التعليم عن بعد يجر القاصرات إلى الزواج المبكر في الأردن

الأرقام الرسمية تكشف عن ارتفاع في عقود زواج الفتيات ضمن الفئة العمرية (15-18 عاماً) خلال العام 2020، رغم أن المملكة بمؤسساتها الحكومية ومنظماتها المدنية تبذل جهودا كبيرة لمحاربة هذه الظاهرة.


عقود زواج القصر في الأردن بلغت في عام الجائحة 7964 عقداً لفتيات و194 عقداً لفتيان


زواج القصر يؤدي إلى أبوة مبكرة ومعها ضغط إضافي لتأسيس عائلة


الوباء يعرقل هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بإنهاء زواج الأطفال بحلول 2030

بعد أن قطعت دول كثيرة تساندها منظمات مدنية محلية وعالمية أشواطا من التقدم نحو القضاء على الزواج المبكر، تسببت عمليات إغلاق المدارس جراء انتشار فيروس كورونا وفرض نظام التعليم خلال العامين الماضي والجاري، في فقدان ملايين التلاميذ لتعليمهم، واضطرار الأسر الفقيرة لتزويج بناتها القاصرات.
وتتأثر الفتيات بالأزمة الصحية بشكل أسوأ بكثير من الأولاد، حيث يتحملن تداعيات الركود الاقتصادي الناجم عن الوباء على عائلاتهن، فيُجبرن على ترك التعليم بشكله الافتراضي الذي يثقل كاهل الأهل بأدواته الجديدة كالهواتف الذكية أو أجهزة الكمبيوتر والوصول إلى الانترنت.
وفي أكثر تأثيرات الجائحة قتامة في الأردن على صعيد ظاهرة تزويج القصر، تفيد الأرقام الرسمية ارتفاعا في عقود الزواج المبكر التي كان فيها أحد الزوجين أو كلاهما ضمن الفئة العمرية (15-18 عاماً) خلال العام 2020، رغم أن البلد بمؤسساته الحكومية ومنظمات المجتمع المدني تبذل جهودا كبيرة لمحاربة هذه الظاهرة.
وأظهر التقرير السنوي للعام 2020 الصادر عن دائرة قاضي القضاة في المملكة أن حالات زواج القصر وصلت الى 7964 عقداً لفتيات قاصرات و194 عقداً لفتيان قاصرين، وبنسبة 11.8% من مجمل عقود الزواج العادي والمكرر، وكان هذا الارتفاع بنسبة 1.2% مقارنة مع عام 2019 والذي كانت فيه نسبة تزويج القاصرات 10.6% (7224 عقداً).

على العالم المضي في محاولات جادة وموسعة لتغيير الأعراف الاجتماعية التي تديم عدم المساواة بين الجنسين

وتربط نتائج ورقة تحليلية صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة في الأردن بين الزواج المبكر والانقطاع عن التعليم، فهو يؤثر سلبا على تعليم الفتيات بكافة مستوياته المدرسية والجامعية والعليا، كما أنه قد يكون سببا رئيسا لترك التعليم مبكرا.
ويعمل الأردن في السنوات الأخيرة على متابعة  التشريعات للحد من الظاهرة التي تنهش الطفولة تحت غطاء الاستقرار والسترة، ففي يوليو/تموز 2020 وضع المجلس الوطني لشؤون الاسرة مشروعا لمتابعة الخطة الوطنية للحد من زواج الأطفال (2020-2024) والممول من صندوق الامم المتحدة للسكان والتي تهدف الى مراجعة السياسات والانظمة والتشريعات الوطنية وتعزيز الوعي الاسري وتعزير المشاركة بين الجهات المعنية لمكافحة الزواج المبكر والحد من تأثيره على الاسر الأردنية.
وكان الأردن قد أدخل في العام 2019 تعديلات على قانون الأحوال الشخصية سمح بالزواج في "حالات خاصة" في سن السادسة عشرة، شرط موافقة قاضي القضاة وأن يكون الزواج "ضرورة" تقتضيها المصلحة والتحقق من توفر الرضا والاختيار ووفق تعليمات يصدرها قاضي القضاة.
وبموجب القانون الساري فإن السن الأدنى للزواج في الأردن هو 18 عاما. لكن يتم تزويج من هم بعمر 15 إلى 18 عاما بموافقة قضاة المحكمة الشرعية في حالات استثنائية.

