الجزار.. صاحب اللمسات المقننة والفضاءات الملوّنة

عبدالهادي الجزار عاش حياة قصيرة لم تتجاوز الأربعين عاماً (1925-1966) بدأها في الإسكندرية بحي القباري.


الجزار أول فنان تشکيلي مصري يصدر له أمر اعتقال بسبب لوحة له وذلك في عام 1948


لوحة "الكورس الشعبي" تصور سبع نساء ورجلاً وطفلاً بالملابس الشعبية، يقفون صفاً في مواجهة المتلقي. أمامهم على الأرض صحون فارغة وإبريق ماء


النقاد يرون أن لوحة "الكورس الشعبي" تقابل لوحات مثل "جيرنيکا"  لبيكاسو. و"إعدام الثوار" لجويا

لا يمكن لقوة التخيل وحدها أن تعطي للفنان كل هذا الإدراك والبصيرة، إلا إذا كان على قدر من التمكن التكنيكي الرفيع. وقد عاش عبدالهادي الجزار حياة قصيرة لم تتجاوز الأربعين عاماً (1925-1966) بدأها في الإسكندرية بحي القباري، حيث ولد في شهر مارس/آذار ورحل أيضاً في هذا الشهر، وفي حي السيدة زينب بالقاهرة بدأت رحلته من الطفولة إلى الشباب، وتفتح وعيه على نسيج متناقض تغوص به الحياة الشعبية في شوارع وحواري القاهرة.
في عام 1944 التحق الجزار بكلية الفنون برغم حصوله على الجائزة الأولى في الرسم والتي كانت تخول له الحق في الدراسة المجانية بالجامعة. ولم يكن غريباً أن يجتاز الجزار امتحان القبول بجدارة ليكون الأول بين المتقدمين، وانتمى إلى جماعة "الفن المعاصر" التي أسسها حسين يونس أمين، وانضم إليها عدد كبير من الفنانين الشبان. 
استطاع الجزار أن يزاوج بين الدراسة الأكاديمية في الكلية، وانتمائه لجماعة الفن المعاصر، وتخرج بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف عام 1950، وعُين معيداً ثم ترقى حتى درجة أستاذ مساعد، ثم سافر إلى إيطاليا عام 1958 في بعثة لدراسة التكنولوجيا والترميم من أكاديمية روما وعاد منها 1961. شارك الجزار في معارض كثيرة منذ عام 1946 وحتى أقام معرضه الأول سنة 1951 وامتد نشاطه حتى معرضه الخاص الرابع سنة 1964.
الكورس الشعبي
تصور لوحة "الكورس الشعبي" سبع نساء ورجلاً وطفلاً بالملابس الشعبية، يقفون صفاً في مواجهة المتلقي. أمامهم على الأرض صحون فارغة وإبريق ماء. 

