الكردي يكشف النوايا اللغوية المضمرة

نابليون في حملته على مصر استخدم خطابا مراوغا سخَّر له مهارات المستشرقين وعلماء اللغة المصاحبين له.


نشر الوعي باستخدام اللغة بشكل إيجابي صحيح 


نشر الكراهية نحو الآخر السياسي والديني وللأقليات العرقية


منهج الكردي يستهدف زيادة الوعي بمخاطر الهيمنة وبيان قبحها

في كتابه الأحدث "التحليل النقدي للخطاب" يوضح الدكتور عبدالرحيم الكردي (مقرر لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة) أن من الأهداف التي يمكن تحقيقها من استخدام التحليل النقدي للخطاب نشر الوعي باستخدام اللغة بشكل إيجابي صحيح عن طريق فضح الاستخدامات الخبيثة للغة والتي تكون نواياها في الغالب هي الهيمنة والترويج  للأيديولوجيات العنصرية، ونشر الكراهية نحو الآخر السياسي والديني وللأقليات العرقية، والقمع والظلم الاجتماعي رغم بريق ظاهرها الخادع. ويضيف الكردي بأن هدفها كذلك تسليط الضوء على الصراع الذي يدور بين السلطة ومقاومتها في الأعمال الأدبية.
ويعلل ذلك بأن التحليل النقدي للخطاب يسعى للكشف عن النوايا المضمرة التي لا يصرح بها بشكل سافر بل تكون مخبأة كالنار تحت الرماد، فقد يتحدث أحد الرؤساء مثلاً عن العدل والمساواة وحقوق الإنسان، لكن خطابه نفسه يحتوي نوايا مضمرة لخطاب العنصرية وتفضيل الجنس الأبيض، وقد تستخدم قوة استعمارية خطابًا دينيًا يستهوي مشاعر الجماهير في البلد المستعمر، بينما يختبئ تحت هذا الخطاب مضمون سلطوي استعماري يحمل نوايا الجشع والتعالي واحتقار الآخرين. ويضيف بأن التحليل النقدي للخطاب يعمل على كشف هذه النوايا.
ومن الأمثلة الواضحة في هذا الشأن تلك المنشورات التي نشرها نابليون بونابرت مخاطبًا فيها الشعب المصري عند هجوم الحملة الفرنسية على مصر، ومنها هذا المنشور الذي سجله الجبرتي في تأريخه في أحداث التاسع من ديسمبر/كانون الأول سنة 1798 أي بعد استيلاء الحملة الفرنسية على القاهرة  بعدة أيام. في ذلك اليوم أمر نابليون بأن يلصق هذا المنشور في كل نواحي القاهرة. 

هناك حاجة للبحث عن منهج يربط بين الإبداع والواقع، يفضح الحيل التي تستخدمها السلطة، ويكشف العلاقة بين الممارسة اللغوية والممارسة الثقافية، ويدرس العلاقة بين الأدب والمجتمع، من خلال تحليل خطاب السلطة وتفكيكه وتبيين قبحه

