بتلر يروي مشاهداته في قاهرة الأعداء

البريطاني ألفريد جاشوا بتلر الذي استدعاه خديوي مصر ليتولى تعليم أبنائه يسجل ذكرياته  في بلاط الخديوي توفيق في كتاب يترجم إلى العربية لأول مرة.


خلال الشهور التي قضاها بتلر في مصر انكب على دراسة التاريخ والآثار القبطية والإسلامية، وشهد مقدمات الثورة العرابية


المترجمان يتساءلان مندهشين عن السر وراء إهمال ترجمة الكتاب طوال تلك السنوات


الكتاب يرصد بحرفية عالية العديد من الأعراف والعادات والتقاليد المهمة في مصر 

هذا كتاب يسير في الاتجاه المعاكس للذي سلكه من قبل: توفيق الحكيم وهو يكتب "عصفور من الشرق"، ورفاعة الطهطاوي في "تخليص الإبريز"، والطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال"، وسهيل إدريس في "الحي اللاتيني"، وغيرها من كتب الرحلة العرب لاكتشاف الغرب بطبيعته وطباع أهله. 
فكتابنا هذا "الحياة في البلاط الملكي المصري" الذي وضعه صاحبه بالإنجليزية ونشر عام 1877 ولم تر ترجمته العربية النور إلا بصدور طبعة دار غراب بالقاهرة مؤخرًا بتحقيق ودراسة الدكتور محمد عزب، والدكتورة مي موافي، يضم مشاهدات البريطاني ألفريد جاشوا بتلر الذي استدعاه خديوي مصر محمد توفيق ليتولى تعليم أبنائه فمكث في هذه الوظيفة من يناير/كانون الثاني 1880 حتى فبراير/شباط 1881، واستثمر تجربته الفريدة في تدوين كل ما حدث له منذ أبحر من نابولي إلى وصوله الإسكندرية. 
 وهو يسجل في الكتاب كيف استقبله نائب حاكم الثغر، ويذكر ملاحظاته على سلوكه إلى أن ودَّعه ليتوجه إلى القاهرة، وكيف استقبله الخديوي لأول مرة بقصر عابدين، وبمن تعرف من الحاشية، وكيف أصبح واحدًا منها، وهو ما أهّله للسفر إلى الصعيد في معيَّة الخديوي على متن عبارة نيلية كانت ترسو في أهم مديريات الصعيد إلى أن وصلت إلى أسوان. 
وعلى صفحات كتابه يصف بدقة بالغة كيف كان الخديوي ينزل من فوق ظهر عبارته ليخرج في موكبه لتحية المصريين الذين ازدحموا ليستقبلوه بالرقص والغناء وبحلقات الذكر الصوفي. 
وفي تقديمهما للكتاب يقول المترجمان: "خلال الشهور التي قضاها بتلر في مصر انكب على دراسة التاريخ والآثار القبطية والإسلامية، وشهد مقدمات الثورة العرابية. وفي عام 1884 عاد من جديد إلى مصر زائرًا وباحثًا، وعقب عودته لإنجلترا وضع كتابه "الكنائس القبطية القديمة في مصر" الصادر عام 1884. وكذلك ألف كتاب "فتح العرب لمصر" الذي نشر عام 1902 وترجمه إلى العربية محمد فريد أبو حديد وصدر عن مكتبة مدبولي في عام 1996 أي بعد نَيف وتسعين سنة من صدوره.  

الكتاب يحفل بمئات المشاهد التي لم تفارق وعي هذا البريطاني طوال مدة وجوده في بلاط الخديوي أو خارجه وهي تستأهل القراءة للاستمتاع بها كنص أدبي، وللرد علي بعض منها

