'اعترافات قناع' يوكيو ميشيما: حين يصبح الجمال طقسًا للموت

قارئ الكتاب يخرج منه كما لو أنه مرّ بنفقٍ طويلٍ من المرايا الملطخة بالدم، يرى فيها وجهه ووجه العصر معًا.

يوكيو ميشيما كاتب ومفكر ياباني يُعَدّ من أبرز رموز الأدب الحديث في اليابان، جمع بين جمال اللغة وعمق الفكرة، وبين التقاليد اليابانية والحداثة الغربية في توليفة فريدة. عُرف بقدرته على سبر أغوار النفس البشرية، واستحضار الصراع الأزلي بين الجسد والروح، والحياة والموت، والجمال والفناء. عاش حياة درامية تشبه رواياته، وانتهت بموتٍ اختاره طقسًا ومعنى، فصار رمزًا للكاتب الذي جعل من الأدب موقفًا وجوديًا، ومن الجمال قدرًا لا يُفلت.

يقول ميشيما عن روايته "اعترافات قناع"، التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بترجمة كامل يوسف حسين "هي سيرة ذاتية جنسية تهدف إلى أن تكون دقيقة قدر الإمكان. الجزء الأول مخصص، من خلال تحليلي الشخصي، لدراسة السادية والانحراف، ويهدف الجزء الثاني إلى سرد اعتراف الحب، والذنب الناري والأبدي الذي ينبع منه. إن كتابة هذا العمل تعني بالتأكيد موت المخلوق الذي أنا عليه، لكن لدي أيضًا انطباع، أثناء الكتابة، بأنني استعدت حياتي شيئًا فشيئًا. ماذا أعني بذلك؟ قبل أن أكتب هذا العمل، كانت الحياة التي عشتها حياة جثة. في الوقت الذي، بفضل هذا الاعتراف، كان موتي يحدث، نشأت الحياة مرة أخرى من داخلي".

مقدمة المترجم كامل يوسف حسين تؤكد اعتراف ميشيما، يقول إننا "أمام نصٍّ لا يقدِّم عملًا أدبيًا فحسب، بل يفتح أبواب جحيمٍ مكتوم، ويعرّي قلب كاتبٍ عاش حياته كما يكتبها، بين السيف والقناع، بين الجمال والموت".

منذ الجملة الأولى  في المقدمة "هذا كتاب وحشي، يتدافع كقطع الليل، ويتدفق مثل قافلةٍ مسرعة في الطريق من الجحيم إلى الجحيم"، ندرك أننا أمام نصٍّ ليس من الكتب التي تُقرأ للمتعة أو التسلية، بل من تلك التي تُحسّ كأنها تصدر من فمٍ دامٍ، أو من صدرٍ يختنق وهو يحاول أن يعترف. كل صفحة من هذا العمل ـ كما يصفها كامل ـ جمراتٌ تفحمت، والسطور ملكاتٌ في لحظة انتحار. إننا أمام كلماتٍ كتبتها روحٌ توشك على الانطفاء، يطلّ منها الكاتب الياباني العظيم يوكيو ميشيما كما لو كان في مرآةٍ من لهب، يرى فيها وجهه الممزق بين طفولةٍ مُعنَّفة، وجسدٍ مقموع، ووطنٍ فقد روحه.

ويضيف كامل إن صفحات هذا الكتاب هي صفحات من انتفاء الأمل، من رفض الإشفاق على عالمٍ ينهار دون أن يولد عالمٌ جديد. كان الناشرون الأمريكيون يخشون طباعة هذا الكتاب لأنه يحوي طاقة معتمة، غارقة في التعاسة واليأس، بينما قدّمه الإنجليز والفرنسيون مصحوبًا بتحذيراتٍ من أثره المربك والمزلزل. لم يكن ميشيما يسعى إلى استدرار الشفقة، بل إلى فضح القناع الذي يختبئ وراءه الإنسان المعاصر، إلى القول بأن كل فردٍ يحمل داخله جثّة حلمٍ قديم، وأن الاعتراف ليس سبيلًا إلى التحرر بقدر ما هو طريقٌ إلى الانفجار.

