الرواية حينما تتكىء على سيرة كاتبها

ابراهيم عبدالمجيد: تسرب أحداث ووقائع من حياة الكاتب إلى أعماله الروائية ليس عيبا، ولا يجعل من عمله سيرة ذاتية.


نادية هناوي: للسير أبعادها الأدبية وسماتها الجمالية، لكنها لا تملك أن ترتفع إلى مصاف الجنس، لعدم امتلاكها قالباً يمنحها الثبوت الذي به تمتلك أحقية عدَّها جنسًا منفردًا


منى الشيمي: حياة الكاتب دائما تمثل مرجعية لكل كتاباته، ولا يكتب الكاتب إلا من مخزون ذاكرته وتجاربه القديمة

يصف النقاد الرواية بأنها الفنُّ الذي يستطيع التوفيق بين شغف الإنسان بالحقائق وحنينه الدائم إلى الخيال، لهذا قد يجعل الكاتب من سيرة حياته منبعا لأعماله الروائية دون أن يعني ذلك انتماء عمله لرواية السيرة، وقد سبق أن اعترف الروائي الكبير نجيب محفوظ  للناقد الراحل غالي شكري بأنه هو نفسه كمال عبدالجواد (أحد شخصيات الثلاثية)، هذا الاعتراف يكشف عن سمات مشتركة تجمع بين السيرة الذاتية والرواية، وتوضح كيف اتخذ الروائي من سيرته متكأ، ولم يكن محفوظ هو الوحيد، فعلها قبله وبعده روائيون كثيرون في الشرق والغرب، لذا يرى بعض النقاد أن الكثير من الروايات هي سير لأصحابها، لكنهم يخفون كونها كذلك، فهل يعتبر اتكاء الروائي على سيرته نقصا في قدرته على التخيل؟ أم  أنه دليل إضافي على مرونة الرواية وقدرتها على تنويع مصادرها؟
ليس عيبا
يرى الروائي المصري ابراهيم عبدالمجيد أن تسرب أحداث ووقائع من حياة الكاتب إلى أعماله الروائية ليس عيبا، ولا يجعل من عمله سيرة ذاتية، بل هي روايات محملة بتجاربه، وخبراته الشخصية في الحياة، ويضيف أن استفادة الكاتب من حياته ومما مر به من تجارب لا يمكن اعتباره نقصا في القدرة على التخيل، ويقول "إذا لم يعتمد الكاتب على خبراته، والخبرات المكتسبة من البيئة المحيطة به، فعلام يعتمد ومن أين تأتيه الأفكار؟".
وعن أعماله يضيف: "كل رواية كتبتها محملة بجزء من حياتي، وسواء كبر هذا الجزء أو صغر، فهو لا يعني أنها سيرة روائية، إنما هي رواية، والكاتب عموما لا يكون مدركا لما يكتبه بصورة واضحة، ولذا كثيراً ما نجده يأخذ أحداثا من من حياته، ويحورها بأن يضيف إليها أحداثاً وشخصيات، وتصورات أخرى فتختلف في النهاية عن الواقع".

وعلى الكاتب أن يدرك أن اعتماده كلياً على سيرته الحياتية، لا يصنع منه مبدعاً، فحياته تبقى مجرد رافد واحد من روافد عديدة يجب أن يثري بها روايته

