حبيبة محمدي تدرس شهوة الحكمة وجنون الشعر عند نيتشه

الفلسفة بحث في الماهيات والأفكار المجردة، والشعر خيال، لا يقدم حقائق فكرية، ومن ثم ققد يصعب وجود علاقة بين الشعر والفلسفة.


الباحثة الجزائرية: لا يقف نيتشه عند حد تحطيم القيم، وإعادة بنائها، وإنما يتعداه إلى إصلاح حال الإنسان الذي ارتضى بأن يكون مجرد فردٍ في قطيعٍ


الكتاب يتناول التعبير الشعري عند نيتشه ومضامينه الفلسفية

أكدت د. حبيبة محمدي أن كتابها البحثي "نيتشه شهوة الحكمة.. جنون الشعر" يتناول العلاقة بين الشعر والفلسفة في التفكير الفلسفي المعاصر، يُعد موضوعًا مهمًّا إذا وضعنا في الاعتبار أنه يمثل من جهة مجالًا بكرًا في الدراسات الفلسفية، ولأنه يتعرض لفيلسوف عُرِف بالغموض والصعوبة من جهةٍ ثانية، فمن الجهة الأولى، كان التعرض لموضوع العلاقة بين الشعر والفلسفة من جانب الباحثين في الحقل الفلسفي نادرًا، فقلما نجد بحثًا متخصصًا في طرق هذا المجال، وغالبًا ما تم تناوله من بعيد بجانب موضوعاتٍ أخرى، والعذر كل العذر لهم، فمن منا لم يشك يومًا في إمكانية التقارب بين الشعر والفلسفة، وذلك على اعتبار أن الفلسفة بحث في الماهيات والأفكار المجردة، وأن الشعر خيال، ولا يقدم حقائق فكرية، ومن ثم قد يصعب وجود علاقة بين الشعر والفلسفة من وجهة النظر هذه!
غير أن هذا البحث، ومن خلال الفيلسوف نيتشه، يحاول إثبات إمكانية وجود هذه العلاقة بين الشعر والفلسفة رغم اختلاف الآراء.
وتتساءل الباحثة: لو افترضنا وجود مثل هذه العلاقة، فما جدواها؟ وما أهمية أن يتضمن الشعر الأفكار الفلسفية؟ وهل من الممكن أن تُقدم الأفكار الفلسفية في إطارٍ شعري؟ من هنا كانت أهمية البحث الذي يخترق مجالًا ليس سهلًا، علاوةً على ذلك أنه مُرَكَّز على الفيلسوف الألماني نيتشه، وهو فيلسوف مثير للجدل، ناهيك عن صعوبة فهمه وغموض لغته، ولكن تقديمه يعد ميزة جديدة تضاف إلى هذا البحث.
وعن سبب اختيارها نيتشه بصفةٍ خاصة من بين الفلاسفة المعاصرين؟ قالت: لأنه استطاع أن يجسد بطريقةٍ عملية العلاقة بين الشعر والفلسفة، من خلال استخدامه اللغة الشعرية في تقديم الأفكار الفلسفية، حتى بدت فلسفته شعرًا، وهذا ينم عن قدرته البالغة على تطويع تلك اللغة الشعرية لتقديم الأفكار الفلسفية.

الكتاب يعرض لوجهة نظر نيتشه حول الفن، وعلاقته بفلسفة الجمال بصفةٍ عامة، وأهمية كتاب "ميلاد التراجيديا" الذي أوضح فيه موضوع الفن

حقًّا، لقد أتى نيتشه – شاعر الحكمة، وفيلسوف الشعر- بمطرقةٍ في يده، والهدف هو تحطيم قيم التراث الغربي التي أضحت – في رأيه - بالية وعاجزة عن تقديم مضمونٍ جديد، بل وامتدت أمنيته هذه إلى التراث الإنساني كله الذي رآه في حاجةٍ ماسة إلى إعادة البناء على أسسٍ جديدة لا تتغير.
وتضيف: ولا يقف نيتشه هنا عند حد تحطيم القيم، وإعادة بنائها، وإنما يتعداه إلى إصلاح حال الإنسان الذي ارتضى بأن يكون مجرد فردٍ في قطيعٍ ليس لديه حرية في تقرير مصيره، ولا يمكنه بالتالي أن يتحمل مسئولية أي شيءٍ آخر، ولهذا حاول نيتشه أن يستدرج هذا الإنسان إلى حافة الهاوية ليشعر بالخطر المحدق به، وحينذاك لا يفر من ضرورة الاختيار بين إمكانيتين لا ثالث لهما، وهما: إما أن يكون حيوانًا، وإما أن يكون إنسانًا أعلى.
وترى أن الإنسان الأعلى عند نيتشه هو أمل الإنسانية كلها، وذلك لأنه يجسد الإنسانية في أكمل معانيها بما يحمله من فضائل، مثل: النبل، والشجاعة، والأمانة والحرية، والمسئولية، والقوة. والقوة هنا لا تكون مجرد قوة جسدية، وإنما تضاف إليها القوة العقلية والروحية، بما يوحي بأن هذا الإنسان لديه شغف بالعلم والمعرفة والإبداع، لهذا كانت القوة عنده إرادة، إنها إرادة القوة.
أفكار نيتشه

