بين الـ 'هذيان' و'حرب النعل' و'ليلك ضحى' .. الحال العربي بائس

رسالة إلى الفن والفنانين أن عملكم مستهدف بالدرجة الأولى

تجمع عروض \"هذيان\" و\"ليلك ضحى\" و\"حرب النعل\" بين الهم العربي الإنساني الخاص والهم العربي الإنساني العام، لتشكل معا حالة تكشف مبلغ الألم الذي وصل إليه الضمير الإبداعي وهو يرى ما يجري، حيث ذهب عرض \"هذيان\" إلى ما تعانيه المرأة في المجتمع العربي، وذهب عرض \"ليلك ضحى\" إلى التطرف والارهاب وما سببه من ضياع الاستقرار والأمن، وذهب عرض \"حرب النعل\" إلى أكثر فمزج بين الهم المجتمعي الخاص والهم العربي العام، لكن العروض اختلفت في الرؤية والمعالجة، حيث لم يستغل مخرج العمل الأول عارف سلطان بساطة الفكرة وعمقها في توظيف خشبة المسرح واستغلال تجليات العناصر الأخرى كالموسيقى والديكور والإضاءة وأداء ممثليه الشباب بشكل يتسق مع عمق فكرة العمل، في حين لعب مخرج العرض الثاني على كافة العناصر الفنية من إضاءة وموسيقى وغناء وحركة وحبكته السردية، وغرق مخرج العرض الثالث حسن رجب في المولونوجات واللهجة العامية الإماراتية واستخدام أكثر من أسلوب مسرحي.

العروض جاءت ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية في دورتها الـ 28، الأول كان لفرقة مسرح كلباء الشعبي وهو تأليف قاسم مطرود وإخراج عارف سلطان، وتمثيل شعبان سست ودلال وخليفة ناصر وطلال البلوشي، وهذه الفرقة قدمت أكثر من 22 عرضا مسرحيا، وجاءت كلمة المخرج في \"بانفلت\" العمل \"أيتها المرأة لأننا نحبك لن ندعك تخرجي من ذاكرتنا\" ذات دلالة ملتبسة إلى حد كبير، فالدلالة التي حملها العرض ترمي في جانب منها إلى ما تعانيه المرأة من خداع يصل بها إلى حد الهذيان، وهي الصادقة في حبها المخلصة له.

تقوم الفكرة الأساسية لعرض \"هذيان\" على زوجة اختفى زوجها الذي تحبه وتخلص له، ليتزوج بها شقيقه الذي لا يروقها، نراها في حالة من الهذيان بين الماضي الحبيب والحاضر الذي لا يطاق، وتتبادل مخيلتها الزوجين، الكرسي عالم الرجل الأول والسرير عالم الرجل الثاني، الرداء الأبيض الرجل الأول والأسود الرجل الثاني، ورؤية ضبابية تعتصر الذاكرة والقلب والجسد، حتى نكتشف أن الزوجة تقيم في مستشفى، وأنها ربما تعالج من خيانة الرجل الأول الذي اختفى ليذهب لامرأة أخرى.

حمل المخرج ممثليه الكثير من العبء، فالنص طويل وإن كان معبرا بقوة عن مضمون الفكرة، الأمر الذي جعل من أدائهم انفعالي، كما أن حركتهم مع حركة الإضاءة جاءت خالية من ذلك الإطار النفسي الذي يدور حول مضمون الحوار، لكن بشكل عام أن يسعى المخرج إلى تحقيق فكرة بهذا العمق لما تحمله من تعددية في المشاعر والإحاسيس وما ترمى إليه من أوضاع تعانيها المرأة التي كل جريرتها أنها أحبت وأخلصت، وأن يعمل بهذه العناصر البسيطة ويستطيع بفكرته، فهذا بحد ذاته نجاح.

• داعش والفن

العرض الثاني \"ليلك ضحى\" لفرقة المسرح الحديث بالشارقة من تأليف وإخراج غنام غنام، والمؤسس على نص \"ليلك ضحى.. الموت في زمن داعش\"، قدم رؤية رائقة وعذبة على الرغم من كونه يأتي في مواجهة التطرف والارهاب، وما يسببانه من تحولات مؤلمة في الإنسان والمكان وما يرتكبانه من جرائم وحشية من قتل وذبح وخنق لكل سبل السعادة في الحياة، ولأن الركيزة الرئيسية في العرض تتمثل في أن أول ما يوجه هؤلاء الظلاميون التكفيرون سهام شرورهم يوجهونها للفن وصناعه، شاهدنا غناء للسيدة فيروز وعلاقة عشق ليس بين بطلي العرض \"ضحى وليلك\" ولكن أيضا حالة عشق مع الغناء والموسيقى والتمثيل، علاقة عشق للفن، وضحكنا سخرية واستهزاء من الخطاب المتقلب للشخصيات المتحولة وأيضا من خطاب التطرف والتكفير المناهض للفن.