وكتب بتلر الكتاب الذي بين أيدينا مسجلًا فيه واقع الحياة في مصر كما شاهدها، ورغم أن عنوانه يعطي إحساسًا أنه حول أروقة الحكم وحسب، إلا أنه يرصد الكثير من الظواهر الاجتماعية في مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. 
 ويتساءل المترجمان مندهشين عن السر وراء إهمال ترجمة الكتاب طوال تلك السنوات، وهل السبب هو ما أبداه مؤلف الكتاب من تعاطف تجاه الخديوي توفيق، أو أن السبب فيما يتضح من تعليق الدكتور إبراهيم عوض، بأن بتلر "لا يعجبه شيء في أخلاق الناس في مصر ولا في تصرفاتهم، وينظر إليهم من علّ... ولا يُظهر الكتاب أي تعاطف من جانبه معهم؟ 
ويعلقان قائلين: ربما، ولكن هذا لا يمنع أن الكتاب يرصد بحرفية عالية العديد من الأعراف والعادات والتقاليد المهمة في مصر في ذلك التاريخ. 
ويستهل بتلر كتابه بقوله: استلمت برقية تستقدمني على وجه السرعة إلى مصر لأتولى التدريس لأبناء الخديوي من الذكور. لذا فسرعان ما وجدت نفسي على متن سفينة طرود فرنسية مبحرة من خليج نابولي، وبينما راحت السفينة تنأى عن الشاطئ وقعت عيوننا على منظر القصر الأحمر بأبهته وفخامته حيث كان يعيش فيه الخديوي السابق إسماعيل في كمدٍ واستياء.  
ولا يفوت مؤلف الكتاب أن يذكر أن مما زاد حنق إسماعيل وأجّج سخطه أن إحدى جواريه واتتها الجرأة والجسارة وهربت مع ضابط إيطالي وسيم من نابولي.  
ثم يعلق قائلًا: "لو حدث هذا الأمر في مصر لتم القبض على الجارية، لكن في إيطاليا؛ حيث قُلم ريش إسماعيل، تزوجت الفتاة ولا بد أنها عاشت حياة هانئة مطمئنة؛ ولا بد أيضًا أن التحدي الذي مثله هذا الهروب إلى الحرية المدنية قد خلّف مرارة في حلق إسماعيل، فلا عجب إذن أن بادر بإرسال ابنه الأمير حسن إلى القسطنطينية ليستأذن السلطان متوسلاً أن ينتقل للإقامة في إسطنبول. 
ويستأنف وصف رحلته: أبحرنا عبر مياه فسفورية هادئة. وحين مررنا بمدينة "ميسينا" حالت عاصفة متصاعدة بيننا وبين رؤية المدينة البعيدة. اختفى الساحل برمته وظلت الأمواج تتقاذفنا وسط الأمطار والحلكة القاتمة حتى فتحنا عيوننا بغتة على عالم آخر مشرق. تهادت السفينة عبر أجواء من الخيوط الذهبية والمياه الهادئة إلى داخل ميناء الإسكندرية. 
وبمجرد أن ألقت السفينة مراسيها حاصرنا أسطول جرار من المراكب الصغيرة. انتظرت على السطح حتى صعد إليّ ضابط مصري في لباس البحرية، ثم حياني مستفسرًا بالإنجليزية عن اسمي؛ وحين أكدت له أني ضالته قدم لي مرافقه، نائب حاكم الإسكندرية. عقب ذلك قاداني بكثير من الاحتفاء إلى زورق طواف رائع بعشرة مجاديف حيث اتكأت إلى وسائد مخملية ناعمة قرمزية اللون ومذهبة. عندما وصلنا إلى الترسانة، حيانا طاقم الفلك ومن ثم غادر الضابط.  