وعلى طريقة الشعراء يجسد نيتشه أفكاره هذه مستوحيًا فيما يكتب، رؤية زرادشت وديونيزوس للحياة والإنسان. ولعله يريد أن يكون مثل نبي، أو حتى إله من آلهة اليونان القدامى، بحيث تكون رؤيته غير قاصرة على زمانٍ معين أو مكان محدد، وإنما تمتد لتصلح لكل إنسانٍ في كل عصر وكل مكان، فهو يخاطب الإنسان في كل زمانٍ ومكان، ذلك الذي يرغب فقط في أن يكون إنسانًا أعلى، وبرغم نبل موقفه، فإن الكثيرين قد فهموا أفكاره فهمًا خاطئًا، بل وأولهم الألمان، في فترةٍ ما.. لصالح النازية، رغم أنه رفضها بكل كيانه، كما رفض التعصب العرقي في أشكاله كافة. ولكن أفكار نيتشه قد عاشت ونمت، وليس أدلَّ على ذلك من أن الأوروبيين ما زالوا يعيشون على تصوراته حتى الوقت الراهن.
وينقسم البحث إلى مقدمة وأربعة فصولٍ وخاتمة: في المقدمة تناولت الباحثة أسباب اختيار الموضوع وأهميته، والمنهج الذي استخدمته في هذا البحث.

وجاء الفصل الأول بعنوان: "العلاقة بين الشعر والفلسفة في الخطاب الفلسفي"، حيث أوضحت الباحثة العلاقة بين الشعر والفلسفة في تاريخ الفكر الفلسفي بدءًا من الفلاسفة اليونانيين القدامى أمثال بارميندس، وآنباذقليس، وهيراقليطس، وأفلاطون، وأرسطو، وغيرهم. وصولًا إلى الفلاسفة المحدثين أمثال هيجل، والمعاصرين من أمثال هايدجر، وذلك بهدف وضع نيتشه في خط الفكر المعاصر عبر تاريخه الممتد من اليونان حتى المعاصرين.
أما الفصل الثاني فقدم فلسفة نيتشه، ويحمل عنوانًا هو: "مدخل إلى فلسفة نيتشه". وتناول نشأة نيتشه، وملامح عصره التي أثرت في فلسفته، وكذلك الأفكار الرئيسية التي تناولها، مثل: فكرة إرادة القوة، وفكرة الإنسان الأعلى، وفكرة العود الأبدي. وألقى الضوء على الترابط القوي بين هذه الأفكار عند نيتشه بما يدحض الادعاءات التي تقول بتفكك أفكاره، وعدم ترابطها في نسقٍ يسمح بإمكانية فهمها. وبعد ذلك عرضت الباحثة للجانب النقدي في فلسفة نيتشه، فأوضحت كيف أن النقد ارتبط بفلسفته، وأن هذا يعد أمرًا طبيعيًّا لفيلسوفٍ جاء من أجل إصلاح الإنسانية، ولهذا كان من الضروري أن يتخذ من النقد طريقًا للإصلاح.
وتناول الفصل الثالث موضوع "النزعة الفنية عند نيتشه"، حيث عرض لوجهة نظر نيتشه حول الفن، وعلاقته بفلسفة الجمال بصفةٍ عامة، وأهمية كتاب "ميلاد التراجيديا" الذي أوضح فيه موضوع الفن، كما يعرض الميول الفنية عند نيتشه، والتي تبدت في ولعه بالنثر، والشعر، والموسيقى، الأمر الذي جعله فيلسوفًا شعريًّا بالدرجة الأولى.
أما الفصل الرابع والأخير فتناول "التعبير الشعري عند نيتشه ومضامينه الفلسفية". وتناول أفكار نيتشه حول الشعر وفلسفته، وذلك من خلال توضيح الفرق بين كتاباته النثرية والشعرية، وأيضًا من خلال توضيح المضامين الفلسفية التي تحملها لغة نيتشه الشعرية كما بدت في كتاباته المختلفة، مثل: "هكذا تكلم زرادشت"، "أفول الأصنام"، "إنسان مفرط في إنسانيته"، "العلم المرح". ثم جاءت الخاتمة لتلخص أهم النتائج التي توصلت إليها الباحثة.
يذكر أن كتاب "نيتشه شهوة الحكمة.. جنون الشعر" للدكتورة حبيبة محمدي ، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. (وكالة الصحافة العربية)