العرض لم يقدم مكانا محددا لأحداثه، ترك الأمر مفتوحا ليكون في أي بلد عربي أو إسلامي أصيب بوباء التطرف والإرهاب، حيث يعيش ضحى وزوجته ليلك المدرسان الفنانان والعاشقان الممسوسين بالفن والإبداع في قرية نائية، اضطرا إليها كون ضحى جاء تعيينه في مدرسة بها ولا ترضى ليلك إلا أن تكون بصحبته، ويقيمان في بيت شيخ المسجد، هذا الشيخ المتلون الذي يهجس للحصول على ليلك والاقتراب منها، يستولى المتطرفون على القرية ويتسلطون على أهلها ويتحول شيخ القرية ومدرسو المدرسة إلى مناصرين وحاملين لخطاب التطرف والإرهاب، ونرى هذا التحول في عملية غسيل المخ التي جرت للطالب العاشق للتمثيل محمود، يضيق الخناق على ضحى وليلك ويطلب زعيم المتطرفين بقتلهما بعد أن يكسر عودهما، وعندما يهربان بواسطة محمود ويتوفر لهما ملاذا آمنا، يطلق ندءا إلى كل من بالقرية بقتلهما.. ينتهى الأمر بقرار منهما بالانتحار.

لم ترق نقطة دم واحدة وإن سمعنا أصوات الرصاص، غنى ضحى وليلك أغاني فيروز التي تداخلت كعنصر أساسي مؤثر في بنية العرض، وتجلى العزف الموسيقى الذي كان يقوده ثلاث عازفين على جانب المسرح، والضوء الذي قدم لغة دراماتورجية، لنعيش في حالة إبداعية شفافة، لوحات الفلاش بالك خففت من وطأة الحاضر المؤلم ولعبت دورا في استراجع محمود من يد المتطرفين، وشكلت وعيا آخر وإيقاعا آخر لجمال الاستقرار والأمن والحب، اللقاء الأول بين ضحى وليلك، طلب يدها والزواج منها، ثم طلب أن تذهب معه إلى تلك القرية وإصرار ليلك على الموافقة رغم اعتراض والدتها واستسلام الأخيرة تحت ضغط الحب، وعلافة حب حمود وفاطمة التي كانت طيفا يلف محيط الخشبة ولم تدخل المسرح إلا في مشاهد قليلة جدا لتؤكد أنها كانت هنا وسلبها الإرهاب عالمها. لكن يظل الوجع الحقيقي أن يختتم العرض بمشهد انتحار ضحى وليلك وهو انتحار للفن والجمال في زمن التكفير والتطرف.

إن \"ليلك ضحى\" رسالة إلى الفن والفنانين أن عملكم مستهدف بالدرجة الأولى لأنه الفعل والسلاح القادر على هزيمة الظلام وفتح نوافذ الوعي والتنوير والأمل والاصرار على الحياة.

ويبقى أن نشير إلى أن أداء الممثيلين كان متسقا مع الحالة الوجدانية والجمالية الصافية، وأنهم استطاعوا أن يقدموا عرضا يخطف المشاعر والأحاسيس، فشكرا للممثلين إبراهيم سالم وآلاء شاكر ورائد دالاتي وعبدالله محمود وعلياء المناعي وعمر الملا وفيصل علي ومحمد جمعة وهلا البصار.

• حرب النعل

قراءة أخرى للحالة العربية اليوم قدمها عرض \"حرب النعل\" كاشفة عن وضاعة هذه الحرب وما تسببت فيه للإنسان العربي من فقر وظلم وفوضى وعدم استقرار ورحيل الكثير من الأعزاء شهداء. دلالات كثير حاول العرض الذي قدمته جمعية دبا الحصن للثقافة والتراث والمسرح، وهو نص من تأليف إسماعيل عبدالله وإخراج حسن رجب، يمكن أن نسجل من بينها أولا الصراع المجتمعي على لقمة العيش وسيطرة بعض الكبار على مقدرات وأقوات الفقراء والضعفاء، وثانيها وضع المرأة، فعلى الرغم من أنها تبدو قوية إلا أنها لا تزال أسيرة القمع الذكوري، وثالثا الحالة الثورية التي أفضت للفوضى وترتب عليها انهيار القيم والدخول في حروب وظهور الإرهاب، وأخيرا الصراع الخارجي والأطماع المحيطة بالوطن ومقدراته، الأمر الذي أفضى بالنهاية إلى سيطرة الكلاب أو القطط السمان غير ذات الملامح والتي ترقص رقصت الراب.

إنها الحالة العربية بفوضويتها التي ألقت بظلالها على الرؤية الإخراجية فجاءت مضطربة بين التراجيديا والفازنتازيا والكوميديا، ليصعب تصنيفها. دخل بمقدمة موسيقية طويلة لفت أحدهم إلى أنها موسيقى تصاحب حالات الموت، دخل بها على عالم البحارة والبحر والصيد، إلى حوار بين أب ضرير وابنته يعانيان من سطوة \"الحوت\" الذي يسيطر على ما ترزقه القرية من صيد السمك.

أيضا استغرقت العرض المونولوجات التي جاء كلاسيكية جدا في أدائها وحملت في طياتها الحكمة والفلسفة والنبوءة والمعرفة، كما أن الكوميديا لم تكن نتيجة موقف وحركة بقدر ما كانت كوميديا لفظية، بالتأكيد كانت هناك علامات مضيئة داخل العرض من بينها الإيحاءات البصرية والقدرة على ضبط إيقاع وحركة عدد كبير من الكوادر حيث شارك في العرض ما يتراوح بين 25 و30 ممثلا.

مفردات العرض من لهجة وملابس وبحر وسعف نخيل ووعاء الخوص وصيد السمك والموسيقى باستثناء موسيقى الراب التي ختم بها جميعها خليجية وإماراتية، حيث استغرق المخرج في التيمات الشعبية والتراثية، كما كانت هناك فرقة موسيقية تستخدم الأدوات الموسيقية المحلية وقد أعطت روحا مختلفة حيث كانت كثيرا ما تعمل وفق طلب الممثل.