ثمة ذئب في البراري يتفقد الأثر

السيد بوفايد لازمه ذئب الشعر وظل على دأبه الشعري من تلك المجموعة وإلى الآن.


"كما الذئب في الخمسين" مجموعة شعرية جديدة للشاعر التونسي السيد بوفايد.


ماذا ستترك يا أبي حين يأخذك الغياب إلى الغياب؟

من أجمل الدروب في أرض الكتابة، درب الشعر. نعم هذا المحفوف بالمضي بعيدا وبالشجن والمغامرة والقول الباذخ حيث الكلمات مجال بهاء نادر يعلي فيه الشاعر من شأن الذات وهي تحاور تفاصيلها وعناصرها وأشياءها بكثير من الانتباه والإصغاء للهامشي فيها والمتروك واللامنتبه إليه. هي فسحة لا تضاهى تنبت خلالها وفيها أعشاب المعنى وأزهار الدواخل وتصعد أشجار كثيرة تعانق أسئلتها الشتى.
نعم الشعر ترجمان الفجيعة وفكرة الشيء واللاشيء وحرقة الكائن وهو يتلمس عناصر حلمه المفقود والمنتظر والمضمحل بموسيقى الآه.
ثمة ذئب في البراري يتفقد الأثر ويقرأ ما تداعى من السنوات. يعيد سرد ممكنات وضياع وتفاصيل مر بها ولكنه الآن يراها من زوايا أخرى وبألوان مغايرة.
في تلك السنوات من منتصف ثمانينيات القرن الماضي كان هناك صوت متعدد أنبأ بجيل شعري جديد حيث لم تكن هناك حفلات للشعر العميق ولا مهرجانات ولا نواد سوى لقاءات يتيمة يكبر فيها حب شعراء المرحلة ليصل المطاف بميلادين شعريين في ملتقى حي الزهور وبعده في مهرجان فليبية. لكن الشاعر يوسف رزوقة في تلك الفترة تغمد هذه الأصوات بحنان هائل تعريفا وتثمينا. ونشر رزوقة في تلك الفترة عددا من القصائد لدى إشرافه على الصفحات الأدبية لجريدة "الأيام" تحت عنوان "الشعر القلعاوي"، وكان يعني حساسية شعرية بالقلعة الكبرى من الساحل التونسي وضمت بالخصوص أصواتا مهمة. ومن الشعراء نذكر بديع بن مبروك وسمير بوقديدة وعبدالحميد ضريوة والسيد بوفايد.
السيد بوفايد لازمه ذئب الشعر وظل على دأبه الشعري من تلك المجموعة وإلى الآن حيث تعددت إصداراته الشعرية وكذلك حضوره في الأماسي واللقاءات وهو صاحب هذه التجربة الحرية بالمتابعة.

السيد بوفايد شاعر يزرع شجرة في غابة رغم عواء الذئب. هذا الذئب الوديع أحيانا عند منتصف الطريق

من أعمال السيد "ثمّة شيء غامض" و"احتشاد الأسئلة" و"رياح الشتات" و"يهطل على ضفائرها البهاء" وذلك بين سنتي 2005 و2015 وصولا الى ديوانه الأخير "كما الذئب في الخمسين" الصادر عن مطبعة فن الطباعة بتونس.
في هذا الديوان عدد من القصائد ضمن عناوين هي: اللّؤلؤة  ولا أحد يليق بها وهنّ السود الجميلات وحضور يتسلّق الذاكرة وحوار عاطفي والمرأة الغامضة وشذرات وتخاريف المرضى ودعاء ومشهد الريح وكان يمكن أن ينجو و لا شيء يمنعني وغموض ونام حبيبي وحيدا وأكتب إليها ولا يعجبني والموت المشتهى والشجرة.
في هذه المجموعة ظل الشاعر السيد بوفايد وفيا لنهجه الشعري من حيث الوعي بأن القصيدة هي هذا الهاجس والإحساس والأسئلة الساكنة في دواخله، يقولها بحيز سردي تمضي معه الكلمات في سلاستها بعيدا عن التعقيد المفتعل والبعيد عن الغموض الجميل الذي يقوي النص ويكسبه متانة جمالية تدعو القارئ لتعميق العلاقة به قراءة وتأويلا.
نعم قصيدته منسابة في شجنها وكبرياء شاعرها الذي يعود لأشيائه وعناصره وأهله مسائلا وبكثير من الحيرة والحنين لا يرتجي غير شموخ هو من شيم وعلامات وأحوال الشعراء:
"يقول ولدي
ماذا ستترك يا أبي
حين يأخذك الغياب
إلى الغياب...
ســاترك
اسما شامخا تتباهى به
وما ورثته عن أبي (...)".
السيد بوفايد ياطب الأشجار والرياح والحجر والصمت لا يلوي على غير القول بالشعر هذا الشاسع في نظره تجاه الذات والآخرين وعناصر الحياة في شجن بليغ وفي لغة تسكن دواخله وهو الحالم في كون متداع ويشهد ضجيجه المفتوح على الفجيعة وهكذا فان بوفايد في هذا الديوان بث العناصر حبه تجاهها كطفل يتحسس لعبه الأولى في مسحة كشف واكتشاف. هي علاقة الشاعر بالشجرة التي عدد جمالها الدفين والصامت وهي الهادئة في هذا الأفول:
"وحدها الشجرة واقفة 
بهدوء
لا تكترث بالريح تحتها
تمد يدها للفراشات 
وتتعطر بظلها.
وحدها الشجرة القديمة  
تراقب الأحداث 
بعيون مفتوحة 
وأذان صاغية 
تحصي أخطاءنا 
وما ارتكب العشاق 
من حماقات 
تحت ظلالها.
وحدها الشجرة ذات الأوراق 
المتجددة
تتابع خطانا
وتكنس بقايانا
حين نذوي 
وتبقى
كعادتها دائما هادئة."  

