"اللون العاشق" ترسم صورة فنية تاريخية لمصر

عدسة محمود سعيد تلتقط صورة بانورامية للمجتمع المصري وخصوصا السكندري في مطلع القرن العشرين.


الرواية تبدأ بمشهد يؤكد على النشأة الأرستقراطية لمحمود سعيد، وهو جالس في فيلته بجناكليس


الروائي يقوم بمغامرة فنية تُفضي إلى تحرير "بنات بحري" من أسر اللوحة


الفنان الأرستقراطي كان يرسم ناس طبقته مضطرا، وكان يهرب منهم ومن الإسكندرية نفسها

ربما ترجع ندرة حضور شخصية التشكيلي في الرواية بالعربية إلى غيابه الفعلي عن الوجدان الشعبي، بحيث لا يتذكره الروائي إلا نادرا، فها هو نجيب محفوظ وقد زخرت رواياته بآلاف الشخصيات، إلا أن الفنان التشكيلي لم يكن من بينها، على الرغم من ولع الروائي بالفن التشكيلي وقدرته على تشكيل صور بديعة بالكلمات، كتلك التي استهل بها روايته "الشحاذ" واستغرق فيها "عمر الحمزاوي" خلال تواجده في عيادة الطبيب النفسي، كذلك غاب المشاهير من التشكيليين عن الرواية العربية في مصر، إلا في حالات نادرة كظهور محمود مختار في رواية المنسي قنديل "يوم غائم في البر الغربي"، ثم شخصية "عبدالهادي الوشاحي" في رواية مكاوي سعيد "أن تحبك جيهان".
ولم تهتم رواية بالفن التشكيلي كموضوع إلا مرتين الأولى "عاريات مودلياني" لأحمد الجنايني، والثانية "اللون العاشق" للكاتب المصري أحمد فضل شبلول (دار الآن ناشرون وموزعون بعمَّان). 
وفي روايته يتوقف شبلول عند سيرة التشكيلي محمود سعيد ولوحته الشهيرة "بنات بحري"، حيث يقوم الروائي بمغامرة فنية تُفضي إلى تحرير بنات اللوحة من أسر إطارها، إلى براح المتن الروائي، والجميلات وصفا واسما، وهن حلاوتهم، وست الحسن، وجميلة.
بنات بحري
تبدأ الرواية بمشهد يؤكد على النشأة الأرستقراطية لمحمود سعيد، فهو جالس في فيلته بجناكليس، ويسهب المشهد في تقصي تفاصيل الأثاث الفخم، يستعيد زيارته الأخيرة لمتحف اللوفر بباريس، ويتذكر تمثال ربات الحسن الثلاث للإيطالي جيمس برادييه، فيقرر أن يرسم ربات الحسن المصريات في لوحة. 
الفنان الأرستقراطي كان يرسم ناس طبقته مضطرا، وكان يهرب منهم ومن الإسكندرية نفسها، يقول: "وأنا بطبيعتي لا أحب هذه الحفلات ولا السهرات، وفي الوقت نفسه لا أستطيع الاعتذار المستمر، لذا أجد السفر بعيدًا عن الإسكندرية – رغم أن الجميع يفدون إليها – هو الحل المثالي دائمًا". لم يكن على وفاق معهم، فحينما سأله أحد الوزراء وهو يرسمه عن سبب عدم رسمه لحفل افتتاح قناة السويس أو الخديوي وضيوفه من الشخصيات المهمة، أجاب الفنان بقوله "أنا لم أفكر في هذا الأمر، لأنني معنيٌّ برسم البورتريهات وبنات البلد والحياة العامة في مصر، مثل حياة الصيادين والفلاحين والناس البسطاء الذين أحبهم، فضلًا عن أصدقائي وأصدقاء والدي وأفراد العائلة". 