وفي اللحظة التي يصف فيها كامل انتحار ميشيما، يبدو المشهد كأنه استمرارٌ طبيعي لذلك الجحيم المكتوب. ففي صباح الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1970، لفّ ميشيما كليتيه بقطعة قطن بيضاء، ووقف أمام عدسات الكاميرا ليغمد سيفه في أحشائه في طقسٍ طافح بالمعنى. لم يكن انتحاره استعراضًا أو نوبة جنونٍ عابرة، بل كان، كما يراه المترجم، ذروة تجربةٍ عاشها حتى أقصاها، ورغبة في أن يحقّق بالدم ما عجز عن تحقيقه بالحبر. لقد كتب الموت قبل أن يمارسه، وها هو الآن يترجمه بالفعل، كما لو كان الجسد هو الصفحة الأخيرة من روايته.

ميشيما، وُلد باسم كيميثاكي هيراوكا عام 1925 في طوكيو، في أسرةٍ متوسطة، لكن جدته التي كانت من سلالة الساموراي هي التي طبعت طفولته بطابعها القاسي. أخذته من أبويه وربّته كما لو كانت تدرّبه على حياةٍ من العزلة والانضباط، حياةٍ يغيب فيها الحنان ويحلّ محله الإصرار على الصرامة والجمال والواجب. التحق بمدرسة النبلاء المغلقة، وتشرّب هناك أدب اليابان الكلاسيكي، فأخذ يرى العالم من خلال تراثٍ مثقل بالرموز والطقوس، حيث الجمال ليس زينة بل قانونًا صارمًا للموت والحياة معًا. كتب في السادسة عشرة روايته الأولى "غابة مزهرة"، وفيها قال إن الأجداد يرقدون في أعماقنا كحنينٍ رائع، لكنهم يحافظون على بعدهم عنا بصرامة. منذ تلك اللحظة بدأ حواره الطويل مع الماضي الياباني، ذلك الماضي الذي كان يحكمه الشرف والسيف، ويطلّ منه الحاضر بلا يقينٍ ولا جذر.

يوكيو ميشيما
رواية عن اليابان بقدر ما هي عن كاتبها

في عام 1949 نشر روايته الأولى "السارقون"، ثم جاءت بعد عام رواية "اعترافات قناع" التي فجّرت اسمه وأعلنت ميلاد كاتبٍ استثنائي. رآها النقاد عملاً فذًّا في أدب الاعترافات، لكنها أكثر من ذلك؛ فهي ليست مجرد سردٍ لتجربةٍ شخصية، بل مواجهة عارية مع الذات ومع الجسد ومع المجتمع الذي يفرض أقنعته الثقيلة على الفرد.

يصف كامل الرواية بأنها تجربة "انضباط اسبرطي"، حيث حاول ميشيما أن يتخلّص من التراكيب المترفعة نحو خيالٍ بعيد، وأن يكتب واقعه الداخلي كما هو: مثقلًا بالرغبة والموت والجمال المعذَّب. وإذا كانت "اعترافات أندريه جيد" قد عُدت يومًا قمة الصراحة في الأدب الغربي، فإن هذا الكتاب ـ كما يقول ـ يجعلها تبدو تأملات تلميذ بريء في سيرته الذاتية. فهنا الاعتراف ليس تفريغًا ولا توبة، بل خلقًا لجمالٍ ينحت من الألم شكلًا خالدًا.

وفي سياق المقارنة، يستدعي كامل قول أندريه جيد عن دوستويفسكي "إن المشاعر الجميلة تفرز فناً رديئاً، ودون مساعدة من الشيطان لن يتم إبداع الفن. فالفن عند ميشيما ليس وليد الصفاء، بل وليد الجحيم. إنه ابن الشيطان الجميل الذي يجعل الجمال نفسه سلاحًا ضد الحياة. هذا ما يجعل "اعترافات قناع" رواية عن اليابان بقدر ما هي عن كاتبها، لأن البطل الحقيقي فيها هو وطنٌ جريح، ينهض من رماد الحرب وقد فقد كل يقينه، عاجزًا عن الانفصال عن ماضيه الإمبراطوري، وغير قادرٍ على التواصل مع مستقبلٍ غربيٍّ لا يفهمه. القناع في الرواية ليس أداة إخفاء فقط، بل هو صرخة احتجاجٍ ضد العالم الجديد الذي يفرض على الإنسان أن يتخفّى ليتعايش.