نقطة ضعف
ويختلف معه الناقد الأردني إبراهيم خليل، فيقول: "إحدى نقاط الضعف التي عانت وتعاني منها الرواية العربية منذ نشأتها على يدي محمد حسين هيكل الذي يُظن أنه حامد بطل رواية (زينب) مرورا بنجيب محفوظ وغيرهما أن الكاتب يقحم نفسه في الأحداث، ويتخذ من بعض المجريات التي مرت به ومر بها جزءا من وقائع الحكاية، وقد يكون بطلها مقنَّعًا بقناع الراوي، أو بقناع إحدى الشخصيات. وبموقف لا شعوري يظن كتاب الرواية أن أدبهم لا مناص من أن يكون تعبيرا عن ذواتهم مثلما يكون الشعر الغنائي تعبيرًا عن ذوات الشعراء. وهذا الهاجس نجده في بعض روايات حنا مينة، وعبده وازن، وعبدالرحمن مجيد الربيعي وبهاء طاهر ومحمد شكري ورؤوف مسعد وجمال الغيطاني وتيسير سبول وإيميل حبيبي ومؤنس الرزاز ومحمد القيسي وسحر خليفة وأخيرٍا رشاد أبو شاور. ويغيب عن أذهان هؤلاء الكتاب أن الرواية فنٌ موضوعيٌ، بمعنى أنه يصور عالما متخيلا مستقلا عن عالم الكاتب الذي ينبغي له ألا يظهر في الرواية، لا بصفة مباشرة – بطلا أو ساردًا - ولا بصفة غير مباشرة، كظهور الملقن في العرض المسرحي من وراء الستار”.
انفتاح الرواية
أما الناقدة العراقية نادية هناوي فترى أن الرواية التي بإمكانها أن تتجاوز التداخل الأجناسي إلى العبور الذي به تتمكن من ضمّ أشكال وأنواع وأجناس أخرى داخلها. وأصل السير الذاتية مذكرات شخصية واعترافات أنوية ويوميات مدونة بلسان مؤلفها الذي هو ساردها، لكنها لا تمثل صاحبها الذي كتبها حسب؛ بل تمثل جيلًا وتجسد عصراً، كان صاحب السيرة جزءًا منه.
وتضيف هناوي: "إنّ للسير أبعادها الأدبية وسماتها الجمالية، لكنها لا تملك أن ترتفع إلى مصاف الجنس، لعدم امتلاكها قالباً يمنحها الثبوت الذي به تمتلك أحقية عدَّها جنسًا منفردًا، ومن ثم تقبل السيرة أنْ تتمظهر في جنس سردي أكثر منه رسوخاً وتمركزاً هو الرواية التي تقدر على احتواء السيرة، مؤرشفة ما فيها للتاريخ بعد أن تدمغه بالتخييل. وإذ تفتح الرواية حدودها للسيرة فإن ذلك الانفتاح هو الذي يمنح الرواية صفتها كجنس عابر للأجناس".

خيال ذاتي
وتقول الروائية المصرية منى الشيمي "إن خيال السارد جزء من ذاتيته، لذا لا تخلو رواية من ذاتية الكاتب، لأن حياة الكاتب دائما تمثل مرجعية لكل كتاباته، ولا يكتب الكاتب إلا من مخزون ذاكرته وتجاربه القديمة، ويتنامى مخزون تجاربه بتنامي رؤاه المحيطة وتجارب الآخرين، من هذا المنطلق لا يكتب السارد سوى تجاربه التي مر بها أو التي مرت أمامه، والذاتية لا تنصب فقط على جسم الفكرة وإنما تمتد وتتشعب داخل العمل الروائي، فنجد السارد ذاتيا في المفردة التي تكون جمله، وفي تركيب الجملة التي تكون الأحدوثة، أو التقنية التي يختارها دون غيرها ليكسو بها عمله الروائي، والأماكن التي اختارها لتتحرك شخوص روايته بين جنباتها”.
خيال واقعي
ولا يرى الروائي الإريتري حجي جابر ضيرا في اعتماد الكاتب  في أعماله بقدر ما على سيرته، ويفسر قائلا: "ثمة شعرة رفيعة تفصل بين الواقعي والمتخيل، وفي نفس الوقت تصل الواقع بهواجس الذات وتوجهاتها، وتفرض حقيقة الفعل الواقعي ورد الفعل التخييلي المصاحب له في تعامل الإنسان مع ذاته، ومع ما يدور حوله من ممارسات، ولأن النص السردي يقوم على اقتناص الأحداث الواقعية ويتعامل معها لغويا فيحيلها من الواقعي إلى الجمالي في إطار بنية سردية محكمة هي الرواية، التي تتضمن عادة هوية كاتبها، لكنها في المقابل لا تملك حداً فاصلاً واضحاً وملموساً بين الواقع الذي أضحى خيالا، والخيال الذي صار واقعاً".
خيانة فنية
ويشبه الكاتب السورى عدنان فرزات سيرة الكاتب الذاتية بماء خفي، يتسرب من تحت غلاف الرواية، مهما أحكم الإغلاق، خصوصا في روايته الأولى، ولكن قد تتسرب قطرات منها إلى بقية أعماله، وقد يتعامل الروائي مع نفسه كبطل من حقه أن تكون له روايته، كما فعل محمد شكري في الخبز الحافي، المهم أن يمتلك الكاتب مقدرة فنية تحول دون إظهار النص الروائي على أنه سيرة ذاتية، فلا بد من تدخل الخيال والصنعة، ليخون الكاتب سيرته فنياً. وعلى الكاتب أن يدرك أن اعتماده كلياً على سيرته الحياتية، لا يصنع منه مبدعاً، فحياته تبقى مجرد رافد واحد من روافد عديدة يجب أن يثري بها روايته. (وكالة الصحافة العربية)