المثقّف بين الفراغ وهيكلة العزلة

الفنان والمثقف بصورة عامة هو فرد من المجتمع وملتبس في جزء بمشاكله ورهاناته الخاصة وحقوقه المعيشية.


المثقّف يحمل في ذاته المفردة جماعا حسيّا متجاوزا للواقعي ومنطلقا منه


إخراج الذائقة من شخوصها وتخوّفها

تحوم في أجزاء العالم أطياف التّباعد الاجتماعي. اللّاءات الصحيّة تقتفي أثر المفرد وصارت بمنزلة الظلّ له. يختلف الوضع نسبيّا بين دولة وأخرى، تبعا للدلائل والقدرات في التوقّي والعلاج. هذا لا ينفي أنّ المحمول النفسي والتّبعات مشتركة. في ظلّ واقع فرضته جائحة كورونا؛ بحيث امتدّت الصحّة وهياكلها كواجهة أساسيّة للفعل فيه. من ناحية أخرى، هذا التداعي النفسي وما يخلقه من إفرازات فردية وجمعيّة، صار بحدّ ذاته مجال تشغيل فكري وبحثي. يتجاوز الإطار مجال الصحّة والمعطيات الطبيّة إلى مدارات أخرى، من أجل الإحاطة بأبعاد المعنى في هذا الواقع الراهني.
من جملة هذه الرؤى، نجد المعطى الفنّي والثقافي، في هذا الجانب المهمّ يتطلّب الفعل تشغيل المحسوس ببعديه الجمالي والنفسي. خطاب الفنان خلال الأزمات زاوية تهوئة خارج مآلات الواقعي واحجيات السياسة ورهانات التموضع. المعيار الثقافي الفني مطالب بإعطاء وشائج وتحاليل عبر صورة جماليّة ذوقيّة، فوق الخطاب المباشر بمختلف مؤسساته. من هذا المنطلق يبرز دور الثقافة كفاعل قيميّ، بعيد من براغماتية الأرقام والمعادلات، حيث يكون أقرب لعاطفة وتلقائيّة المتلقّي. نشوء هذه العَلاقة يسهّل تقليص حجم الهوّة بين مكوّنات الخطاب؛ بحيث يلج أطر الفراغ المتزايدة ويؤسّس لتفسير ميداني فوق المتاح. الطبيعة تأبى الفراغ، لذلك فالعمل الناضج - وإن كان رمزيّا - يجب أن يأخذ مساحاته، كي لا تبقى مدارات للتبعات السلبيّة والوهم.
مواصلة الإصدارات دعوة حياة، مواصلة البحث دعوة فهم، مواصلة الإنتاج الفني دعوة جمال، في مواصلة الدعم المالي الثقافة والفكر دعوة نضال، كلّها أفعال تساهم في تعبئة الفراغ حسيّا كان أو ميدانيّا. إثراء المشهد وتنوّعه ثقافيّا دعوة شاملة لتجاوز الراهني. المشكل جامع والرهانات للخلاص في البعدين (السياسي والاقتصادي) هي فئويّة ربحيّة لا اكثر. تسابق للسيطرة وتحويل العلاج لإطار للربح وتوفير موارد. 
وحده الفعل الثقافي يبحث في المعطى الإنساني بشموليّته وكونيّته، هنا طبعا أتحدّث عن المثقّف الحرّ البعيد عن التخندق والأجندات. هذا الطيف الثقافي بأبعاده الإنسانية هو الخِيار الأمثل لإزالة ألغام بقيّة الخطب. من دون إنسانيّته يفقد المعطى الثقافي لونه، يصبح رقما مشابها لمقتضيات ما تبقّى من خطب.
المثقّف يحمل في ذاته المفردة جماعا حسيّا متجاوزا للواقعي ومنطلقا منه؛ بحيث يصبح صورة الجمع ومعبّرا عن رهانات الاختيارات العامّة. صحيح أن الفنان والمثقف بصورة عامة هو فرد من المجتمع وملتبس في جزء بمشاكله ورهاناته الخاصة وحقوقه المعيشية، لكن في ذات الحين هو القادر على بناء تصور ومعنى خارج المتاح.
فعل المثقّف خلال هذا الواقع حتميّ لإخراج الذائقة من شخوصها وتخوّفها. الأهمّ من تشخيص الفراغ هو السعي نحو هيكلة العزلة. بمعنى توليد الحسّ وتأبيد الاشتغال الجمالي على هذا المعطى، تحويل العزلة نحو مدارات أخرى بعيدا عن التّكرار الواقعي فتح للذائقة تحفيز مضاعف القدرة على التجاوز. تفعيل العزلة كمعطى جمالي يساهم في تقليص حجم الفراغ ويبني صورة الإنسان الجديد ما بعد كورونا.