الجذور النوبية في الغناء المصري المعاصر

أطروحة إيناس جلال الدين للدكتوراه تصدر في كتاب "محمد منير حالة عشق سمراء في وجدان العالم".


تجربة محمد منير قُدّر لها أن تمتزج بتجارب ملحنين وكُتاب جدد يبحثون عن أغنية مصرية بديلة


محمد منير جاء مُحملًا بتلك الخصوصية التي منحته إياها جذوره النوبية النابضة بكل تفردها الفني والاجتماعي

في كتابها الأحدث "محمد منير حالة عشق سمراء في وجدان العالم" الصادر هذا الأسبوع في القاهرة في سلسلة "كتاب طيوف" عن "دار يسطرون"، تحرص مؤلفته الدكتورة إيناس جلال الدين، على التأكيد - منذ صفحاته الأولى - على أن الفنان محمد منير جاء بعد انتصارات مصر في حرب أكتوبر 1973، كحل سحري ومَخرَج شديد المصرية، والعصرية من ذلك النفق المظلم الذي دخلت إليه أغنية ما بعد السبعينيات. 
مضيفة: صحيح أن تجارب أخرى موازية ظهرت في تلك المرحلة ذاتها، ربما تكون أبرزها تجربة علي الحجار، كما تجلت في مجموعته "ما تصدقيش"، أو تجربة محمد الحلو، أو هاني شاكر، إلا أن كل تجربةٍ من تلك التجارب كانت أكثر التصاقًا بالأغنية الكلاسيكية بدرجات متفاوتة، أما تجربة محمد منير - التي قُدّر لها أن تمتزج بتجارب ملحنين وكُتاب جدد يبحثون هم أيضًا عن أغنية مصرية بديلة، ويستظلون أحيانًا بالتجارب الشعرية الكبرى، ولا سيما تجربة الشاعر فؤاد حداد - فكانت تمثل أغنية شديدة السطوع في مُغايرتها وفي أصالتها في الوقت ذاته. 
وتعبر إيناس جلال الدين عن إعجابها بتلاقي هذا الثلاثي: "منير، ومنيب، وخليل" لتقديم نمط جديد من الغناء الشبابي غير المألوف لأذن المستمع العربي، فتقول: كان من المدهش تلاقي ألحان أحمد مُنيب وموسيقى فتحي خليل، وصوت محمد منير على طريق هذه الصيغة الغنائية المتفردة. 
فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن محمد منير جاء مُحملًا بتلك الخصوصية التي منحته إياها جذوره النوبية النابضة بكل تفردها الفني والاجتماعي، وجدنا أن أغنية محمد منير كانت هي الأعلى صوتًا في ساحة الغناء البديل، فضلاً عن قدرتها المذهلة على التوافق مع ذوق الجيل، وتلبية رغبته الجامحة في امتلاك أغنية تعبر عنه بطريقة جديدة تصله بجذوره المصرية وتمد الروابط بينه وبين غناء العالم. 
ولما كانت الخصوصية النوبية منحت محمد منير وتجربته كثيرًا من التميز، فإن مؤلفة هذا الكتاب وجدت أنه من الضروري أن تذهب مع قرائها إلى تلك البيئة النوبية لنتعرف أكثر على معالم خصوصيتها الفريدة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى تفصيل ملامح الغناء المصري البديل بصفة عامة، قبل أن تتوقف بالتحليل والرصد أمام تجربة محمد منير على المستويات اللحنية والشعرية والغنائية المختلفة. 
في الفصل الأول من كتابها تستطلع إيناس جلال الدين طبيعة البيئة النوبية التي أنجبت الفنان محمد منير، فتوضح أن النوبة تقع على خط الطول 32 شمال شرقي أفريقيا، لتلازم النيل مخترقاً هذا الجزء من الصحراء الأفريقية من أسوان حتى دنقلة. 