history of Egypt
ألفريد جاشوا بتلر 

حينئذ وجهني نائب المحافظ نحو عربة تجرها الخيول كانت في انتظارنا. انطلقت في شوارع الإسكندرية ونحن نتلقى عددا لا يحصى من السلامات والتحيات، وظل مرافقي يلفت نظري إلى هذا المبنى أو ذاك وهو يسألني عن رأيي في المدينة، وكان بعد كل ملاحظة يبديها يشير إلى فؤاده مضيفًا بضحكة قصيرة "أنا نائب حاكم الثغر." فهنأته على انتشائه بمنصبه الرفيع واضُطررت بقدر ما سمح به ضميري إلى إظهار بعض الحماس لبنايات متواضعة حتى لا أقع في شبهة النفاق. توقفت العربة عند خياط القصر الذي أخذ مقاساتي لعمل الزي المقرر، ثم انتهت رحلتنا أمام فندق "أوروبا" بميدان محمد علي الذي شهدت نوافذه بعد قرابة العامين والنصف ارتكاب أبشع مذابح العرابيين.  
وعاد مرافقي للتأكيد على شرف منصبه مرة أخيرة قبل أن يودعني حتى اليوم التالي. 
في السابعة صباحًا كان صاحب المكانة السامية في الانتظار. اصطحبني مرةً أخرى إلى الخياط وانطلقنا من هناك إلى محطة السكك الحديدية وقد لمعت عيناه وقرقر صوته بضحكة طويلة إزاء ما ظن أن القدر حبانا به من حظٍ طيب. أخيرًا ناولني الرجل مكتوبًا إلى زكي باشا، رئيس التشريفات الخديوية. شكرته على العطف الذي أبداه تجاهي فعقب قائلا بالفرنسية: "كلا يا سيدي... عليك فقط أن تشكر صاحب النعم فما أنا إلا خادمه المتواضع. آه يا إلهي... كم أغبطك يا سيدي فعما قريب تكون في السراي بجانب الأميرين الصغيرين وبالقرب من مولانا... أنا نائب حاكم الإسكندرية." 
وفي القاهرة كان في انتظاره مسئول من السراي أوصله إلى "الفندق الجديد" الذي شيده الخديوي إسماعيل بهذه البهرجة والفخامة لينزل به ضيوف حفل افتتاح قناة السويس. 
وبعد فترة وجيزة من إقامته بالفندق زاره "تورابي بيك"، السكرتير الإنجليزي للخديوي للترحيب به نيابة عن جلالته. وأخبره "تورابي بيك" أنه سيتم استقباله بالقصر في غضون يومين، ولم يفته أن يمتدح عطف الخديوي وطيبته. كرر "تورابي" الزيارة في اليوم التالي حاملاً رسالة استفسار من جناب الوالي عن بعض الأمور، كما حمل لهّ أخبارًا جيدة مفادها أن الخديوي سيقوم خلال أسبوع بجولة في الصعيد. وقدمه "تورابي" إلى فتاة جميلة من يهود الإسكندرية تتحدث الإنجليزية ببراعة وإتقان رغم عمرها الذي لا يتجاوز السادسة عشر، ناهيك عن الألمانية، والفرنسية، والإيطالية، وبعض العربية. 
ويشير المؤلف أنه زاُر روجرز بيك، أعظم دارسي العربية في زمانه من الإنجليز بما فيهم الأستاذ بالمر. يعتقد أهل هذه اللغة أن روجرز هو الأجنبي الوحيد الذي يتحدث العربية كواحد منهم، بل أفضل من أفضلهم. أخبره روجرز بما يتناقله بعض المصريين من أنه قد وصلت مسامع الخديوي أخبار كنز هائل من الذهب والجوهر؛ ومن ثم فقد بيت جلالته النية للتوجه إلى الصعيد لاستخراجه.   
وفي اليوم المحدد لاستقباله وصل إلى قصر عابدين، فتم توجيهه نحو حجرة انتظار جلس بها ضباط تشريفات، ومسئولون آخرون يدخنون على راحتهم. وعندما سُمح له بالدخول على جناب الخديوي تخطى غرف انتظار أخرى حسنة الفرش ثم صعد سلمًا من الرخام وانتهى به المطاف في رواق ضخم. حين ولج في الردهة كان جلالته بمفرده، فقام من جلسته وصافحه مشيرًا إليّه ليجلس بجواره. كان بالطبع قد ارتدى الزي الجديد وكذا الطربوش الذي أفهموه أنه لا يصح ولا يليق مطلقًا خلعه في الحضرة الخديوية وإلا عُدت هذه الفعلة وقاحة كبيرة. 
ويصف أول لقاء له بالخديوي: 
"ما أعظم دماثة خلق الخديوي وتبسطه وتلطفه! خلع وجهه البشوش الذي يُرى دائمًا على سجيته، وكذا صوته الذي يأخذ بالألباب وتصرفاته المهيبة الرزينة على شخصيته سحرًا وفتنة ورثهما عن والده وأورثهما بدوره لأولاده.   

تاريخ مصر
ذكريات في بلاط الخديوي

تحدث الخديوي بودٍ كبير وأنا أدخن لفافة من التبغ قُدمت لي؛ من الغرابة بمكان أن الخديوي لا يدخن. وجدت الفرصة سانحة فأخبرته بالقصة التي أشاعها الناس عن الكنز المدفون. فضحك معلقًا بحسن نية واضحة إن الكنز الوحيد الذي يطمع فيه هو رضا ورخاء شعبه.  
قبيل نهاية المقابلة أعطاني الخديوي إحساسًا بأنه راضٍ عني وأن الأميرين الصغيرين سيراودهما الشعور ذاته. وأخبرني كذلك أنه يأمل في تحسن لغته الإنجليزية عن طريق التحدث معي من وقت لآخر. وبدوري أخبرت جلالته أن وجودي في خدمته شرف كبير، ثم سلمت عليه وتراجعت للخارج مبقيًا وجهي ناحيته كما هو مُتبع." 
ثم يقول المؤلف: "قضيت الثلاثة أو الأربعة أيام المتبقية قبل المغادرة إلى الصعيد بطبيعة الحال في معاينة شوارع ومساجد (قاهرة الأعداء)، تلك المشاهد التي ألفها الرحالة وخط معظمهم كتبًا عنها. ليس لدي النية أن أصف مشاهد من هذا النوع بالرغم من استمتاعي ببهاء القاهرة وتنوع ألوانها ووفرة فنونها وعذوبة الحياة بها." 
وعشية يوم الرحيل ركب مع تورابي بيك قاصدين الباخرة لمعاينة أماكن الإيواء الخاصة بهما. وسُر كثيرًا حين علم أنه سيشاركه القمرة؛ فالرجل يعتبر نفسه في أعماق وجدانه إنجليزيًا مخلصًا رغم أنه وُلد في تركيا، وأمضى سنوات عديدة في العمل بالسفارة التركية بإنجلترا. 
ويحفل الكتاب بمئات المشاهد التي لم تفارق وعي هذا البريطاني طوال مدة وجوده في بلاط الخديوي أو خارجه وهي تستأهل القراءة للاستمتاع بها كنص أدبي، وللرد علي بعض منها.