هذا هو خطاب المراوغ الذي استخدمه نابليون وسخَّر له مهارات المستشرقين وعلماء اللغة المصاحبين له، كما وظف معارفهم عن ثقافة الشعب المصري ونمط تفكيره لتحقيق إحكام السيطرة والقضاء على أي مقاومة للاحتلال، وفرض الرؤية النابليونية عن طريق اللغة.
 ويوضح الكردي أن الشكل الظاهر البراق لهذا المنشور هو خطاب التسامح وحب الدين الإسلامي وحب المصريين، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف استخدم مرسل الخطاب (نابليون) عدة عناصر هي:
توظيف مفردات الخطاب الديني الإسلامي، واستخدام الخطاب السلطوي المصحوب بالتخويف من استخدام القوة المفرطة، واستغلال خطاب المعارضين لحالة البؤس والفقر والقهر التي كان المصريون يعيشونها تحت حكم المماليك، والتلويح بالمناصب والمنافع المادية للشيوخ ولعلماء الدين، وصناعة شيطان أو شرير ينسب إليه كل من يعارض نابليون. 
وهذا الخطاب لا ينفصل عن الإطار التاريخي والثقافي والحضاري لمصر، ولا عن الأحداث التي كانت تجري في القاهرة في الوقت الذي كتب فيه هذا المنشور، فقد كان الشعب المصري يئن تحت نير الظلم والقهر الذي كان يمارسه ضده الأتراك والمماليك، وفي الوقت نفسه كانت هناك مقاومة ضد الجيش الفرنسي ترفع شعار الجهاد الديني ضد الفرنجة الكفّار، كما كانت هناك طائفة من الخونة والمنتفعين بالاحتلال، وهذه الطائفة كانت تتعاون مع الجيش الفرنسي ضد المقاومة المسلحة.
وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك جماهير غفيرة من العامة ومن طلاب الأزهر تعيش في حالة من الخوف وتطلب السلامة والأمان بأي ثمن.
ويؤكد الدكتور عبدالرحيم الكردي على أن مهمة الباحث الذي يستخدم التحليل النقدي للخطاب ليست مفروشة بالورود، فهناك صعوبات لا بد وأن يتنبه إليها؛ وأول هذه الصعوبات أن محلل الخطاب بوصفه مستكشفًا لخطاب الهيمنة لا يمتلك تعليمات وخرائط جاهزة لتضاريس الخطابات التي يرتادها، ومن ثم فلا بد وأن تتأثر أحكامه بقدراته على التحليل، وربما باتجاهاته هو وميوله، ولذلك فيتحتم عليه أن يلتزم الحياد والموضوعية العلمية، وأن طبيعة المجال الذي هو موضوع التحليل منفتح على تخصصات متعددة، مثل الثقافة وعلوم اللغة والاجتماع والنفس والنقد والأنثروبولوجيا، ولذلك فإن الباحث لا بد وأن يلم بمناهج هذه المجالات قبل أن يقدم على مهمته.
ويشير المؤلف إلى أن موضوع هذا المنهج ذو صلة بقضايا حياتية قد تكون ساخنة، مما قد يغري الباحث بتوظيف أغراض غير علمية مما يقوض نتائج العمل من أساسها؛ لا سيما وأن هدف هذا المنهج في الأساس هو الوصول إلى الحقيقة.
