تنويعات نقدية في عالم الرواية العجيب

منير عتيبة يقوم بتفكيك النصوص للوصول إلى تجلي الأفكار التي بنى الكاتب روايته على أساسها تقنيًا.


الرواية العربية وهي تعيش منذ عقود ربيعها، فإن أحداث ما عرف بالربيع العربي كانت محورا لعشرات الروايات العربية.


الكتاب يضم نقدا لأربع وعشرين رواية صادرة في الألفية الجديدة


الكاتب يقرأ الروايات بعين مبدع يعرف جيدا أصول صنعة الرواية

لا يقتصر انشغال الكاتب المصري منير عتيبة بعالم الرواية على كتابتها، ولا على الإشراف على مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية وإدارته لعشرات الندوات عن الرواية، بل امتد ليدفعه إلى نقدها، فأردف كتابه "في السرد التطبيقي" بكتاب ثان صدر عن دار الهلال في القاهرة بعنوان "في عالم الرواية العجيب"، يضم أربعا وعشرين رواية صادرة في الألفية الجديدة. 
ومنير عتيبة في فصول كتابه يقرأ الروايات بعين مبدع يعرف جيدا أصول صنعة الرواية، فيقوم بتفكيك النصوص للوصول إلى تجلي الأفكار التي بنى الكاتب روايته على أساسها تقنيًا، والوصول إلى المعنى العام للعمل بما تمثله التقنية المستخدمة فيه، مع التأكيد على أنه ليست هناك قراءة واحدة ممكنة للعمل الأدبي، وإنما هناك قراءات عديدة وكل قراءة تخص صاحبها، والعمل الجيد وحده هو الذي يسمح بتعدد القراءات.
ربيع الرواية
إذا كانت الرواية العربية تعيش منذ عقود ربيعها، فإن أحداث ما عرف بالربيع العربي كانت محورا لعشرات الروايات العربية، وقد توقف عتيبة في كتابه عند بعضها، فمحمود الورواري في روايته "مدد" يتحدث عن فساد بعض وزراء مبارك، بينما رواية "حافة الكوثر" يهتم كاتبها على عطا بسنوات الاضطراب السياسي التي أعقبت ثورة يناير فجعل منها خلفية زمانية للأحداث ومعادلاً موضوعياً لأزمة البطل غير المتحقق عاطفيا ومهنيا، بينما يحرص وائل وجدى فى روايته "ورقة أخيرة" على الحياد التام كروائي، فيقدم نماذج من الشباب المصرى قبيل ثورة يناير، ليس لديها اهتمامات سياسية إلا أن الواقع يجبرها على الاستجابة للدعوات المتواترة بالنزول في 25 يناير، والرواية التي تنتهي قبيل اندلاع الثورة توهم بأن الثورة لن تقوم فعلا إلا فى اليوم التالى لانتهاء القارئ من قراءة الرواية. 

الرواية العربية وهي تطرح سؤال فشل الربيع العربي دخلت إلى نفق التاريخ بحثا عن جواب