Poetry
كم أنا مبتهج بوحدتي 

في المجموعة الشعرية "كما الذئب في الخمسين" يبدو الشاعر متجولا مأخوذا وفق حالات شتى بين الحزن والحلم والأمل والشجن والحنين، وهكذا فهو الكائن المهموم بتبدل الأحوال حيث الوجد ذلك العنوان البين في هذه الشؤون الشعرية التي أرادها الشاعر تعبيرات دالة على هشاشة الكائن الذي يرتجي شيئا من هدأة الذات وسكنها الوجداني:
"أين اختفى بريق عينيها
وأي ريح حملت ضوء
وجهها المعتاد
حتى تهاوت في ظنونها المبهمة
....
ألم 
ودم يفور
وجسد أثخنه الخوف 
والحذر...".
الحزن يطبع مجمل نصوص المجموعة. هذا الحزن المعتّق الذي جعل منه السيد بوفايد ملاذا جميلا وحميما في زحمة الأحداث والمشاعر ولعله الحزن المتسع للطمأنينة فالشاعر يرى الأشياء وفق إيقاعه الخاص كأن يطمئن وسط الظلام والسقوط والأهوال مستعيرا من الحياة سخريتها الباذخة. إنه الحزن الناعم المولد للجمال وللجديد وان "بعد عام .. بعد عامين وجيل":  
"أنا حزين جدا...
وأشعر بالضيق
كأن العالم قبر
فسيح...
ومع هذا
أرى الحياة تمشي بقدمين 
مطمئنتين 
هازئة مني 
وبخطى الحلزون 
تدب...".
الشاعر هذا الذاهب عميقا في جواهر الأشياء يتقصد ذاته فيها وبها يعود في هذه القصائد مبشرا بالبهجة في هذه الأمكنة التي تحتاج الورود والعصافير والجداول، وهو الذي يشير إلى حاجة الكائنات إلى عناصر الجمال قتلا للسواد ولكنه وهو المبشر بالفرح يلوذ بوحدته حين لا ينتبه الآخرون إلى تنبيهاته وتباشيره. هو الشاعر الغني بوحدته يبتكر أكوانه المثلى ممتلئا بذاته في خراب الأمكنة والأزمنة:
" ... وحدي
كم أنا مبتهج بوحدتي 
أوزعها على الأروقة
والفراغات...
وأشكل منها
شرفة تتدلى
وطيورا...
وصباحات مشرقة.
وحدي
متوج على مملكتي
وممتلئ بوحدتي...".
"كما الذئب في الخمسين" كون شعري للسيد بوفايد راوح فيه بين القول بالذات في حلها الوجداني وترحالها بين الحنين والذكرا كل ذلك في لغة سلسة تجاه تلوينات العناصر والتفاصيل ..هي فسحة شعرية تبشر بأصوات الفراشات والورود في ليل الضجيج والسقوط، والشاعر هنا صوت حكمة بدت في الخمسين من خطى السنوات. 
السيد بوفايد شاعر يزرع شجرة في غابة رغم عواء الذئب. هذا الذئب الوديع أحيانا عند منتصف الطريق. وتظل طريق الشعر شاسعة تجاه الأمل الملون بالشجن والحزن والحلم البليغ.