْجه بالاكتفاء باللون الأسود، وهو يملأ الفراغات البيضاء بتلك الحروف المنتقاة، والتي تتغير من لوحة إلى أخرى مع الاحتفاظ بوحدة الموضوع.

ورغم أن أغلب لوحاته تتخذ مسارًا من الزهد في التفاصيل والتركيز على ضخامة الخطوط ورشاقة انحناءاتها، ولكن ثمة لوحتين اتخذتا مسارًا مختلفًا، فقد فاضت الحروف بهما حتى تحوّل الحرف المحمدي على شكل نسيج للكوفية الفلسطينية، وهي تحف بخطوات تكوين "Figure" يبدو كطفل فلسطيني يخطو محفوفًا بالنصر والخلاص.

هل ذهبت بعيدًا في تصوراتي؟ أم أن فن الـ "إستتك" قادرٌ على الولوج لمثل هذه الرموز؟ لا سيما وأن الفنان نور الدين المراكشي قد لجأ إلى هذا الفن لصياغة الكثير من رؤاه وأفكاره، ووضعها في جسد الكثير من لوحاته التي رست على موانئ الجمال الخالص الذي يأتي من خلال الاهتمام بجوهر الأشياء لا بمظهرها.

لقد جاءت لوحات المعرض بفكرة عدم التركيز على إثقال اللوحة بالتفاصيل، حتى تشعر بأن لوحاته عارية إلا من تواضعها، وتركيزها على البساطة والعزلة والانسجام بين الإنسان والطبيعة.

لقد كان للصينيين باع كبير في لوحات الحبر الصيني الذي يجسّد الفكرة من خلال الحبر الذي يعانق الفضاء الأبيض معتمدين على طبيعة الحرف الصيني. ولقد وجد الفنان نور الدين وهجًا وقدرة في الحروف العربية أيضًا لتؤكد قابليتها على التأثير، ولتؤكد سمو هذا الفن وقابليته على التأثير.

لقد كان المعرض فرصة لتبادل وجهات النظر بين الحضور الذين أبدوا إعجابهم بمهارة الفنان وقدرته على التعبير بأدوات فنية محدودة.