أما رباب كساب فانطلقت في روايتها "فستان فرح" من حالة ركود عامة، وإحباط معتم يملأ قلوب شخصياتها الرئيسة، ويهيمن على عقولها، شخصيات مهشمة بفعل العلاقات العاطفية والاجتماعية المهترئة، وبفعل الواقع الاقتصادى شديد الوطأة، تدور كل شخصية فى دائرة حياتها الخاصة المغلقة، وتعيش قصتها الصغيرة باحثة عن ثقب إبرة لاستمرار الحياة، من دون أن تعرف أو تكون لديها فرصة للتعرف على مكنونها وماهيتها الذاتية.
ومع تفجر الثورة تكتشف كل شخصية ما كان خافيا عنها فى شخصيتها، تكتشف قدرة الصمود والتحدى بداخلها، وتحرص الراوية على إيراد المشاهد التى توضح ما فعلته الثورة بالمصريين، وتحرص على ذكر تفاصيل أيام الثورة الثمانية عشر، لكنها بذكاء فنى تربط أحداثها بحركة شخصيات الرواية، فلا تتحول إلى مجرد تسجيل لما حدث يمكن أن نقرأه فى أى موقع إخبارى، وفى نفس الوقت تستخدم هذه الأحداث فى دفع الرواية خطوات للأمام وفى تربيط علاقات شخصياتها بعضها ببعض إيجابا وسلبا.
استدعاء التاريخ
يتوقف الكاتب عند روايتي "المغامر" للكاتب أحمد حسن صبرة، و"كلاب الراعى" لأشرف العشماوي، وقد صدرتا في وقت واحد، وتناولتا نفس الموضوع وهو تولي محمد علي لحكم مصر بعد خروج الحملة الفرنسية، لكن رواية "المغامر" بتقديمها لصورة الأحوال فى مصر مقابل قصة حياة محمد علي خارجها، أخلصت للتاريخ ولهدفها في كشف أساليب المغامر في ابتلاع البلاد، بينما "كلاب الراعي" استحضرت التاريخ لتبحث فيه عما يشبه اللحظة الحالية، فالكاتب مهموم أساسا بواقعه الآني المعيش.
أيضا يعرض عتيبة لروايتين قاربتا التاريخ الأندلسي، فتناولت "الموريسكي الأخير" لصبحي موسى أحوال المسلمين الذين ظلوا في الأندلس بعد سقوط غرناطة، والذين اضطروا إلى التظاهر بدخول المسيحية بعد صدور القرار الملكي بتنصير كل من بقى من المسلمين، وحرق كل الكتب العربية، ومنع ارتداء الزي العربي، أو التحدث باللغة العربية، فتعرض الموريسكيين، لمحاكم التفتيش الإسبانية التي راقبت أحوالهم اليومية للتأكد من أنهم يمارسون الشعائر الدينية التي أجبرهم عليها الحكام الإسبان، وتعرض الكثير منهم جراء ذلك للتعذيب ومصادرة الأراضي والتهجير.
أما رواية "البشرات.. النبضة الأندلسية الأخيرة" ففيها يفتح الكاتب إبراهيم أحمد عيسى الباب على قضيتين، الأولى علاقة الرواية التاريخية بالحاضر، فبرغم من أنه انغمس في التاريخ بروايته وبطريقة حكيها، إلا أن لديه إشارات تحيل القارئ إلى واقعنا المعاصر. كأن يشير إلى الاحتلال الاستيطانى واستدعاء الأفاقين من كل أوروبا للاستيلاء على دور وأراضى الأندلسيين بما يحيل القارئ إلى مأساة فلسطين، لكن الرواية فى العموم كانت مستغرقة فى اللحظة التاريخية بأكثر مما فتحت مجالاً إلى تأويل اللحظة الحاضرة. أما القضية الثانية ترتبط  بقول البعض إن طرد القشتاليين للأندلسيين ليس احتلالاً بقدر ما هو استعادة السكان الأصليين لأرضهم، وهو ما ترفضه الرواية على ألسنة أكثر من شخصية، مؤكدة أن الذين دخلوا الإسلام خلال عقود طويلة من عمر الدولة الإسلامية فى الأندلس هم من صنعوا هذه الجنة على الأرض، وهي وطنهم، ومن طردوهم منها هم محتلون غاصبون يستحقون أن يثور عليهم النبلاء ولو لم يكن لهم من أمل في ثورتهم إلا الموت بكرامة. 

Literary criticism
تجلي الأفكار 

والكاتب في تناوله لرواية "جبل الطير" لعمار علي حسن يرى أن الروائي يحفر حفرًا عميقًا في طبقات الوعي الثقافي المصري على مدار آلاف السنين، ذلك الوعي الذي يتمحور حول فكرة الدين، وفي القلب منها علاقته بالموت، فيصبح عمله هنا هو تشريح هذه الطبقات المتراكمة لمعرفة المختلف والمتشابه، وعرق الذهب الذي يسري فيها جميعًا فيربطها معًا من عهد تعدد الآلهة الفرعونية إلى عهد التوحيد الإخناتوني، والانقلاب على الإخناتونية، والمرحلة المسيحية، والمرحلة الإسلامية، بكل ما في هذه المراحل من تنوع وألوان طيف متعددة داخل كل منها، إذ يبقى الإيمان الشديد للإنسان المصرى بالإله، واعتقاده الجازم بفكرة الموت والحياة بعده، وأهمية أن تكون الحياة الدنيا مجرد إعداد للحياة بعد الموت بإرضاء رب الحياتين.
كما يشير الكاتب إلى أن لكل دين متعصبيه ومتشدديه وإرهابييه، كما أن لكل دين مؤمنين حقيقيين على صلة طيبة بالإله انطلاقًا من إيمان راسخ يرجو وجه الخالق فقط، ولكل دين كهنته، قساوسته، شيوخه، رجاله الذين يعملون بإخلاص وصدق نية في سبيله، والذين يستخدمون الدين في تحقيق مكاسب سياسية، ويستخدمهم الساسة في تحقيق مكاسب أيضًا، وهي الظاهرة التي لا أظنها يمكن أن تنتهى.
وتتوالى الدراسات وتفكيكها للروايات التي اختارها الكاتب من بين الأعمال التي تعالج ثورة يناير أو الأعمال التي صدرت بعضها وتراوحت موضوعاتها بين التاريخ والسياسة، ليكشف عن أن الرواية العربية وهي تطرح سؤال فشل الربيع العربي دخلت إلى نفق التاريخ بحثا عن جواب. (وكالة الصحافة العربية)