ولو توقفنا أمام الفصل الرابع من الكتاب وعنوانه "دور السياق في التحليل النقدي للخطاب" فسنجد أن التحليل النقدي للخطاب يفيد من الجوانب المحيطة بأفعال الكلام، التي لها دور كبير في الرسالة التي يصنعها المتحدث ويتسلمها المتلقي، أو يكون لها أثر في تحديد نوع الاستجابة ومقدارها، وهذه الجوانب تسمى "السياق"، أي أنه يتحتم على محلل الخطاب أن يعرف من هو المرسل؟ ومن المتلقي؟ وأين كانت عملية التواصل؟ وكيف كانت؟ ولماذا جرت؟ وماذا قيل؟ وبأي قناة من قنوات الاتصال؟ وما العناصر المشاركة في الخطاب؟ وما هوية كل عنصر من هذه العناصر، لأن محلل الخطاب يتعامل مع الخطاب على أنه ممارسة اجتماعية واقعية أو على أنه أحد الأنشطة الاجتماعية، وليس مجرد نص لغوي معلق في الهواء، أي أنه ينظر إليه على أنه نشاط قولي في سياق خاص، وذلك لأن الكلام لا يفهم معناه تمام الفهم إلا إذا عرفنا من القائل؟ ولمن قال؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وماذا قال؟ وما هي الظروف  المحيطة به؟ وما المناسبة  التي قيل فيها؟
فالسياق يعد أكبر عنصر من العناصر التي يستخدمها منشئ الخطاب في تكريس الهيمنة، وفي الوقت نفسه يعد السياق أهم مفتاح يمكن أن يهتدي به محلل الخطاب إلى منابع هذه الهيمنة.
أما الفصل الخامس من الكتاب وعنوانه "هوية المشاركين في الخطاب"، فيتعرض للمقصود بالهوية، وأهمية معرفة المشاركين في الخطاب، أي التعريف بالناس والأشياء والأفكار والأماكن والأزمنة التي يشتمل عليها الخطاب وما هي مصادرها، وطريقة تقديمها لأول مرة ومتابعة كيفية التعامل معها في الحلقات المتتابعة من الخطاب، سواء أكانت هذه الهويات حقيقية أم افتراضية.
وهذا التعريف بالمشاركين والمحافظة على المسار الذي يسيرون عليه هو الذي يجعل للخطاب معنى، لأننا إذا لم نعرف من الذي يتحدث؟ وماذا قال؟ فلن يكون هناك معنى.
ويشير الكردي إلى أن هناك العديد من الطرق التي يمكن أن تستخدم  لإدخال المشاركين في الخطاب وتحديد هوياتهم، بل إن كل خطاب يمكن أن يبتكر لنفسه طريقة جديدة في التعريف بالمشاركين فيه، وتحديد هوياتهم، فنجيب محفوظ مثلًا في روايته "اللص والكلاب" يقدم شخصية "سعيد مهران" على النحو التالي: "مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكن الجو غبار خانق وحر لا يطاق، وفي انتظاره وجد بدلته الزرقاء وحذاءه المطاط،، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدًا. ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويًا على الأسرار اليائسة."
ويعلق الكردي بأن هذه الفقرة تعد بمثابة ضوء سطع على جزء بسيط جدًا من لوحة كبيرة ترسم شخصية هذا الإنسان الذي سنعرف بعد ذلك أن اسمه "سعيد مهران"، وأننا كلما تقدمنا في قراءة الرواية فسيتكشف لنا جزء آخر من صورة هذه الشخصية، ولا يتم التعرف الكامل على هذه اللوحة إلا مع قراءة آخر فقرة في الرواية.