محمد منير وأحمد منيب لم ينفصلا فنيًا، ولكن منير أراد أن يختبر نفسه في بعض الأفكار والتجارب الجديدة مع ملحنين آخرين

وتذكر أن بلاد النوبة جزء من الصحراء بمرتفعاتها ووهادها، عدا بعض مناطق ذات أرض رملية حجرية، تملؤها الأخاديد ومجاري السيول.
وتمتد النوبة من أسوان شمالاً حتى الدبة جنوبًا، دون تقسيمات سياسية، وهو ما يدل على أن النوبة هي همزة الوصل بين مصر والسودان، ويشمل الجزء الجنوبي من النوبة (سنار – جزيرة الجزائر- مروى)، ويشمل الجزء الشرقي (طرقة) والأوسط (دنقلة)، أما الجزء الشمالي فيشمل (حلفا - الدر- أدندان).
وقد كان للنوبة قديمًا طريقان: مائي وبري مهم للتجارة بين مصر والسودان، خلال فترة طويلة من التاريخ الفرعوني، وظلت التجارة الآتية من الجنوب، تشمل العاج وريش النعام والتوابل والأبنوس وغيرها من الأخشاب النيلية والصمغ والماشية، بجانب الذهب الذي كان يؤخذ من الأودية الشرقية، أو من أعالي النيل أيضًا. 
 وفي المقابل كانت أهم السلع المصرية تتجه إلى الجنوب ومنها: المنسوجات والخرز الملون والعطور. 
وكان ذِكر النوبة في أول وثيقة (عام 25 ق.م) كانت لقبيلة كبيرة تمتد من الجانب الغربي للنيل من مروى وتصل شمالًا حتى انحناءات النهر. 
وبعد أن تستعرض المؤلفة تاريخ الموسيقى والغناء في النوبة تأتي إلى حياة محمد منير  ونشأته وأهم ما أثر في تكوينه الفني، ونعرف أن محمد منير هو اسم مركب؛ فالأب اسمه محمد، والجد أبا اليزيد. وقد ولد محمد منير يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 1954 في أسوان، وله خمسة أشقاء. وقد كان والده ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، وكان أيضًا السعديين المنتمين إلى حزب الوفد. 
تلقى محمد منير تعليمه مبكرًا، وقضى فترة صباه في القرية، قبل أن تغرق قرى النوبة تحت مياه بحيرة ناصر التي خلفها السد العالي. 
وهو يقول: إن أهم ما تعلمه من والده هو الإصرار، وعدم التنازل عن الحق، وأن يصل إلى الشيء الذي يريده بالعلم والمعرفة"، ويشير منير إلى أنه برغم حب النوبيين للموسيقى والغناء إلا أن امتهان الغناء كان يضع عائلته في وضع أدبي حرج. 
ويضيف: "إن المطربين النوبيين كانوا دائمًا على صلة بالمجتمع المصري، وأحداثه الدائمة، فنرى عبدالله باخان، وسيد جابر يقدمان أغنية "سو يا سو" سنة 1919 لاعتراضهم على الاحتلال، وما فعله المستعمر الإنجليزي في سعد زغلول. 
وتذكر مؤلفة الكتاب أن اختيار محمد منير كلية الفنون التطبيقية للدراسة الجامعية بها؛ راجع لأنها الوحيدة التي كانت ستتيح له الفرصة للنزول إلى القاهرة؛ لأن التوزيع الجغرافي الخاص بالتنسيق كان سيبعده إلى إحدى جامعات الصعيد، أما كلية الفنون التطبيقية فهي الوحيدة من نوعها في جامعات مصر آنذاك. 
وتشير المؤلفة إلى أن محمد منير وفد إلى القاهرة وهو يحمل النوبة في الحواشي، يحفظ وصاياها، ووصايا الخال والعم، وهو صاحب كل هذه النواصي يعرف شبابها ويعرفونه. 
وبعد أن أنهى دراسته الجامعية أدى فترة التجنيد العسكري التي يعتبر أنها كانت البداية، فكان معه في تلك الفترة فنانون مثل: راجح داوود، وعماد عاشور، وهاني شاكر، وعلي الحجار، وكانوا يحيون حفلات الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، وكان يستمع إليهم ما يقارب مليوني جندي مصري يمثلون جيل الشباب في ذلك الوقت. 
ويذكر محمد منير أنه تعرف على بليغ حمدي في تلك الفترة، وكان مع رفاقه: علي الحجار، وتوفيق فريد، ومحمد الحلو، وكانوا قد استدعوا ليصنع بليغ حمدي منهم تجربة جديدة في مسيرته (من خلال الإنتاج الغنائي لهم)، وكان عبدالرحيم منصور، ومجدي نجيب، وأحمد منيب، يشكلون فريقًا يبحث عن تلك الشفرة. 