fine arts
واقع مليئ بالمتناقضات

ويرى النقاد أن هذه اللوحة تقابل لوحات مثل "جيرنيکا"  لبيكاسو. و"إعدام الثوار" لجويا، من حيث التكامل الفني بين الشكل والمضمون والأهمية التاريخية والإنسانية والقيمة الفنية العالية، وقد تسببت هذه اللوحة في القبض على عبدالهادي الجزار كأول فنان تشکيلي مصري يصدر له أمر اعتقال بسبب لوحة له وذلك في عام 1948، وتمت مصادرة اللوحة التي جسَّدت الغضب والفوران الشعبي الذي ساد البلاد في ذلك الوقت.. 
أما النسخة الموجودة حالياً في متحف "الفن الحديث" فتحمل تاريخاً مخالفاً لأنها ليست اللوحة الأصلية التي صادرتها السلطات، مما دفع الجزار إلى إعادة رسمها من جديد حينما طلبها منه المتحف بعد ثورة يوليو عام 1952.
وتوالت بعد ذلك روائع عبدالهادي الجزار ومنها الرجل الأخضر، التي صوّرها متأثرة بالموالد الشعبية والحياة في حي القباري بالإسكندرية الذي ولد فيه، وحي سيدنا الحسين بالقاهرة الذي طالما تردد عليه مع صديق عمره حامدا ندا. 
كما أبدع سلسلة من لوحات المجاذيب والسيرك والحياة الشعبية العامة، وتعد لوحة أبو حمد الحبار نموذجاً جيدا لسلسلة صور الحياة الشعبية، فقد رسم الفنان تكوينًا مصريًّا في كل من وحداته وزخارفه وألوانه يتمدد في وسطه عملاق هزيل محاط بزوجاته الأربع وأولاده العرايا، وكأن الفنان يسخر من الجهل والقهر الاجتماعي.
أنتج الجزار لوحات تجريدية وأشكالاً حركية جمعتها أنساق متشابهة وذلك بين عامي 1960، 1961، ويرى النقاد أن لوحة "السلام" الضخمة التي يقتنيها متحف الفن الحديث بالقاهرة هي أروع أعمال الجزار على الإطلاق، وقد أبدعها سنة 1965 قبل رحيله بعام واحد. 
وكان لسفر الجزار سنة ۱۹۲۸ إلى إيطاليا في بعثة لدراسة التكنولوجيا والترميم أثر كبير في نضج أسلوبه وألوانه وعاد منها أكثر حيوية وقوة، واختفت اللمسات العفوية لتحل محلها اللمسات المقننة. وبدت اللوحة عنده أقوى تكوينًا وتناول موضوعات عصرية، فهو أول فنان مصري يتقدم بأعمال عن عصر الفضاء، ويرجع ذلك إلى اطلاعه الدائم على الكتب العلمية التي تتكلم عن الإشعاع والكون وحركة الكواكب والإلكترونات، ومن هنا امتلك قوة التخيل والتمكن التكنيكي حيث أبدع من خلالهما لوحات رائعة مثل لوحة "إنسان المستقبل" الذي رسم من خلالها الوجه والعنق يدخل في تكوينهما كافة الاكتشافات والمخترعات الحديثة، ويأتي حلم الفنان بالأمل في أن لا تفقد آليات العصر إنسانية الإنسان ولم يتوقف عبدالهادي الجزار طيلة حياته القصيرة عن الارتباط بقضايا الإنسان في قوته وضعفه وأمله في الوصول إلى عالم أفضل.
الحرب العالمية
ومن وجهة نظر الناقد التشكيلي مکرم حنين، أنه إذا نظرنا إلى عالم الجزار فإننا سوف نرى بوضوح فناناً مفكراً بمعنى أنه لا يقف أمام شواهد الحياة مندهشاً وإنما متفهماً، فلقد أدرك الفنان منذ مراحله الأولى ما حواه من واقع مأساوي، وقد كان لشعوره الشديد برغبة أكيدة في نقد هذا الواقع وتغييره الأثر الكبير على إحاطة أعماله بالموضوعية.
بدأ الجزار صراعه مع الواقع مبكراً منذ عام ۱۹۳۹، في ذلك الوقت كانت الحرب العالمية الثانية تحط على العالم بأوزارها الكئيبة، وكان الجزار محاطاً بجو شعبي في حي السيدة زينب، عايش بنفسه واقعاً مليئاً بالمتناقضات، فهو يذهب إلى المدرسة حيث يعايش التنوير والعلم ويجد توجيهاً من أستاذه حسين يونس أمين ويحرز تفوقاً ويفوز بجوائز، واستفاد الجزار كثيراً من دراسته في كلية الفنون فقد تحولت الأشكال عنده من رسوم تعبيرية غير جمالية إلى خطوط وألوان وتكوينات مقننة. كما انتظم فكره كنتيجة طبيعية لاضطراد ثقافته ونموها من خلال القراءة في الفن والفلسفة ومن خلال لقاءاته مع زملائه وأترابه في جماعة "الفن المعاصر" حامد ندا، سمير رافع، ماهر رائف، كمال يوسف، سامي الحبشي ومحمود خليل.

في رأي للناقد الراحل مختار العطار، أن العامل الأساسي الذي حافظ على الشخصية الفنية لعبدالهادي الجزار هو تعلقه الشديد بمصر وإحساسه القوي بالانتماء وعاطفته العارمة نحو المجتمع. تمسك طويلاً بالرموز الشعبية السحرية ذات الدلالات المتنوعة. 
أما تكويناته الغامضة فاستقاها من قراءته المستفيضة في علم النفس ونظرية التطور. لقد ظل الجزار حريصاً طوال حياته على المعنى والمغزى والمضمون، وتحول سريعاً من العبث التجريدي إلى التعبير التجريدي قبيل وفاته بثلاث سنوات، متأثراً بالضجة العالمية التي صاحبت رحلات الفضاء والأقمار الصناعية سنة 1963، ومن رسومه أسماء مثل، معدل التحرك زيت علی سيلوتکس، ومولد كوكب في نفس العام بنفس الخامات، وقلة من الصور سمّاها عالم الفضاء لكنه لم يكن راضياً عنها تماماً كما أسر لي بذلك شخصياً حين أبديت له تفضيلي للوحاته السابقة.
وقد تميزت أعمال الجزار بالدرامية العنيفة والتعبير عن الموضوعات بانفعال قوي وعاطفة جياشة والتكامل بين الشكل والمضمون بدرجة يتعذر توافرها لدى فنان آخر في حركتنا الفنية المعاصرة، كما أضاف إلى لوحاته ظلالاً من شخصيته الفذة وثقافته المتنوعة، حتى ليشعر المتلقي بالألفة نحوها رغم غرابتها، ورغم أنها تدفع إلى التوتر والقلق وإعادة النظر في معنى الحياة فهو يخاطب الجماهير بأسلوبها ورموزها وألوانها ويلمس قلوب مثقفيها وعقولهم ويستهوي الذواقة بالجاذبية والطرافة. (وكالة الصحافة العربية)