التحليل النقدي للخطاب
د. عبدالرحيم الكردي

ومن جديد نعود إلى علم تحليل الخطاب في جانبه النقدي، ويشير المؤلف إلى أنه منذ بداية القرن العشرين شغلت العلاقة بين اللغة والثقافة كثيرًا من الباحثين، في مجالات مختلفة، في علم الاجتماع  وعلم اللغة والأنثروبولوجيا والنقد الأدبي وعلم النفس الاجتماعي و...، وكل فريق من هؤلاء الباحثين نظر إلى هذه العلاقة من زاوية العلم الذي يدرسه؛ فعلماء الاجتماع رأوا أن اللغة يمكن أن تستخدم بوصفها وثيقة لرصد التغيرات الاجتماعية، وعلماء الأنثروبولوجيا رأوا أن اللغة يمكن أن تستخدم باعتبارها وثيقة لرصد الهويات الثقافية للجماعات العرقية والأيديولوجيات المذهبية، وعلماء اللغة تناولوا هذه العلاقة للبحث عن قرائن لتحديد الدلالة في الكلمات والجمل والنصوص، أما النقاد فاستثمروا هذه العلاقة في تفسير الأعمال الأدبية وتحليلها وتقويمها.
وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر حول هذه العلاقة التي تربط بين اللغة والثقافة فإن هناك إجماعًا يكاد يكون تامًا بين الباحثين - في كل هذه التخصصات - على أن المنطقة التي تتلاقى فيها الثقافة واللغة ليست هي الجملة، بل شيء أكبر من الجملة، فاتفقوا على إطلاق مصطلح "الخطاب" (Discourse) على هذه المنطقة، وعلى إطلاق مصطلح "تحليل الخطاب" (Discourse  Anlysis) على العلم الذي يدرس هذه المنطقة. لكنهم لم يتفقوا على تحديد مفهوم موحد لهذا المصطلح أو ذاك.
ومن ثم نشأت فروع ونظريات عديدة في تحليل الخطاب، كل منها له أدواته وأغراضه وإجراءاته الخاصة به.
و"التحليل النقدي للخطاب" ((Critical discourse analysis الذي هو موضوع هذا الكتاب فرع من تحليل الخطاب، موضوعه العلاقة بين اللغة والثقافة، ولكنه يهتم بجانب واحد من هذه العلاقة، ألا وهو الطرق التي يبنى بها خطاب إساءة استخدام السلطة عندما يتحول هذا الاستخدام إلى منظومة أو أيديولوجيا لها بنيتها الخاصة، وهو ما يطلق عليه مصطلح "الهيمنة" ومن ثم فإن هدف التحليل النقدي هو فضح إساءة استخدام السلطة الاجتماعية والثقافية وعدم المساواة من خلال دراسة خطاباتها، من ثم فإن التحليل النقدي للخطاب يتناول كيفية استخدام اللغة لدي  أصحاب السلطة والمسئولين عن عدم المساواة باعتبارهم ممثلين لمنظومة الهيمنة التي ينتمون إليها. 
كما يتناول الكيفية التي يقاوم بها الجموع المسَيطَر عليها هذه الانتهاكات من خلال اللغة أيضًا. ويدرس الطرق التي تتم بها إعادة صياغة الأيديولوجيات والهوية وعدم المساواة من خلال النصوص المنتجة في سياقات اجتماعية وسياسية معينة. وهذا الفرع أصبح الآن علمًا مستقلاً وضعت فيه عشرات الكتب والبحوث.
ويضيف الكردي: ما دفعني إلى دراسة هذا العلم عوامل متعددة بعضها عالمي يختص بطبيعة العصر الذي نعيش فيه، وبعضها الآخر محليٌ يختص بالبيئة العربية والثقافة العربية، فعلى المستوى العالمي، يشهد العالم في الوقت الحاضر حالة ثقافية ومعرفية تشبه الحالة التي عاش فيها سقراط في القرن الخامس قبل الميلاد، أثناء سيادة الثقافة السوفسطائية عقل المجتمع الإغريقي وسلوكياته.
وفي ظل تقدم وسائل الاتصال المعاصرة، والتطور الهائل في تقنيات الدعاية والإعلان وعلوم التسويق وشيوع الفلسفات النسبية والظاهراتية والبراجماتية، حلت قيم السوق والاستهلاك والمصلحة محل قيم المعرفة، واستخدم البيان في اقتناص الفرص، بعد أن أصبح التأثير الخطابي بديلًا عن البرهان، وأصبح البحث عن الإيهام بالحقيقة بديلًا عن البحث عن الحقيقة نفسها، إذ أصبح الإنسان فريسة لبرامج محترفة في الدعاية والإعلان وترويج السلع والأفكار والثقافات، وضحية لتقنيات دقيقة في توجيه الرأي العام والتزييف الإعلامي والحروب الثقافية.
أما على المستوى المحلي، فبالإضافة إلى تأثر المواطن العربي بهذه الموجة العالمية، بات الواقع الثقافي العربي يرزح تحت تأثير عاملين آخرين، جعلاه ضحية لإساءة استخدام السلطة، العنصر الأول التراث العربي العريق في مجال إساءة استخدام السلطات الفكرية والعقدية، بل وتحول هذا التراث نفسه إلى سلطة يساء استخدامها، والثاني هو الهيمنة الغربية على مجالات الفكر والعلم والثقافة، كالتي فندها إدوارد سعيد في كتاب الاستشراق.
إضافة إلى أن المناهج النقدية العربية المعاصرة انشغلت في دراستها للأعمال الأدبية بالتحليلات الشكلية واللغوية للنصوص، وانصرفت عن علاقة هذه الأعمال بالقضايا الاجتماعية والثقافية، مما أدى إلى انفصال الحركة النقدية عن الحركة الإبداعية، ففي الوقت الذي زخرت فيه الأعمال الإبداعية بالتعبير عن الواقع المأزوم، كان النقاد منشغلين بعدّ الكلمات والأصوات وتحويل النص إلى دوائر ومثلثات ومعادلات وتطبيق نظريات نشأت في بيئات لا تعاني المشكلات التي يعانيها الكاتب والقارئ في البيئة العربية.
ومن ثم كانت هناك حاجة للبحث عن منهج يربط بين الإبداع والواقع، يفضح الحيل التي تستخدمها السلطة، ويكشف العلاقة بين الممارسة اللغوية والممارسة الثقافية، ويدرس العلاقة بين الأدب والمجتمع، من خلال تحليل خطاب السلطة وتفكيكه وتبيين قبحه، حتى إذا كان هذا الخطاب مصاغًا في نص جميل.
فهذا المنهج يستهدف زيادة الوعي بمخاطر الهيمنة وبيان قبحها. ويبين جماليات الصياغة التي يظهر بها هذا القبح، والتقنيات التي تستخدمها في التأثير على المتلقين.