وتشير المؤلفة إلى إن محمد منير قال لها إنه على الرغم من أن بليغ حمدي لم يلحن له، إلا أنه كان له أكبر الأثر في مشواره الفني، لأنه كان يؤمن بفكر محمد منير، وطريقه الذي سلكه. 
ويقول محمد منير إنه واجه صعوبات شديدة في بداية حياته الفنية، فقد تجاهلته شركات الإنتاج بسبب سمرة بشرته! وميله للغناء بلهجة أهل الجنوب! 
ويتذكر أنه عندما ذهب إلى لجنة الاستماع بالإذاعة لتختبره بمصاحبة هاني شنودة، قام منير بالغناء باللهجتين النوبية والعامية المصرية، وجاء تقرير اللجنة برئاسة الموسيقار مدحت عاصم بأنه صوت صالح، وذو خصوصية معينة يجب المحافظة عليها وتدعيمها بشكل كبير. 
وجاء التعارف بين محمد منير وأحمد منيب عن طريق شقيقه الأكبر فاروق منيب، حيث تعرف إليه، ووجده يحفظ أغانيه التي كانت تذاع في إذاعة "ركن السودان" من القاهرة. 
ومنذ ذلك اليوم، تعهده أحمد منيب، ليقدما مع الشاعرين الغنائيين: عبدالرحيم منصور ومجدي نجيب أحلى ما قدم من الأغاني في تلك الفترة (وهي نحو 24 أغنية) ومنها: "يا حبيبة - قول للغريب - يا عروسة النيل - مسهرة ليالي – شبابيك - شجر الليمون - عقد الفل والياسمين – يا ليلة عودي- اتكلمي- حدوته مصرية". 
وتنشر الدكتورة إيناس جلال الدين ما قالته زوجة أحمد منيب من أن محمد منير وأحمد منيب لم ينفصلا فنيًا طوال مشوار زوجها الفني، ولكن منير أراد أن يختبر نفسه في بعض الأفكار والتجارب الجديدة مع ملحنين آخرين. 
ويقول منير إنه غنى أكثر من خمسين أغنية من ألحان أحمد منيب، وعنه قال: إن له عبقًا ورائحة مميزة في ألحانه. 
وعن الفكر الذي تبناه الفنان محمد منير وظل يبحث عنه في أغانيه يقول: المطرب في ذلك الوقت كان لا بد له من ملحن يتبناه ويلحن له، ولكنني كسرت هذه القاعدة.  والسبب يكمن طبعًا في أنه يمتلك ألحانًا نوبية لا مثيل لها، وهو يريد أن يطوِّرها، ويحدثها، بكلمات جديدة وبفكر جديد.  ويقول إن الذي كان يحركه في بداية مشواره جزء كبير منه مغامرة، يسبقها إيمان بتجربة، ولكنه لا يعرف نتائجها، ولكنه كان موقنًا بأن التجربة المحسوبة والمدروسة لا بد وأن تؤدي إلى النجاح.
وتضيف المؤلفة بأنه عندما بدأ محمد منير مشواره كانت في رأسه فكرة تقول: ابحث عن شيء آخر مختلف، ليس طلبًا للتغيير، ولكن من أجل التعبير عن طموحات وآلام جيل يتحرك بهم إلى الأمام، من خلال شعراء وملحنين يرشدون ويحددون معه الملامح التي يبحثون عنها . 
فكان أمام محمد منير تصوران لمن يلحن له؛ من يسير في طريق الأسلوب الغربي (المنتشر في ذلك الوقت) المتمثل في ألحان هاني شنودة ويحيى خليل. أو من يلحن عن طريق أحمد منيب مواطنه الأسواني الذي تحمل نغماته عبق الشرق وجذوره النوبية، ويعبر عن حبه العميق لأرض الجنوب التي أنجبته. 
وترى المؤلفة أنه عندما حاول الاختيار اختار الطريقين معاً، فعمل مع كل الملحنين في ذلك الوقت مع اختلاف توجهاتهم وأساليبهم. 
وتضيف بأننا عندما تتحدث عن محمد منير، فنحن دائمًا تتحدث عن تلك المجموعة التي بدأت مشوارها متمثلة في: عبدالرحيم منصور، ومجدي نجيب، ويحيى خليل والتي أسفر تفاهمها الكامل، واتفاقها، وانصهار إبداعها في بوتقة واحدة، عن ظهور فن محدد واضح، يمكن أن يطلق عليه مصطلح الأغنية البديلة. 
يذكر أن هذا الكتاب كان في الأصل أطروحة نالت بها مؤلفة الكتاب درجة الدكتوراه من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون في مصر، وأشرف على هذه الأطروحة الدكتور زين نصار، وكان عنوان الأطروحة "الجذور النوبية في الغناء المصري المعاصر.. محمد منير أنموذجًا".