زواج القصر
آفة تشمل الجنسين لكن الفتيات يتأثرن أكثر

فتاة قاصرة تتزوج كل 3 ثوان في العالم
من المتوقع أت يصطدم هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لإنهاء زواج الأطفال بحلول 2030، بآثار الوباء المدمرة على التعليم وتسرب الملايين من التلاميذ من المدارس لأسباب عديدة على رأسها عدم القدرة المادية على الوصول إلى التعليم عن بعد، واضطرار الطلاب إلى العمل لإعالة أسرهم المتضررة من الركود الاقتصادي إضافة إلى الزواج المبكر.
ففي أول تحليل عالمي أجري حول الزواج المبكر، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن 115 مليون رجل في العالم زوجوا وهم أطفال.
ويرتفع بذلك إجمالي عدد الاطفال من فتيات وفتيان زوجوا قبل بلغوهم سن الرشد إلى 765 مليونا على ما أوضح بيان صادر عن يونيسف في سبتمبر/أيلول 2020.
وهذا يعني أن 23 فتاة قاصرة تتزوج كل 23 كل دقيقة، أي ما يقرب من زواج كل 3 ثوان، ومع توقف الاقتصادات بسبب القيود وعمليات الإغلاق، لم يعد العديد من مصادر الدخل متاحة للمجتمعات الضعيفة، لذلك يبدو أن زيجات الفتيات المراهقات هي الخيار الوحيد لتخفيف الأعباء الاقتصادية وتلبية احتياجاتهن الأساسية.
وأوضحت دراسة الوكالة الأممية ان 20% من أصل الـ115 مليونا أي 23 مليونا، زوجوا قبل سن الخامسة عشرة.

التعليم بشكله الافتراضي وأدواته الجديدة كالهواتف الذكية أو أجهزة الكمبيوتر والوصول إلى الانترنت يجبر أبناء الفقراء على ترك التعليم

ومن المعروف أن الزواج المبكر يسلب من الأزواج القصر طفولتهم، ويرغمهم على تولي مسؤوليات ليسوا مستعدين لها عادة ما يتولاها البالغون. 
فهذا النوع من الارتباط يؤدي إلى أبوة مبكرة ومعها ضغط إضافي لتأسيس عائلة ما يقلص فرص التعلم وإيجاد عمل مناسب.
وتتعرض الفتيات عندما بجبرن على الزواج المبكر، إلى عواقب أخرى غير تناقص فرصهن لإتمام الدراسة، فقد تتزايد احتمالات تعرضهن لسوء المعاملة من قبل الزوج، إضافة إلى المعاناة من مضاعفات أثناء فترة الحمل.
وبحسب دراسات كثيرة فإن الوفيات المرتبطة بالحمل والولادة، تعتبر عنصراً هاماً لوفيات الفتيات اللائي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً في أنحاء العالم، إضافة إلى خطر وفاة الأطفال الذين تنجبهم أمهات صغيرات أو تعرضهم لأمراض عدة إن عاشوا.
وتقول اليونيسيف، إن "زواج الأطفال يفصلهم عن الأسرة والأصدقاء، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر سلباً على رفاه الفتيات عقلياً وبدنياً"، محذرة من أنه إذا استمر زواج الأطفال بالمعدل الحالي، فإن أكثر من 150 مليون فتاة في أنحاء العالم سيتزوجن قبل عيد ميلادهن الثامن عشر، بحلول عام 2030.
وإذا كانت معالجة الأسباب الجذرية للزواج المبكر تؤدي إلى وقفه بشكل دائم، فإن عدم استطاعة بنات الأسر الفقيرة إلى الوصول إلى التعليم عن بعد سبب طارئ، ربما ينتهي مع انتهاء الوباء، لكن يجب على العالم المضي في محاولات جادة وموسعة لتغيير الأعراف الاجتماعية التي تديم عدم المساواة بين الجنسين والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك زواج القصر.