لم يكن ميشيما أسير نجاحه، بل ظل يكتب وكأنه يحترق. تتابعت رواياته: "عطش الحب" عام 1950، "هدير الأمواج" عام 1954، ثم "الخيمة الذهبية" عام 1956 عن حريق معبد كيوتو، حيث يصير الجمال لعنةً تدفع إلى الهدم. وحين أخفقت روايته "دار كيوكو" سنة 1959، انسحب إلى السينما والموسيقى، لكنه لم يتوقف عن التفكير في المشروع الذي أراد أن يودّع به الحياة: رباعية "بحر الخصب" التي بدأها عام 1965 وأنهاها عشية انتحاره عام 1970. كان يقول لمن حوله "بعد أن أنتهي من هذا العمل، لن يبقى أمامي سوى الانتحار"، وقد وفّى بوعده، لأن الانتحار بالنسبة إليه لم يكن نهاية، بل اكتمال الدورة الجمالية التي عاش من أجلها.

في تلك السنوات الأخيرة ازداد افتتانه بالسياسة والفكر القومي الياباني. لم يكن قوميًّا بالمعنى التقليدي، لكنه كان يرى أن اليابان بعد الحرب فقدت روحها حين تخلّت عن إمبراطورها وعن تراث الساموراي. أسس جماعة "تات نوكي" أو "جماعة الدرع"، وهي ميليشيا صغيرة من الشباب هدفها حماية الإمبراطور والدفاع عن هوية اليابان. كان ميشيما يتدرّب مع قوات الدفاع الذاتي، يرفع الحديد، ويتعامل مع جسده كمنحوتة من إرادةٍ صارمة. في كتاباته ومقابلاته كان يقول إن الجسد هو لغة الروح، وإن الكاتب لا يكتمل إلا حين يعيش جسده كفنٍّ أيضًا. لم يكن يرى تناقضًا بين الجمال والموت، بل كان يعتبرهما وجهين لعملةٍ واحدة، لأن الجمال الذي لا يخاطر بالفناء يظل ناقصًا.

وهكذا تحوّل ميشيما إلى ظاهرة فريدة، إلى كاتبٍ يجسّد ما يكتب. كان يرى في الموت حتمية جمالية، وفي الفن خلاصًا من العدم. انتحاره لم يكن احتجاجًا سياسيًا ولا انفعالًا شخصيًا، بل أداءً لطقسٍ داخلي طالما استعد له كتابةً وحياة. لذلك قال كامل في ختام مقدمته إن المقام ليس مقام دفاعٍ عن ميشيما أو تهجمٍ عليه، وإنما مقام للتعرّف عليه واستيعاب العالم الذي صدر عنه. إن ميشيما، في نظره، ليس مجنونًا ولا نبيًا، بل كائنٌ عاش مأساة عصره إلى أقصاها، وكتبها بدمه.

ورغم مرور عقود على رحيله، ما زالت "اعترافات قناع" كتابًا صاعقًا، يقف في تخوم الأدب والفلسفة، بين الرغبة والموت، بين الطهر والعنف، بين الجمال والرعب. يخرج القارئ منها كما لو أنه مرّ بنفقٍ طويلٍ من المرايا الملطخة بالدم، يرى فيها وجهه ووجه العصر معًا. وربما لهذا السبب قال المترجم في افتتاح مقدمته: "هذا كتاب وحشي... ومن لم يحتمل حرارته، فعليه أن يغلقه قبل أن يُصاب بعسر الهضم. إنه كتاب لا يُقرأ بل يُختَبَر، ومن لا يملك شجاعة الدخول فيه عليه أن يبقى خارجه، لأن الداخل سيخرج منه مختلفًا، وقد التهمته نار الاعتراف التي لا تخمد".