Egyptian novel
 الوزير طالبه بالتخيل

وأضاف مبررا عدم رسمه لحفل افتتاح قناة السويس بأنه لم يعاصر الحدث ولم يشاهده، لكن الوزير طالبه بالتخيل، وأغراه بأن تلك رغبة "ولي النعم" الملك فؤاد الذي يريد أن يحتفل بذكرى افتتاح قناة السويس في نوفمبر القادم وتدشين تلك اللوحة الكبيرة. 
هذا الحديث يكشف عن اختلاف في وجهات النظر بين الفنان وأبناء طبقته، الفنان كان يزاوج بين رغبته ورغبات ذويه، فيرسم لهم ما يريدون، ويبدع فيما يريد أن يرسمه هو، لذلك يزور منطقة بحري، يتأمل الناس والأماكن، يتذكر: "أخذت أحدّق في وجوه النساء المرتديات الملاءات السوداء المتنوعة، فتلك تجعلها فضفاضة على جسدها، وأخرى تشدها إلى جسمها فتبين ملامحه واستدارته الخلفية الرائعة. وأخرى لا تهتم إن سقطت عنها ملاءتها بعض الشيء، فيبرز إلى الوجود ما ترتديه تحت الملاءة اللف، أو يظهر جزء نشيط من جسدها الكحولي".
هكذا ولدت اللوحة، وبدأ الفنان في البحث عن الموديل، يقول "الاعتماد على موديل واحد يخلق حالة من الجمود والثبات في أسلوبي الفني، أشعر أن الموديل الواحد يسبب لي اضطرابا فنيا يختلط فيه السكّر بالملح، وقد تتحوّل الموديل الواحد إلى عاشقة تبحث عن الزواج بالفنان، مثلما حدث مع حميدة التي وقعت في حبي وأرادت الزواج بي"، في بحثه يتعرف أولا على "حلاوتهم" المطلقة التي يثيره جسدها، فيقول: "لقد نذرت نفسي وألواني وخطوطي وفرشاتي وزوايا رؤيتي لهذا الجسد الذي سأخلق منه أجسادا متنوعة ووجوها معبرة، وإيماءات بارعة، سأجعله يجسِّد رحلة الجمال المصري ويختصر كل الرسوم والإشارات الموجودة على الأحجار والمسلات الفرعونية".
وهي بدورها تأتي له بست الحسن (اسمها الحقيقي توحيدة) صعيدية تفاجئه بأنها تعرف بيرم التونسي، وتترنم بأغنية سيد درويش "أنا هويته وانتهيت"، ويصطحبهما الفنان ذات مرة إلى صديقه  المخرج محمد كريم ليرى إن كانتا تصلحان لأداء بعض الأدوار في أفلامه، وهناك يلتقى بمحمد عبدالوهاب وتوفيق الحكيم، ثم بثالثة البنات، وهي جميلة اليهودية التي انفصلت عن زوجها ورفضت أن تهاجر معه إلى فلسطين، وهي أيضا صديقة لليلى مراد.
زخم اللوحة
هكذا ترسم الرواية بتلقائية وسلاسة صورة حية للمجتمع المصري، خصوصا السكندري منه، في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، فالفنان يخالط الوزراء وهم أبناء طبقته، كما يخالط الأدباء والفنانين بحكم اهتماماته، وميله لرسم نماذج شعبية يدفعه للاختلاط بأولاد البلد من البسطاء، هكذا تلتقط عدسة محمود سعيد صورة بانورامية للمجتمع المصري في ذلك الوقت، تبرع الرواية في تجسيدها بكل ما لها من أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية.
لذلك يتسع المدى الزمني للرواية فلم يتوقف عند سنة 1935، وهي سنة اللوحة، بل يعود إلى ما قبل ذلك بتقصي أحوال وحكايات البنات، وتضيف الرواية رتوشا تثري اللوحة التي ترسمها لمصر في تلك الفترة، فمثلا يعرف الفنان من قاض صديق أن شيكوريل اليهودي الذي قتل في فراشه، قتله سائقه اليوناني بغرض السرقة، ويعرض لآراء وقضايا فنية تهم المبدع، كذلك الحوار الذي دار بينه وبين المخرج محمد كريم الذي اتهم الفنان العربي بأنه يتبنى الشكل دون وعي بخطورة المفاهيم التي يحتويها، وسأله: هل المصوّر العربي يمارس فنه بعينيه أم بعين الاستشراق، أي مثل المستشرقين من أمثال دولاكروا في رائعته "نساء الجزائر".

محمود سعيد
الفنان بريشته

ذلك الحوار وغيره يكسب الرواية زخما ثقافيا يزيد من قيمتها الفنية، خصوصا في الفصل الأخير مع اكتمال اللوحة رغم مقتل حلاوتهم، فيعبر عن قلق الفنان على منجزه الإبداعي، بقوله: "أريد أن أصل إلى الإشراقات في اللوحة وإلى كيمياء الألوان وتفاعل الظلال مع الأنوار التي ستساعدني على إنهائها، بالطريقة التي حلمت بها. ولا أريد للوحة أن تنهار بموت أو مقتل حلاوتهم، واختفاء ست الحسن أو عودتها – قسرا – إلى بلدتها، ونزوح جميلة إلى القاهرة"".
ويضيف "ولأقبع أنا هنا وحدي في مرسمي منطلقا إلى العالمية بألواني وفرشاتي وخطوطي وظلالي ولمساتي ورؤاي الفنية وتاريخي الكوزموبوليتاني الممتد منذ ما قبل الميلاد وحتى اللحظة التي أكتب فيها الآن".
هكذا تعبر الرواية عن انشغال الفنان بإبداعه، ولوازم ذلك الإبداع فتوضح مثلا أن ليس كل جسد جميل يصلح موديلا للرسام، كما تكشف الكثير من أسرار الإبداع، وتوضح التآلف والتداخل بين الفنون من سينما وشعر ورسم وموسيقى، فكلها تعبر عن رؤى المبدع للعالم. 
يذكر أن الشاعر والروائي المصري أحمد فضل شبلول فاز مؤخرا بجائزة الدولة للتفوق في الآداب 2019، كما سبق أن حصد جائزة الدولة التشجيعية في الآداب 2008 عن ديوانه للأطفال "أشجار الشارع أخواتي". (وكالة الصحافة العربية)